الإنكارُ بمعنى الجحودِ، وعَدَمِ الاعترافِ، وانتفاءِ الإقرارِ، والمقصودُ بحُكمٍ معلومٍ من الدِّينِ بالضَّرورةِ ما كان ظاهِرًا متواترًا من أحكامِ الدِّين معلومًا عند الخاصِّ والعامِّ، ممَّا أجمع عليه العُلَماءُ إجماعًا قطعيًّا؛ مِثلُ: وُجوبِ أحدِ مباني الإسلامِ، كالصَّلاة والزكاة ونحوِهما، وتحريمِ المحرَّماتِ الظَّاهرة المتواترةِ؛ مثل: الرِّبا والخَمرِ وغيرِهما.

ومن المعلومِ أنَّ الإيمانَ قائمٌ على تصديقِ حُكمِ الله تعالى، وحُكمِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومن أهَمِّ هذه الأحكامِ وآكَدِها الأحكامُ المعلومةُ من الدِّينِ بالضَّرورةِ.

قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ الإيمانَ بوُجوبِ الواجباتِ الظَّاهرةِ المتواترةِ، وتحريمِ المحَرَّماتِ الظَّاهرةِ المتواترةِ: هو من أعظَمِ أصولِ الإيمانِ، وقواعِدِ الدِّينِ، والجاحِدُ لها كافرٌ بالاتِّفاقِ) 2508.

وقال أيضًا: (الحَلالُ ما حَلَّله اللهُ ورَسولُه، والحَرامُ ما حَرَّمه اللهُ ورَسولُه، والدِّينُ ما شرعه اللهُ ورَسولُه؛ وليس لأحَدٍ أن يَخرُجَ عن شَيءٍ مِمَّا شَرَعه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو الشَّرعُ الذي يجِبُ على وُلاةِ الأمرِ إلزامُ النَّاسِ به، ويجِبُ على المجاهِدين الجِهادُ عليه، ويجِبُ على كُلِّ واحدٍ اتِّباعُه ونَصْرُهـ) 2509.

وهكذا الحُكْمُ المعلومُ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، والذي يعتَبَرُ مُنكِرُه كافرًا، له قيودٌ يمكِنُ مَعرِفتُها وتحديدُها من خلالِ ما سنورده من كلامِ أهل العِلمِ فيما يلي:

قال الشَّافعيُّ مُبَيِّنًا أنَّ من الأحكامِ ما هو معلومٌ عند العامَّةِ فضلًا عن الخاصَّةِ فلا يسَعُهم جَهْلُه: (العلِمُ عِلمانِ: عِلمُ عامَّةٍ، لا يَسَعُ بالغًا غيرَ مغلوبٍ على عَقْلِه جَهْلُه ... مِثلُ: الصَّلواتِ الخَمسِ، وأنَّ لله على النَّاسِ صَومَ شَهرِ رَمَضانَ، وحَجَّ البيتِ إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالِهم، وأنَّه حَرَّم عليهم الزِّنا والقَتْلَ والسَّرِقةَ والخَمْرَ، وما كان في معنى هذا ممَّا كُلِّف العبادُ أن يَعقِلوه ويَعمَلوه، ويُعطوه من أنفُسِهم وأموالِهم، وأن يكُفُّوا عنه ما حُرِّمَ عليهم منه، وهذا الصِّنفُ كُلُّه من العِلمِ موجودٌ نصًّا في كِتابِ اللهِ، موجودٌ عامًّا عند أهلِ الإسلامِ، ينقُلُه عوامُّهم عمَّن مضى من عوامِّهم، يحكونَه عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا يتنازَعون في حكايتِه، ولا وجوبِه عليهم، وهذا العِلمُ العامُّ الذي لا يمكِنُ فيه الغَلَطُ من الخبرِ والتأويلِ، ولا يجوزُ فيه التنازُعُ) 2510.

