إنَّ الأدِلَّةَ مِنَ القرآنِ والسُّنَّةِ تدُلُّ على أنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ كان مُوَكَّلًا بنصرِ الأنبياءِ والرُّسُلِ عليهم السَّلامُ وتأييدِهم، وقتالِ أعدائِهم وإهلاكِهم.

قال اللهُ عزَّ وجَلَّ في شأنِ نَبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: 4] .

فقد جاء ذِكرُ جِبريلَ عليه السَّلامُ في سِياقِ الدِّفاعِ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وخُصَّ ذِكْرُه مِن بينِ سائِرِ الملائكةِ في شأنِ نُصرةِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قال السَّمعانيُّ: (قَولُه: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ أي: ناصِرُه وحافِظُه وَجِبْرِيلُ أي: ينصُرُه أيضًا ويحفَظُهـ) 4017.

وقال السَّعديُّ: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ أي: الجَميعُ أعوانٌ للرَّسولِ، مُظاهِرون، ومن كان هؤلاء أعوانَه فهو المنصورُ، وغيرُه ممَّن يُناوِئُه مخذولٌ، وفي هذا أكبَرُ فضيلةٍ وشَرَفٍ لسَيِّدِ المُرسَلين؛ حيث جعل الباري نَفْسَه الكريمةَ وخواصَّ خَلْقِه أعوانًا لهذا الرَّسولِ الكريمِ) 4018.

وقال ابنُ عاشورٍ: (قَولُه: وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ عَطفُ جُملةٍ على التي قَبْلَها، والمقصودُ منه تعظيمُ هذا النصرِ بوَفرةِ النَّاصِرينَ تنويهًا بمحَبَّةِ أهلِ السَّماءِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحُسنِ ذِكْرِه بينهم؛ فإنَّ ذلك ممَّا يزيدُ نَصرَ اللهِ إيَّاه شأنًا. وفي الحديثِ: إذا أحَبَّ اللهُ عَبدًا نادى جبريلَ إنِّي قد أحبَبْتُ فُلانًا فأحِبَّه، فيُحِبُّه جِبريلُ، ثمَّ ينادي جِبريلُ في أهلِ السَّماءِ إنَّ اللهَ قد أحَبَّ فُلانًا فأَحِبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّماءِ، ثمَّ يُوضَعُ له القَبولُ في أهلِ الأرضِ 4019.

وقال الرَّازي مُعَدِّدًا صِفاتِ جِبريلَ عليه السَّلامُ التي وصفه اللهُ بها في القُرآنِ: (الخامِسُ: يَنصُرُ أولياءَ اللهِ ويَقهَرُ أعداءَهـ) 4020.

وقد وصف اللهُ تعالى جِبريلَ بشِدَّةِ القُوَّةِ، فقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم: 5] .

وقال البيضاويُّ: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى مَلَكٌ شَديدٌ قُواه، وهو جِبريلُ عليه السَّلامُ؛ فإنَّه الواسِطةُ في إبداءِ الخوارِقِ؛ رُوِيَ أنَّه قلع قُرى قومِ لُوطٍ ورفعَها إلى السَّماءِ ثمَّ قَلَبَها، وصاح صيحةً بثَمودَ، فأصبحوا جاثِمينَ) 4021.

قال ابنُ القَيِّمِ: (هذا جبريلُ الذي وصفه اللهُ بالقُوَّةِ في سُورةِ التكويرِ، فقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: 19 - 20] ) 4022.

وقال أيضًا: (من قُوَّتِه: أنَّه رفع مدائِنَ قَومِ لُوطٍ على جناحِه، ثمَّ قلَبَها عليهم؛ فهو قَوِيٌّ على تنفيذِ ما يؤمَرُ به، غيرُ عاجِزٍ عنه؛ إذ تطيعُه أملاكُ السَّمَواتِ فيما يأمُرُهم به عن اللهِ تعالى) 4023.

