قسَّم جمهورُ الأصوليِّين والفُقَهاء الإكراهَ إلى نوعين:
1- الإكراهُ المُلجئُ (التَّامُّ):
وهو الذي يقَعُ على نفسِ المكرَهِ، ولا يبقى للشَّخصِ معه قدرةٌ ولا اختيارٌ.
كأنْ يهَدَّدَ الإنسانُ بقَتْلِه أو بقَطعِ عُضوٍ من أعضائِه، أو بضَربٍ شديدٍ يفضي إلى هلاكِه أو بإتلافِ جميعِ مالِه، فمتى غَلَب على ظَنِّه أنَّ ما هُدِّد به سيقع عليه، جاز له القيامُ بما دفَعَ إليه بالتهديدِ، باعتبارِه في حالةِ ضرورةٍ شَرعيَّةٍ 1615.
2- الإكراهُ غيرُ المُلجئِ (النَّاقص):
وهو التهديدُ أو الوعيدُ بما دون تَلَفِ النَّفسِ أو العُضوِ.
كالتخويفِ بالضَّربِ أو القيدِ أو الحَبسِ أو إتلافِ بعضِ المالِ، وهذا النوعُ يُفسِدُ الرِّضا، ولكِنَّه لا يفسِدُ الاختيارَ؛ لعَدَمِ الاضطرارِ إلى مباشرةِ ما أُكرِهَ عليه؛ لتمكُّنِه من الصَّبرِ على ما هُدِّد به 1616.
وقد يُلحَقُ بهذا النوع: التهديدُ بحَبسِ الأبِ أو الابنِ أو الزَّوجةِ والأختِ والأمِّ والأخِ، وهناك نزاعٌ في اعتبار هذا القِسمِ من أقسامِ الإكراهِ 1617.
فالقياسُ يقتضي عدمَ اعتبارِه من الإكراهِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ فيه لا يَلحَقُ بالمكرَهِ، والأصلُ في اعتبارِ المكرَهِ به (وسيلة الإكراهـ) أن يلحَقَ المكرَهَ بالتهديدِ به الخوفُ والمشقَّة والضِّيق، أمَّا الاستحسانُ فيَعُدُّه من الإكراهِ؛ لأنَّ المكرَهَ يلحَقُه الغمُّ والاهتمامُ والحُزنُ والحَرَجُ إذا أصاب أحدًا من محارمِه مكروهٌ، فيندفعُ إلى الإتيانِ بما أُمِرَ به كما لو وقع الضَّرَرُ به أو أشَدَّ 1618.
قال ابنُ قدامة: (وإن تُوُعِّد بتعذيبِ وَلَدِه، فقد قيل: ليس بإكراهٍ؛ لأنَّ الضَّرَرَ لاحقٌ بغيره، والأَولى أن يكون إكراهًا؛ لأنَّ ذلك عنده أعظَمُ من أخذِ مالِه، والوعيدُ بذلك إكراهٌ، فكذلك هذا) 1619.
وقال المرداوي: (ضَرْبُ وَلَدِه وحَبْسُه ونحوهما إكراهٌ لوالدِه على الصَّحيحِ من المذهَبِ، صَحَّحه في الفروعِ، والقواعِدِ الأصوليَّةِ، وغيرِهما) 1620.
ويمكِنُ تقسيمُه باعتبارٍ آخَرَ إلى:
1- الإلجاءِ:
حيث ينعَدِمُ الرِّضا والاختيارُ، وتنتفي الإرادةُ والقصدُ، وذلك بالوقوعِ تحت التعذيبِ الشَّديدِ أو نحو ذلك، وهذه الحالةُ هي التي نزلت فيها آيةُ النَّحلِ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [سورة النحل: 106].
عن مُحمَّدِ بنِ عَمَّارِ بنِ ياسرٍ قال: أخذَ المُشرِكونَ عَمَّارَ بنَ ياسرٍ، فلم يَترُكوه حتى سَبَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذكَرَ آلهَتَهم بخَيرٍ، ثمَّ تَرَكوه، فلمَّا أتَى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ما وراءَك؟
قال: شَرٌّ يا رسولَ اللهِ؛ ما تُرِكْتُ حتى نِلتُ منك، وذكَرْتُ آلهتَهم بخيرٍ، قال: كيف تَجِدُ قَلْبَك؟
، قال: مُطمَئِنًّا بالإيمانِ، قال: إنْ عادوا فعُدْ
1621.
قال ابنُ حجر: (اتَّفَقوا على أنَّه «أي: عمارًا» نزل فيه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ [النحل: 106] ) 1622.
2- التهديدُ:
حيث ينعَدِمُ الرِّضا، ولا ينعَدِمُ الاختيارُ تمامًا.
وهذه في مِثلِ الحالةِ التي يختار فيها الإنسانُ أخَفَّ الضَّرَرينِ، مِثلُ حالِ شُعَيبٍ عليه السَّلامُ مع قَومِه؛ إذ خيَّروه بين العودةِ إلى الكُفرِ أو الخروجِ من قريتِهم.
قال اللهُ تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف: 88، 89].