وقال أيضًا: (أمَّا ما كان نصُّ كِتابٍ بيِّنٍ أو سُنَّةٍ مُجتَمَعٍ عليها فالعُذرُ فيها مقطوعٌ، ولا يسَعُ الشَّكُّ في واحدٍ منهما، ومن امتنع من قَبولِه استُتيبَ) 2511.

وقال النَّووي: (أطلق الإمامُ الرَّافعي القَولَ بتكفيرِ جاحِدِ المجمَعِ عليه، وليس هو على إطلاقِه، بل من جحد مجمَعًا عليه فيه نَصٌّ، وهو من أمورِ الإسلامِ الظَّاهرةِ التي يشترِكُ في مَعرِفتِها الخواصُّ والعوامُّ؛ كالصَّلاةِ، أو الزكاةِ، أو الحَجِّ، أو تحريمِ الخَمرِ أو الزِّنا، ونحوِ ذلك- فهو كافِرٌ، ومن جحد مجمَعًا عليه لا يعرِفُه إلَّا الخواصُّ؛ كاستحقاقِ بنتِ الابنِ السُّدُسَ مع بنتِ الصُّلبِ، وتحريمِ نِكاحِ المعتَدَّةِ، وكما إذا أجمع أهلُ عَصرٍ على حُكمِ حادثةٍ؛ فليس بكافرٍ؛ للعُذْرِ) 2512.

وقال ابنُ دقيق العيد: (فالمسائِلُ الإجماعيَّةُ تارةً يصحَبُها التواتُرُ بالنَّقلِ عن صاحِبِ الشَّرعِ، كوجوبِ الصَّلاةِ مثلًا، وتارةً لا يصحَبُها التواتُرُ؛ فالقِسمُ الأوَّلُ يكفُرُ جاحِدُه؛ لمخالفتِه التواتُرَ لا لمخالفتِه الإجماعَ، والقِسمُ الثَّاني لا يكفُرُ بهـ) 2513.

وقال القرافي: (ولا يُعتَقَدُ أنَّ جاحِدَ ما أُجمِعَ عليه يكفُرُ على الإطلاقِ، بل لا بدَّ أن يكونَ المجمَعُ عليه مُشتَهِرًا في الدِّينِ حتى صار ضَروريًّا، فكم من المسائِلِ المجمَعِ عليها إجماعًا لا يعلَمُه إلَّا خواصُّ الفُقَهاءِ! فجحْدُ مِثلِ هذه المسائِلِ التي يخفى الإجماعُ فيها ليس كُفرًا) 2514.

وقال ابنُ تيميَّةَ: (قد تنازع النَّاسُ في مخالِفِ الإجماعِ: هل يَكفُرُ؟ على قولينِ، والتحقيقُ: أنَّ الإجماعَ المعلومَ يكفُرُ مخالِفُه، كما يكفُرُ مخالِفُ النَّصِّ بتركِه، لكِنْ هذا لا يكونُ إلَّا فيما عُلِمَ ثُبوتُ النَّصِّ به، وأمَّا العِلمُ بثُبوتِ الإجماعِ في مسألةٍ لا نَصَّ فيها، فهذا لا يقَعُ، وأمَّا غيرُ المعلومِ فيمتَنِعُ تكفيرُهـ) 2515.

وقال أيضًا: (لا يوجَدُ قَطُّ مسألةٌ مجمَعٌ عليها، إلَّا وفيها بيانٌ من الرَّسولِ، ولكِنْ قد يخفى ذلك على بعضِ النَّاسِ، ويُعلَمُ الإجماعُ؛ فيُستَدَلُّ بهـ) 2516.

وقال الشَّاطبي: (إنَّ تحليلَ الشَّيءِ إذا كان مشهورًا فحَرَّمَه بغيرِ تأويلٍ، أو التحريمُ مشهورًا فحَلَّلَه بغيرِ تأويلٍ؛ كان كُفرًا وعِنادًا) 2517.