وقال ابنُ جريرٍ: (قَولُه: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم: 53] يقولُ تعالى: والمخسوفَ بها، المقلوبَ أعلاها أسفَلَها -وهي قريةُ سَدُومَ قَومِ لُوطٍ- أهوى اللهُ، فأمر جِبريلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرفعها من الأرضِ السَّابعةِ بجناحِه، ثمَّ أهواها مقلوبةً، وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ... عن مجاهدٍ، في قَولِ اللهِ: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم: 53] قال: «أهواها جِبريلُ، قال: رفعها إلى السَّماءِ ثم أهواها ») 4024.

وعن محمَّدِ بنِ كَعبٍ القُرَظيِّ قال: (بُعِث جبريلُ إلى المؤتَفِكةِ -مُؤتَفِكةِ قَومِ لُوطٍ- فيهم، فاحتَمَلها بجناحِه، ثمَّ صَعِد بها حتى إنَّ أهلَ السَّماءِ لَيَسمَعونَ نباحَ كِلابِهم، وأصواتَ دَجاجِهم، ثم أتبَعَها اللهُ بالحِجارةِ، يقولُ اللهُ: جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [هود: 82] ، فأهلكها اللهُ ومَن حولها من المؤتَفِكاتِ، وكُنَّ خَمسًا) 4025.

وقال ابنُ حَجَرٍ: (أهلَكَهم اللهُ على يَدِ جِبريلَ، فقَلَب مدائِنَهم بعد أن خرج عنهم لوطٌ بأهلِ بَيتِه إلَّا امرأتَه، فإنَّها تأخَّرَت مع قومِها، أو خرجت مع لوطٍ فأدركَها العذابُ، فقلب جِبريلُ المدائِنَ بطَرَفِ جناحِه، فصار عالِيها سافِلَها، وصار مكانُها بُحَيرةً مُنتِنةً لا يُنتَفَعُ بمائِها ولا بشَيءٍ ممَّا حَولَها) 4026.

ولعَلَّ في اسمِ (جِبريلَ) أو (جَبرائيلَ) دَلالةً على ما يتَّصِفُ به من شِدَّةِ القُوَّةِ والقَهر؛ِ من حيثُ إنَّ الجَبرَ متضَمِّنٌ معنى ذلك.

قال الجوهريُّ: (جَبرائيلُ: اسمٌ، يقالُ هو جَبْر أُضيفَ إلى إِيْلَ) 4027.

وقال الرَّاغِبُ: (أصلُ الجَبْر: إصلاحُ الشَّيءِ بضَربٍ مِنَ القَهرِ) 4028.

وفي (تهذيبِ اللُّغة): (الجَبَّارُ أيضًا: القاهِرُ المسلَّطُ) 4029.

وحين نجَّى اللهُ تعالى موسى عليه السَّلامُ ومن معه، وأهلَك عَدُوَّهم فِرعَونَ ومَن معه، كان جِبريلُ حاضِرًا ونَصيرًا.

عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (إنَّ جِبْريلَ كان يَدُسُّ في فَمِ فِرْعونَ الطِّينَ؛ مخافةَ أنْ يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ) 4030.

قال ابنُ كثيرٍ: (أغرق اللهُ فِرعَونَ على يديهـ) 4031.

وقد ذكَرَ اللهُ تعالى تأييدَ عيسى عليه السَّلامُ بجِبريلَ، فقال: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: 87] .

قال السعديُّ: (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي: قَوَّاه اللهُ برُوحِ القُدُسِ. قال أكثَرُ المفَسِّرين: إنَّه جِبريلُ عليه السَّلامُ) 4032.

وقال الشنقيطيُّ: (قَولُه تعالى: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ هو جِبريلُ على الأصَحِّ، ويدُلُّ لذلك قَولُه تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، وقَولُه: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا الآية) 4033.

ودعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لحسَّانَ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللهُ عنه أن يُؤَيِّدَه اللهُ بجِبريلَ في دِفاعِه عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

عن حَسَّانَ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: يا حَسَّانُ أجِبْ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، اللَّهُمَّ أَيِّدْه برُوحِ القُدُسِ 4034.

