المَلائِكةُ عِبادٌ لله مربوبون ليس لهم من خصائصِ الرُّبوبيَّةِ والألوهيَّةِ شَيءٌ.
قال اللهُ تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 79، 80].
قال ابنُ تَيمِيَّةَ: (فبَيَّن سُبحانَه: أنَّ اتخاذَ المَلائِكةِ والنَّبيّين أربابًا كُفرٌ، فمن جعل المَلائِكةَ والأنبياءَ وسائِطَ يدعوهم ويتوكَّلُ عليهم ويسألُهم جَلْبَ المنافِعِ ودَفْعَ المضارِّ، مِثلُ أن يسألَهم غُفرانَ الذَّنبِ وهدايةَ القُلوبِ وتفريجَ الكُروبِ وسَدَّ الفاقاتِ؛ فهو كافرٌ بإجماعِ المُسلِمين) 3866.
وقال الله سُبحانَه: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 26 - 29].
قال ابنُ كثير: (المَلائِكةُ عِبادُ اللهِ مُكرَمون عِنده، في منازِلَ عاليةٍ ومقاماتٍ ساميةٍ، وهم له في غايةِ الطاعةِ قَولًا وفِعلًا... لا يتقَدَّمون بين يديه بأمرٍ، ولا يخالِفونه فيما أمَرَ به بل يبادِرون إلى فِعْلِهـ) 3867.
وقال السَّعْديُّ: (أخبر تعالى عن وَصفِ المَلائِكةِ بأنَّهم عبيدٌ مَربوبون مُدَبَّرون، ليس لهم من الأمرِ شيءٌ، وإنما هم مُكرَمون عند اللهِ، قد أكرمهم اللهُ، وصَيَّرَهم من عبيدِ كَرامتِه ورحمتِه، وذلك لِما خَصَّهم به من الفضائِلِ، والتطهيرِ عن الرذائِلِ، وأنهم في غايةِ الأدَبِ مع الله، والامتثالِ لأوامِرِه.
فـ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ أي: لا يقولون قولًا ممَّا يتعَلَّقُ بتدبيرِ المملكةِ حتى يقولَ اللهُ؛ لكمالِ أدَبِهم، وعِلْمِهم بكمالِ حِكمتِه وعِلْمِه. وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ أي: مهما أمرهم امتَثَلوا لأمْرِه، ومهما دَبَّرَهم عليه فعلوه، فلا يَعصُونه طَرفةَ عَينٍ، ولا يكونُ لهم عَمَلٌ بأهواءِ أنفُسِهم من دونِ أمرِ اللهِ، ومع هذا فاللهُ قد أحاط بهم عِلْمُه... وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أي: خائِفون وَجِلون، قد خَضَعوا لجلالِه، وعَنَتْ وجوهُهم لعِزِّه وجمالِهـ) 3868.
وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لجبريلَ: ألا تزورُنا أكثَرَ مما تزورُنا؟
، قال: فنزلت: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا [مريم: 64] 3869.
فالمَلائِكةُ مطبوعون على طاعةِ اللهِ، ليس لديهم القُدرةُ على عصيانِه.
قال اللهُ تعالى عنهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] .
فتَرْكُهم للمعصيةِ، وفِعْلُهم للطَّاعةِ جِبِلَّةٌ، لا يُكَلِّفُهم أدنى مجاهَدةٍ؛ لأنَّه لا شهوةَ لهم، ولعلَّ هذا هو سَبَبُ قَولِ بَعضِ العُلَماءِ: إنَّ المَلائِكةَ ليسوا بمكَلَّفين، وإنهم ليسوا بداخلينَ في الوَعدِ والوعيدِ.
ويمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ المَلائِكةَ ليسوا بمكَلَّفين بالتكاليفِ نَفْسِها التي كُلِّف بها أبناءُ آدَمَ، أمَّا القولُ بعَدَمِ تكليفِهم مُطلَقًا فهو قَولٌ مَردودٌ، فهم مأمورونَ بالعبادةِ والطَّاعةِ، يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 50] ، وفي الآيةِ أنهم يخافون رَبَّهم، والخوفُ نوعٌ من التكاليفِ الشَّرعيَّةِ، بل هو من أعلى أنواعِ العُبوديَّةِ؛ قال اللهُ تعالى في شأنِهم: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28] 3870.
نماذِجُ من عِبادةِ المَلائِكةِ:
1- التسبيحُ:
قال اللهُ تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30] .
وقال اللهُ تعالى عن حَمَلةِ عَرْشِه: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر: 7] .
كما يُسَبِّحُه عمومُ مَلائِكتِه. قال اللهُ سُبحانَه: وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: 5] .
وتسبيحُهم لله دائِمٌ لا ينقَطِعُ. قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20] .
قال السَّعْديُّ: (أي: مُستَغرِقين في العبادةِ والتسبيحِ في جميعِ أوقاتِهم؛ فليس في أوقاتهم وقتٌ فارغٌ ولا خالٍ منها، وهم على كثرتِهم بهذه الصِّفةِ، وفي هذا من بيانِ عَظَمتِه وجلالةِ سُلطانِه وكَمالِ عِلْمِه وحِكْمَتِه ما يوجِبُ أن لا يُعبَدَ إلَّا هو، ولا تُصرَفَ العِبادةُ لِغَيرِهـ) 3871.
وعن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُئِلَ: أيُّ الكلامِ أفضَلُ؟ قال: ما اصطفى اللهُ لمَلائِكتِه أو لعبادِه: سُبحانَ اللهِ وبحَمْدِهـ
3872.
2- الاصطِفافُ للعِبادةِ:
قال اللهُ تعالى حاكيًا قَولَ المَلائِكةِ: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: 165] .
قال السمعاني: (قَولُه تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ أي: المصطَفُّون في السَّماءِ للعبادةِ) 3873.
وقال الشنقيطي: (معنى كَونِهم صافِّين: أن يكونوا صُفوفًا مُتراصِّين، بعضُهم جَنبَ بعضٍ في طاعةِ اللهِ تعالى من صلاةٍ وغَيرِها) 3874.
وعن جابِرِ بنِ سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ المَلائِكةُ عند رَبِّها؟
فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ، وكيف تَصُفُّ المَلائِكةُ عند رَبِّها؟ قال: يُتِمُّون الصُّفوفَ الأُوَلَ، ويتراصُّون في الصَّفِّ
3875.
قال أبو العبَّاسِ القُرطبي: (أمَرَهم بالائتلافِ والاجتِماعِ والاصطِفافِ كصُفوفِ المَلائِكةِ، وهذا يدُلُّ على استحبابِ تَسويةِ الصُّفوفِ، وقد أمر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك، وقال: إنَّه من تمامِ الصَّلاةِ 3876 3877.
عن حُذيفةَ بنِ اليَمانِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فُضِّلْنا علَى النَّاسِ بثَلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لنا الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا طَهُورًا إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ
وذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى 3878.
3- الطَّوافُ بالبيتِ المَعمورِ في السَّماءِ:
أقسَمَ اللهُ بالبيتِ المعمورِ، فقال: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ [الطور: 4].
عن مالِكِ بنِ صَعصعةَ في قِصَّةِ الإسراءِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: رُفِع لي البيتُ المعمورُ، فقلتُ: يا جبريلُ ما هذا؟ قال: هذا البيتُ المعمورُ يدخُلُه كُلَّ يومٍ سَبعون ألْفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجوا منه لم يعودوا فيه آخِرَ ما عليهم
3879.
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال في قِصَّةِ الإسراءِ: قال: ففُتِح لنا فإذا أنا بإبراهيمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسنِدًا ظَهْرَه إلى البيتِ المعمورِ، وإذا هو يدخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألْفَ مَلَكٍ لا يعودون إليه
3880.