وقال العراقي: (الصَّحيحُ في تكفيرِ مُنكِرِ الإجماعِ تقييدُه بإنكارِ ما عُلِـَم وُجوبُه من الدِّينِ بالضَّرورةِ، كالصَّلواتِ الخَمسِ، ومنهم من عَبَّر بإنكارِ ما عُلِمَ وجوبُه بالتواتُرِ) 2518.

وقال ابنُ الوزير: (اعلَمْ أنَّ الإجماعاتِ نوعان: أحَدُهما: تُعلَمُ صِحَّتُه بالضَّرورةِ من الدِّينِ بحيث يكفُرُ مخالفُه، فهذا إجماعٌ صحيحٌ، ولكِنَّه مُستغنًى عنه بالعِلمِ الضَّروريِّ من الدِّينِ، وثانيها: ما نَزَل عن هذه المرتبةِ، ولا يكونُ إلَّا ظنًّا؛ لأنَّه ليس بعد التواتُرِ إلَّا الظَّنُّ، وليس بينهما في النَّقلِ مرتبةٌ قَطعيَّةٌ بالإجماعِ) 2519.

وقال أيضًا: (إنَّ المتواتراتِ نوعان: أحَدُهما: ما عَلِمَه العامَّةُ مع الخاصَّةِ، كمِثلِ كَلِمةِ التوحيدِ، وأركانِ الإسلامِ، فيكفُرُ جاحِدُه مُطلَقًا؛ لأنَّه قد بلَغَه التنزيلُ، وإنَّما ردَّه بالتأويلِ، وإنْ لم يَعلَمْ هو ثبوتَ ما جحده من الدِّينِ؛ بسبب ما دخل فيه من البِدَع والشُّبَه التي ربَّما أدَّت إلى الشَّكِّ في الضَّروراتِ، ودَفعِ العُلومِ، والحُجَّةُ على التكفيرِ بذلك مع الشَّكِّ قَولُه تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: 73] ، والمعلومُ أنَّهم ما قَصَدوا تكذيبَ عيسى، بل قصدوا تصديقَه، ويدُلُّ على هذا التعليلِ بالبلوغِ، وعلى أنَّ الَجهَل قَبْلَه عُذرٌ لا بَعْدَه قَولُه تعالى: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: 92] ، وهي من أوضَحِ الأدِلَّةِ على ذلك، وللهِ الحَمدُ.

وثانيهما: ما لا يَعرِفُ تواتُرَه إلَّا الخاصَّةُ، فلا يَكفُرُ مُستحِلُّه من العامَّةِ؛ لأنَّه لم يبلُغْه، وإنَّما يكفُرُ من استحَلَّه وهو يعلَمُ حُرمتَه بالضَّرورةِ، مثل: تحريمِ الصَّلاةِ على الحائِضِ، إلى أمثالٍ لذلك كثيرةٍ) 2520.

وإنكارُ حُكمٍ معلومٍ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، له عِدَّةُ صُوَرٍ وأمثلةٍ؛ فرُبَّما كان إنكارًا صريحًا ظاهرًا، كأن يقولَ مَثَلًا بإنكارِ وُجوبِ الصَّلاةِ أو الزكاةِ، أو يقولَ بحِلِّ الرِّبا أو الخَمرِ، أو يقولَ بتحريمِ ما كان حلالًا بالإجماعِ؛ كالخُبزِ والماءِ ونَحوِهما، وقد يكونُ الإنكارُ عن طريقِ تأويلٍ فاسدٍ غيرِ سائغٍ تأباه اللُّغةُ العربيَّةُ، كتأويلِ الباطنيَّةِ الفرائِضَ بأنَّها أسماءُ رجالٍ أُمِروا بولايتِهم، والمحَرَّمات: أسماءُ رِجالٍ أُمِروا بالبراءةِ منهم؛ فقد أجمع العُلَماءُ على كُفرِ أصحابِ تلك المقالةِ، وكذلك ما يزعُمُه ملاحِدةُ الصُّوفيَّةِ أنَّ من وصل إلى درجةِ اليقينِ فقد سقطت عنه التكاليفُ 2521.