قال ابنُ كثير: (هذا إخبارٌ من الله تعالى عمَّا واجهت به الكُفَّارُ نبيَّ اللهِ شُعَيبًا ومن معه من المؤمنين، في توعُّدِهم إيَّاه ومن معه بالنفيِ من القريةِ، أو الإكراهِ على الرُّجوعِ في مِلَّتِهم والدُّخولِ معهم فيما هم فيه. وهذا خِطابٌ مع الرَّسولِ والمرادُ أتباعُه الذين كانوا معه على الملَّةِ. وقَولُه: أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ يقولُ: أو أنتم فاعِلون ذلك ولو كنَّا كارهين ما تدعونَنا إليه؟ فإنَّا إن رجَعْنا إلى ملَّتِكم ودخَلْنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظَمْنا الفِرْيةَ على اللهِ في جَعْلِ الشُّرَكاءِ معه أندادًا. وهذا تعبيرٌ منه عن أتباعِه. وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا، وهذا ردٌّ إلى المشيئةِ، فإنَّه يعلَمُ كُلَّ شَيءٍ، وقد أحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا) 1623.
وقال اللهُ سُبحانَه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: 10].
قال البغوي: (قَولُه تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أصابه بلاءٌ من النَّاسِ افتَتَن، جَعَل فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ أي: جعل أذى النَّاسِ وعذابَهم كعذابِ اللهِ في الآخرةِ، أي: جَزِع من أذى النَّاسِ ولم يصبِرْ عليه، فأطاع النَّاسَ كما يطيعُ اللهَ من خاف من عذابِه. هذا قَولُ السُّدِّيِّ وابنِ زيدٍ، قالا: هو المنافِقُ، إذا أوذِيَ في اللهِ رجع عن الدِّينِ فكَفَر، وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ أي: فَتحٌ ودَولةٌ للمؤمنينَ، لَيَقُولَنَّ يعني: هؤلاء المنافقين للمؤمنين، إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ على عَدُوِّكم وكنَّا مسلمين، وإنما أُكرِهْنا حتى قُلْنا ما قُلْنا، فكَذَّبهم اللهُ، فقال: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ من الإيمانِ والنِّفاقِ) 1624.
وقال السَّعديُّ: (لَمَّا ذَكَر تعالى أنَّه لا بُدَّ أن يمتَحِنَ من ادَّعى الإيمانَ؛ لِيَظهَرَ الصَّادِقُ من الكاذِبِ، بَيَّن تعالى أنَّ من النَّاسِ فريقًا لا صبر لهم على المحَنِ، ولا ثباتَ لهم على بعضِ الزلازِلِ، فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ بضَربٍ، أو أخذِ مالٍ، أو تعييرٍ؛ ليرتَدَّ عن دينِه، وليراجِعَ الباطِلَ، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ أي: يجعَلُها صادَّةً له عن الإيمانِ والثباتِ عليه، كما أنَّ العذابَ صادٌّ عما هو سَبَبُه وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ؛ لأنَّه موافِقٌ للهوى، فهذا الصِّنفُ من النَّاسِ من الذين قال اللهُ فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج: 11] أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ؛ حيث أخبَرَكم بهذا الفَريقِ الذي حالُه كما وُصِفَ لكم، فتَعرِفون بذلك كمالَ عِلْمِه وسَعةَ حِكمتِهـ) 1625.
3- الاستِضعافُ:
الاستِضعافُ لا يكونُ بتعذيبٍ ولا تهديدٍ، ولكِنَّ المستضعَفَ داخلٌ تحت وَضعٍ مفروضٍ عليه من غيرِه كما كان حالُ المقيمين في مكَّةَ بعد هجرةِ المسلمين عنها، فهذا المستضعَفُ مَعفوٌّ عنه لعَجْزِه؛ قال اللهُ تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: 98، 99].
قال الواحدي: (يريد: الذين أقعَدَهم عن الهِجرةِ الضَّعفُ، وقال ابنُ عباس: هم ناسٌ من المسلمين كانوا بمكَّةَ لا يستطيعون أن يخرُجوا منها فيهاجِروا، فعذرهم اللهُ، فهم أولئك. قال: كنتُ أنا وأمي ممَّن عذر الله. وقَولُه: لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً [النساء: 98] أي: لا يَقدِرون على حيلةٍ في الخروجِ مِن مكَّةَ، ولا على نفقةٍ، ولا قوَّةٍ، وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لا يعرفون طريقًا إلى المدينةِ دارِ الهِجرةِ) 1626.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (تأمَّلتُ المذهَبَ فوجدت الإكراهَ يختَلِفُ باختلافِ المكرَهِ عليه، فليس الإكراهُ المعتَبَرُ في كَلِمةِ الكُفرِ كالإكراهِ المعتَبَرِ في الهبةِ ونَحوِها، فإنَّ أحمد قد نصَّ في غيرِ موضعٍ على أنَّ الإكراهَ على الكُفرِ لا يكونُ إلَّا بتعذيبٍ من ضَربٍ أو قيدٍ، ولا يكونُ الكلامُ إكراهًا) 1627.