قال السمعاني: (القَولُ المعروفُ أنَّه بيتٌ في السَّماءِ، قاله ابنُ عَبَّاسٍ وعامَّةُ المفسِّرين، وهو مرويٌّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه أيضًا) 3881.
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبي: (البيتُ المعمورُ سُمِّي بذلك؛ لكثرةِ عِمارتِه بدُخولِ المَلائِكةِ فيه وتعَبُّدِهم عندهـ) 3882.
وقال ابنُ القَيِّمِ: (المشهورُ أنَّه الضُّراحُ الذي في السَّماءِ الذي رُفِعَ للنبيِّ ليلةَ الإسراءِ، يدخُلُه كُلَّ يومٍ سبعون ألْفَ ملَكٍ ثم لا يعودون إليه آخِرَ ما عليهم، وهو بحيالِ البيتِ المعمورِ في الأرضِ، وقيل: هو البيتُ الحرامُ، ولا رَيبَ أنَّ كُلًّا منهما معمورٌ، فهذا معمورٌ بالمَلائِكةِ وعبادتِهم، وهذا معمورٌ بالطائفينَ والقائمينَ والركَّعِ والسُّجودِ، وعلى كلا القولينِ فكُلٌّ منهما سَيِّدُ البيوتِ) 3883.
وقال ابنُ كثيرٍ: (ثبت في الصَّحيحينِ أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال في حديثِ الإسراءِ، بعد مجاوزتِه السَّماءَ السَّابعةَ: ثم رُفِعَ بي إلى البيتِ المعمورِ، وإذا هو يدخُلُه كُلَّ يومٍ سبعون ألفًا، لا يعودون إليه آخِرَ ما عليهم
3884 يعني: يتعبَّدون فيه، ويطوفون كما يطوفُ أهلُ الأرضِ بكعبتِهم، كذلك ذاك البيتِ، هو كعبةُ أهلِ السَّماءِ السَّابعةِ؛ ولهذا وَجَد إبراهيمَ الخليلَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسنِدًا ظَهْرَه إلى البيتِ المعمورِ؛ لأنَّه باني الكعبةِ الأرضيَّةِ، والجزاءُ من جِنسِ العَمَلِ وهو بحيالِ الكعبةِ، وفي كُلِّ سماءٍ بيتٌ يتعَبَّدُ فيه أهلُها، ويُصَلُّون إليه، والذي في السَّماءِ الدُّنيا يقالُ له: بيتُ العِزَّةِ. واللهُ أعلَمُ) 3885.
4- خَوفُهم من اللهِ وخَشيتُهم له2
المَلائِكةُ يخافون اللهَ ويَخشونَه، فهم يعرفون اللهَ ويُعَظِّمونَه.
قال اللهُ تعالى عنهم: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 50] .
وقال عنهم أيضًا: وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28] .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: 23] .
قال ابنُ كثيرٍ: (هذا أيضًا مقامٌ رفيعٌ في العَظَمةِ، وهو أنَّه تعالى إذا تكَلَّم بالوحيِ سمع أهلُ السَّمواتِ كَلامَه، أُرعِدوا من الهيبةِ حتى يَلحَقَهم مِثلُ الغَشيِ. قاله ابنُ مسعودٍ ومَسروقٌ، وغَيرُهما) 3886.
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا قضى اللهُ الأمرَ في السَّماءِ ضَرَبت المَلائِكةُ بأجنِحَتِها خُضعانًا لقَولِه كالسِّلسلةِ على صَفوانٍ يَنفُذُهم ذلك، فإذا فُزِّع عن قلوبِهم قالوا: ماذا قال رَبُّكم؟ قالوا للذي قال: الحَقَّ، وهو العليُّ الكبيرُ ) 3887.
قال العيني: («فإذا فُزِّع» أي: فإذا أزيلَ الخَوفُ عن قُلوبِهم) 3888.