ومِمَّا يَلحَقُ بهذا الإنكارِ في الحُكْمِ بالكُفرِ أن يعترِفَ شَخصٌ ما بهذا الحُكْمِ المعلومِ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، لكِنَّه يُعلِنُ عَدَمَ قَبولِه لهذا الحُكْمِ، ويأبى أن يُذعِنَ للهِ تعالى، ويرفُضُ الانقيادَ لهذا الحُكْمِ عِنادًا واستِكبارًا.

قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ العبدَ إذا فعل الذَّنبَ مع اعتقادِ أنَّ اللهَ حَرَّمه عليه، واعتقادِ انقيادِه للهِ فيما حَرَّمه وأوجَبَه؛ فهذا ليس بكافرٍ، فأمَّا إنَّ اعتقد أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْه، أو أنَّه حَرَّمه، لكِنِ امتنع من قَبولِ هذا التحريمِ، وأبى أن يُذعِنَ للهِ وينقادَ؛ فهو إمَّا جاحِدٌ أو معانِدٌ؛ ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبرًا كإبليسَ، كَفَر بالاتِّفاقِ، ومن عصى مُشتَهيًا لم يكفُرْ عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وإنَّما يكَفِّرُه الخوارجُ؛ فإنَّ العاصِيَ المستكبِرَ وإن كان مصدِّقًا بأنَّ اللهَ رَبُّه، فإنَّ معاندتَه له ومحادَّتَه تنافي هذا التصديقَ، وبيانُ هذا أنَّ من فَعَل المحارِمَ مُسْتَحِلًّا لها فهو كافِرٌ بالاتِّفاقِ؛ فإنَّه ما آمن بالقُرآنِ من استحلَّ محارِمَه، وكذلك لو استحَلَّها بغيرِ فِعلٍ، والاستحلالُ اعتقادُ أنَّها حلالٌ له، وذلك يكونُ تارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ أحَلَّها، وتارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْها، وتارةً بعَدَمِ اعتقادِ أنَّ اللهَ حَرَّمها، وهو يكونُ لخَلَلٍ في الإيمانِ بالربوبيَّةِ، أو لخللٍ في الإيمانِ بالرِّسالةِ، ويكونُ جَحْدًا محضًا غيرَ مبنيٍّ على مُقَدِّمةٍ، وتارةً يَعلَمُ أنَّ اللهَ حَرَّمها، ويعلَمُ أنَّ الرَّسولَ إنَّما حَرَّم ما حَرَّمه اللهُ، ثم يمتَنِعُ عن التزامِ هذا التحريمِ، ويعانِدُ المحَرَّمَ، فهذا أشَدُ كُفرًا من قَبْلِه، وقد يكونُ هذا مع عِلْمِه أنَّ من لم يلتَزِمْ هذا التحريمَ عاقبه اللهُ وعَذَّبه، ثم إنَّ هذا الامتناعَ والإباءَ إمَّا لخَلَلٍ في اعتقادِ حِكمةِ الآمِرِ وقُدرتِه، فيعودُ هذا إلى عَدَمِ التصديقِ بصِفةٍ مِن صفاتِه، وقد يكونُ مع العِلمِ بجميعِ ما يُصَدقُ به تمرُّدًا أو اتباعًا لغَرَضِ النَّفْسِ، وحقيقتُه كُفرُ هذا؛ لأنَّه يعترفُ للهِ ورَسولِه بكُلِّ ما أخبَرَ به، ويصَدِّقُ بكُلِّ ما يُصَدِّقُ به المُؤمِنون، لكِنَّه يَكرَهُ ذلك ويُبغِضُه ويَسخَطُه؛ لعَدَمِ موافقتِه لِمُراده ومُشتَهاه، ويقول: أنا لا أُقِرُّ بذلك، ولا ألتَزِمُه، وأبغِضُ هذا الحَقَّ، وأنفِرُ عنه، فهذا نوعٌ غيرُ النَّوعِ الأوَّلِ، وتكفيرُ هذا معلومٌ بالاضطرارِ مِن دينِ الإسلامِ، والقُرآنُ مملوءٌ من تكفيرِ مثلِ هذا النَّوعِ) 2522.