وقالت عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها عن حَسَّانٍ رَضِيَ اللهُ عنه: كان ينافِحُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم 4035.

قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللَّهُمَّ أيِّدْه برُوحِ القُدُسِ، أيِّدْه: قَوِّه، والأَيْدُ: القُوَّةُ، ومنه قَولُه تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ أي: بقُوَّةٍ.

ورُوحُ القُدُسِ: هو جِبريلُ عليه السَّلامُ، كما قال في الرِّوايةِ الأُخرى: اهْجُهم -أو هاجِهم- وجِبريلُ معك 4036 ، أي: بالإلهامِ والتذكيرِ والمعونةِ) 4037.

وقد أيَّد اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمؤمنين معه بجِبريلَ عليه السَّلامُ في بعضِ الغَزَواتِ، كغَزوةِ بَدرٍ يومَ الفُرقانِ.

عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال في يومِ بَدرٍ: هذا جِبريلُ آخِذٌ برأسِ فَرَسِه، عليه أداةُ الحَربِ 4038.

قال ابنُ كثيرٍ: (يقولُ الصَّادِقُ المصدوقُ فيما دعا به لرَبِّه عَزَّ وجَلَّ، واستنصره واستفتحه على من كَفَرَه: اللَّهُمَّ إنْ تَهلِكْ هذه العِصابةُ، لا تُعبَدْ بَعْدَها في الأرضِ 4039. وتلك العصابةُ كان تحتها سادةُ المسلِمين يومَئذٍ، وسادةُ الملائِكةِ، حتى جِبريلُ عليه السَّلامُ، كما قال حَسَّانُ بنُ ثابتٍ في قصيدةٍ له، في بَيتٍ يقالُ: إنَّه أفخَرُ بيتٍ قالَتْه العَرَبُ:

وببِئْرِ بَدرٍ إِذْ يَرُدُّ وُجوهَهم ... جِبريلُ تحتَ لوائِنا ومحمَّدُ) 4040.

وقال تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ: (سُئِلْتُ عن الحِكمةِ في قتالِ المَلائِكةِ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مع أنَّ جِبريلَ قادِرٌ على أن يدفَعَ الكُفَّارَ برِيشةٍ مِن جَناحِه! فقُلتُ: وقع ذلك لإرادةِ أن يكونَ الفِعلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، وتكونَ المَلائِكةُ مَدَدًا على عادةِ مَدَدِ الجُيوش؛ِ رِعايةً لصُورةِ الأسبابِ وسُنَّتِها التي أجراها اللهُ تعالى في عبادِه، واللهُ تعالى هو فاعِلُ الجَميعِ. واللهُ أعلَمُ) 4041.

وقد أيَّد اللهُ تعالى بجِبريلَ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ الأحزابِ يومَ الخَنْدَقِ.

عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: فَلَمَّا رَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ، فَاغْتَسَلَ، فأتَاهُ جِبْرِيلُ وَهو يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الغُبَارِ، فَقالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ ما وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إليهِم، فَقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأيْنَ؟ فأشَارَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَاتَلَهُمْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَنَزَلُوا علَى حُكْمِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَرَدَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحُكْمَ فيهم إلى سَعْدٍ 4042.

وعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: كأنِّي أنظُرُ إلى الغُبارِ ساطعًا في زقاقِ بَني غَنمٍ، مَوكِبَ جِبريلَ حين سار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بني قُرَيظةَ 4043.

وقد أنزل اللهُ تعالى جِبريلَ ومعه ملَكُ الجِبالِ الموكَّلُ بها؛ دفاعًا عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونُصرةً له.

عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها سألت النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت: يَا رَسولَ اللهِ، هلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أَشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ فَقالَ: لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ، وَكانَ أَشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ؛ إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ علَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلَّا بقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بسَحَابَةٍ قدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَما رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، قالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بأَمْرِكَ، فَما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ 4044 ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أَصْلَابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا 4045.