من عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة أنَّهم لا يُكَفِّرون أحدًا من أهلِ القِبلةِ بكُلِّ ذَنبٍ ما لم يستحِلَّه، ويقصِدون الذَّنبَ الذي لا يَكفُرُ صاحِبُه.
قال ابنُ أبي العِزِّ: (امتنع كثيرٌ من الأئمَّةِ عن إطلاقِ القَوْلِ بأنَّا لا نُكَفِّرُ أحدًا بذَنبٍ، بل يقال: لا نكُفِّرُهم بكُلِّ ذَنبٍ، كما تفعَلُه الخوارجُ، وفَرْقٌ بين النَّفيِ العامِّ، ونَفْيِ العُمومِ) 1294.
فالنفيُ العامُّ قد يُفهَمُ منه عدمُ تكفيرِ المعَيَّنِ مُطلقًا مهما عَمِلَ من الذُّنوبِ، ولو عَمِلَ ناقِضًا من نَواقِض الإسلامِ، أمَّا نفيُ العمومِ، فيُفهَمُ منه أنَّهم يُكَفِّرون ببعضِ الذُّنوبِ، ولا يكَفِّرون ببَعْضِها.
قال ابنُ تيميَّةَ عن عقيدةِ السَّلَفِ: (وهم مع ذلك لا يُكَفِّرون أهلَ القِبلةِ بمُطلَقِ المعاصي والكبائِرِ، كما يفعَلُه الخوارجُ، بل الأُخُوَّةُ الإيمانيَّةُ ثابتةٌ مع المعاصي، كما قال سُبحانَه وتعالى في آيةِ القِصاصِ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 178] ، وقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9] ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10] ) 1295.
وقال الهرَّاسُ شارحًا كلامَ ابنِ تيميَّةَ: (ومع أنَّ الإيمانَ المُطلَقَ مركَّبٌ من الأقوالِ والأعمالِ والاعتقاداتِ؛ فهي ليست كُلُّها بدرجةٍ واحدةٍ، بل العقائِدُ أصلٌ في الإيمانِ، فمَنْ أنكر شيئًا مما يجِبُ اعتقادُه في اللهِ أو ملائِكَتِه أو كُتُبِه أو رُسُلِه أو اليومِ الآخِرِ أو ممَّا هو معلومٌ من الدِّينِ بالضَّرورةِ؛ كوُجوبِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، وحُرمةِ الزِّنا والقَتْلِ… إلخ؛ فهو كافِرٌ، قد خرجَ من الإيمانِ بهذا الإنكارِ) 1296.
وقال ابنُ عثيمين في شَرْحِه لكلامِ ابنِ تيميَّةَ أيضًا: (فالمُسْلِمُ عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ لا يكفُرُ بمُطلَقِ المعاصي والكبائِرِ... والفَرْقُ بين الشَّيءِ المطلَقِ ومُطلَقِ الشَّيءِ: أنَّ الشَّيءَ المُطلَقَ يعني الكمالَ، ومُطلَقُ الشَّيءِ يعني: أصلَ الشَّيءِ. فالمُؤمِنُ الفاعِلُ للكبيرةِ عِندَه مُطلَقُ الإيمانِ؛ فأصلُ الإيمانِ موجودٌ عنده، لكِنْ كمالُه مفقودٌ. فكلامُ المؤلِّفِ رحمه الله دقيقٌ جِدًّا...
آيةُ القِصاصِ هي قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: 178] والمراد بـ «أخيه» هو المقتولُ.
ووجهُ الدَّلالةِ من هذه الآيةِ على أنَّ فاعِلَ الكبيرةِ لا يَكفُرُ: أنَّ اللهَ سَمَّى المقتولَ أخًا للقاتِلِ، مع أنَّ قَتْلَ المُؤمِنِ كبيرةٌ من كبائِرِ الذُّنوبِ.
وقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9] ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10] ) 1297.