وبهذا يُعلَمُ أنَّ ممَّا يُعَدُّ كُفرًا ويلحَقُ بإنكارِ حُكمٍ معلومٍ من الدِّينِ بالضَّرورةِ: ألَّا يَقبَلَ حُكمَ اللهِ تعالى، مع عِلْمِه بأنَّه حُكمُ اللهِ تعالى، واعترافِه به، فهو يأبى ويمتَنِعُ من قَبولِ هذا الحُكْمِ؛ ولذا قال إسحاقُ بنُ راهَوَيه: (قد أجمع العُلَماءُ أنَّ من دفع شيئًا أنزله اللهُ ... وهو مع ذلك مُقرٌّ بما أنزل اللهُ؛ أنَّه كافِرٌ) 2523.

فمَناطُ الكُفرِ هنا هو التَّركُ والرَّدُّ والإباءُ، لا عَدَمُ التصديقِ؛ ولهذا قَرَن اللهُ تعالى في كِتابِه كُفرَ التوَلِّي بكُفرِ التكذيبِ؛ لأنَّه غيرُه، كما قال اللهُ تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة: 31-32] .

وقال اللهُ سُبحانَه: لَا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: 15-16] .

وثَمَّةَ اعتِباراتٌ جعَلَت إنكارَ حُكمٍ معلومٍ من الدِّينِ بالضَّرورةِ كُفرًا وناقِضًا من نواقِضِ الإيمانِ؛ منها:

1- أنَّ هذا الإنكارَ افتراءً على اللهِ سُبحانَه، ولا أحَدَ أعظَمُ ظُلمًا، ولا أكبَرُ جُرمًا ممَّن افترى على اللهِ تعالى كَذِبًا.

قال اللهُ تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 21] .

قال ابنُ كثيرٍ: (أي: لا أظلَمَ ممن تقوَّل على اللهِ، فادَّعى أنَّ اللهَ أرسلَه، ولم يكُنْ أرسَلَه، ثمَّ لا أظلَمَ ممَّن كذَّب بآياتِ اللهِ وحُجَجِه وبراهينِه ودَلالاتِه إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي: لا يُفلِحُ هذا ولا هذا، لا المفتري، ولا المكَذِّبُ) 2524.

وقال اللهُ سُبحانَه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [يونس: 17] .

قال ابنُ كثيرٍ: (يقولُ تعالى: لا أحَدَ أظلَمُ ولا أعتى ولا أشَدُّ إجرامًا ممَّن افترى على اللهِ كَذِبًا، وتقوَّل على اللهِ، وزعم أنَّ اللهَ أرسله، ولم يكُنْ كذلك، فليس أحدٌ أكبَرَ جُرمًا، ولا أعظَمَ ظُلمًا من هذا) 2525.

وقال اللهُ عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ [يونس: 59-60] .

قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وما ظَنُّ هؤلاء الذين يتخَرَّصون على اللهِ الكَذِبَ فيُضيفون إليه تحريمَ ما لم يحَرِّمْه عليهم من الأرزاقِ والأقواتِ التي جعلها اللهُ لهم غِذاءً؛ أنَّ اللهَ فاعِلٌ بهم يومَ القيامةِ بكَذِبِهم وفِريَتِهم عليه؟! أيحسَبون أنَّه يصفَحُ عنهم ويَغفِرُ؟! كَلَّا بل يُصلِيهم سعيرًا خالِدين فيها أبدًا) 2526.

وقال اللهُ تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلَالٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل: 115-117] .

قال ابنُ كثيرٍ: (نهى تعالى عن سُلوكِ سَبيلِ المُشرِكين الذين حَلَّلوا وحَرَّموا بمجَرَّدِ ما وضعوه واصطَلحوا عليه من الأسماءِ بآرائِهم من البَحيرةِ والسَّائبةِ والوَصيلةِ والحامِ، وغيرِ ذلك ممَّا كان شرعًا لهم ابتَدَعوه في جاهلِيَّتِهم؛ فقال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلَالٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، ويدخُلُ في هذا كُلُّ من ابتدع بدعةً ليس له فيها مُستنَدٌ شَرعيٌّ، أو حَلَّل شيئًا ممَّا حَرَّم اللهُ، أو حَرَّم شيئًا ممَّا أباح اللهُ بمجَرَّدِ رأيه وتشَهِّيه... ثمَّ توعَّد على ذلك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ أي: في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، وأمَّا في الدُّنيا فمتاعٌ قليلٌ، وأمَّا في الآخرةِ فلهم عذابٌ أليمٌ) 2527.

وهذا الإنكارُ مُشابِهٌ لقَولِ المُشرِكين بأنَّ البَيعَ مِثلُ الرِّبا

قال اللهُ تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 275] .

قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، أي: إنَّما جُوزوا بذلك لاعتراضِهم على أحكامِ اللهِ في شَرْعِه، وليس هذا قياسًا منهم للرِّبا على البيعِ؛ لأنَّ المشرِكين لا يعتَرِفون بمشروعيَّةِ أصلِ البَيعِ الذي شرعه اللهُ في القُرآنِ، ولو كان هذا من بابِ القياسِ لقالوا: إنَّما الرِّبا مِثلُ البَيعِ، وإنَّما قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا أي: هو نظيرُه، فلِمَ حُرِّم هذا وأُبيح هذا؟ وقَولُه تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا يحتَمِلُ أن يكونَ من تمامِ الكلامِ رَدًّا عليهم، أي: قالوا ما قالوه من الاعتراضِ، مع عِلْمِهم بتفريقِ اللهِ بين هذا وهذا حُكمًا، وهو الحكيمُ العليمُ الذي لا مُعَقِّبَ لحُكمِه، ولا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وهم يُسأَلون، وهو العالِمُ بحقائِقِ الأمورِ ومَصالحِها، وما ينفَعُ عِبادَه فيبيحُه لهم، وما يَضُرُّهم فينهاهم عنه، وهو أرحَمُ بهم من الوالِدةِ بوَلَدِها الطِّفلِ) 2528.

وهذا الإنكارُ طَعنٌ في رُبوبيَّةِ الله تعالى وأسمائِه وصِفاتِه

فتصديقُ أحكامِ اللهِ تعالى والإقرارُ بها من مُقتَضَياتِ إثباتِ الرُّبوبيَّةِ للهِ تعالى وَحْدَه، فحقيقةُ الرِّضا باللهِ تعالى ربًّا يتضَمَّنُ الإقرارَ بأمْرِه تعالى الشَّرعيِّ والكونيِّ، كما قال سُبحانَه: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: 54] .

قال ابنُ جريرٍ: (ألَا لله الخَلْقُ كُلُّه، والأمرُ الذي لا يُخالَفُ، ولا يُرَدُّ أمرُه دونَ ما سِواه من الأشياءِ كُلِّها، ودونَ ما عَبَده المشركون من الآلهةِ والأوثانِ التي لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ولا تخلُقُ ولا تأمُرُ، تبارك اللهُ مَعبودُنا الذي له عِبادةُ كُلِّ شَيءٍ، رَبُّ العالَمين) 2529.

وهذا الإنكارُ مناقِضٌ لأصلِ الرِّضا بربوبيَّةِ الله عَزَّ وجَلَّ، كما أنَّه طَعنٌ في أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِه، فهذا الإنكارُ يناقِضُ إثباتَ كَمالِ العِلمِ للهِ تعالى، ويُنافي كَمالَ حِكمتِه عزَّ وجَلَّ

قال ابنُ تيميَّةَ: (تارةً يَعلَمُ أنَّ اللهَ حَرَّمها، ويعلَمُ أنَّ الرَّسولَ إنَّما حَرَّم ما حَرَّمه اللهُ، ثم يمتَنِعُ عن التزامِ هذا التحريمِ، ويعانِدُ المحَرَّمَ، فهذا أشَدُ كُفرًا من قَبْلِه، وقد يكونُ هذا مع عِلْمِه أنَّ من لم يلتَزِمْ هذا التحريمَ عاقبه اللهُ وعَذَّبه، ثم إنَّ هذا الامتناعَ والإباءَ إمَّا لخَلَلٍ في اعتقادِ حِكمةِ الآمِرِ وقُدرتِه، فيعودُ هذا إلى عَدَمِ التصديقِ بصِفةٍ مِن صفاتِهـ) 2530.

2- أنَّ الإيمانَ يتضَمَّنُ الإقرارَ والتصديقَ، وهذا الإنكارُ تكذيبٌ وجُحودٌ، فهو يناقِضُ الإيمانَ ولا يجامِعُه؛ فإنَّ إنكارَ حُكمٍ معلومٍ مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ تكذيبٌ لآياتِ كِتابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وقد أمر اللهُ تعالى بتصديقِ آياتِه، والإقرارِ بها، كما حَكَم اللهُ تعالى بالكُفرِ على من جَحَد آياتِه وأنكرها، وتوعَّدَهم بالعذابِ.

قال اللهُ تعالى: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ [العنكبوت: 47] .

قال السَّعديُّ: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ الذين دَأْبُهم الجُحودُ للحَقِّ والعِنادُ له. وهذا حَصرٌ لِمن كَفَر به؛ أنَّه لا يكونُ من أحدٍ قَصْدُه متابعةُ الحَقِّ، وإلَّا فكُلُّ من له قَصدٌ صحيحٌ؛ فإنَّه لا بُدَّ أن يؤمِنَ به؛ لِما اشتمل عليه من البيِّناتِ، لكُلِّ من له عَقلٌ، أو ألقى السَّمعَ وهو شَهيدٌ) 2531.

وقال اللهُ سُبحانَه: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: 27-28] .

قال ابنُ كثيرٍ: (قال تعالى منتَصِرًا للقُرآنِ، ومنتَقِمًا ممَّن عاداه من أهلِ الكُفرانِ: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا أي: في مُقابلةِ ما اعتَمَدوه في القُرآنِ وعندَ سَماعِه وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: بشَرِّ أعمالِهم وسيِّئِ أفعالِهم) 2532.

3- أنَّ هذا الإنكارَ تكذيبٌ ظاهِرٌ للأحاديثِ الصَّريحةِ الصَّحيحةِ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فهو طَعنٌ في مقامِ الرِّسالةِ.

قال ابنُ تيميَّةَ: (الاستِحلالُ اعتِقادُ أنَّها حلالٌ له، وذلك يكونُ تارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ أحَلَّها، وتارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ لم يُحَرِّمْها، وتارةً بعَدَمِ اعتقادِ أنَّ اللهَ حَرَّمها، وهذا يكونُ لخَلَلٍ في الإيمانِ بالرُّبوبيَّةِ، أو لخَلَلٍ في الإيمانِ بالرِّسالةِ) 2533.

وقال أيضًا: (مُعارَضةُ أقوالِ الأنبياءِ بآراءِ الرِّجالِ، وتقديمُ ذلك عليها: هو مِن فِعلِ المكَذِّبينَ للرُّسُلِ، بل هو جماعُ كُلِّ كُفرٍ، كما قال الشهرستانيُّ في أوَّلِ كِتابِه المعروفِ بـ (المِلَل والنِّحَل) ما معناه: أصلُ كُلِّ شَرٍّ هو من معارَضةِ النَّصِّ بالرَّأيِ، وتقديمِ الهوى على الشَّرعِ 2534 ، وهو كما قال) 2535.

وقد قَرَّر العُلَماءُ أنَّ من ردَّ حديثًا صحيحًا، أو كذَّبه فهو كافِرٌ.

قال إسحاقُ بنُ راهَوَيه: (من بلَغَه عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَبَرٌ يُقِرُّ بصِحَّتِه، ثمَّ رَدَّه بغيرِ تَقِيَّةٍ فهو كافِرٌ) 2536.

وقال ابنُ بطة: (لو أنَّ رجلًا آمن بجميعِ ما جاءت به الرُّسُلُ إلَّا شيئًا واحدًا، كان برَدِّ ذلك الشَّيءِ كافرًا عند جميعِ العُلَماءِ) 2537.

وقال ابنُ الوزيـر: (إنَّ التكذيبَ لحديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع العِلمِ أنَّه حديثُه: كفرٌ صَريحٌ) 2538.

وقال ابنُ عُثَيمين: (تكذيبُ خَبَرِ اللهِ ورَسولِه كُفرٌ مُخرِجٌ عن المِلَّةِ بالإجماعِ) 2539.

عن البراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: لَقِيتُ عَمِّي ومعه رايةٌ، فقُلتُ له: أين تريدُ؟ قال بعثني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى رجُلٍ نكح امرأةَ أبيه فأَمَرَني أن أضرِبَ عُنُقَه وآخُذَ مالَه 2540.

قال ابنُ جريرٍ: (كان الذي عرَّس بزوجةِ أبيه متخَطِّيًا بفِعلِه حُرمَتَين، وجامعًا بين كبيرتينِ من معاصي اللهِ؛ إحداهما: عَقدُ نكاحٍ على من حَرَّم اللهُ عَقْدَ النِّكاحِ عليه بنَصِّ تنزيلِه بقَولِه: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: 22] . والثَّانية: إتيانُه فرجًا محرَّمًا عليه إتيانُه، وأعظَمُ من ذلك تقَدُّمُه على ذلك بمَشهَدٍ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإعلانُه عَقْدَ النِّكاحِ على من حَرَّم اللهُ عليه عَقْدَه عليه بنَصِّ كِتابه الذي لا شُبهةَ في تحريمِها عليه، وهو حاضِرُه، فكان فِعْلُه ذلك من أدَلِّ الدَّليلِ على تكذيبِه رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما آتاه به عن اللهِ تعالى، وجُحودِه آيةً مُحكَمةً في تنزيلِه... فكان بذلك مَن فَعَلَه حُكمُه القَتْلُ وضَربُ العُنُقِ؛ فلذلك أمر رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَتْلِه وضَرْبِ عُنُقِه إن شاء اللهُ؛ لأنَّ ذلك كان سُنَّتَه في المرتَدِّ عن الإسلامِ) 2541.

وقال الشوكاني: (الحديثُ فيه دليلٌ على أنَّه يجوزُ للإمامِ أن يأمُرَ بقَتلِ من خالف قطعيًّا من قطعيَّاتِ الشَّريعةِ كهذه المسألةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: 22] ، ولكِنَّه لا بدَّ من حملِ الحديثِ على أنَّ ذلك الرَّجُلَ الذي أمر صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَتْلِه عالمٌ بالتحريمِ وفِعْلِه مُستحِلًّا، وذلك من مُوجِباتِ الكُفرِ، والمرتَدُّ يُقتَلُ) 2542.

فمن المعلوم قطعًا تحريمُ نِكاحِ زَوجاتِ الآباءِ إجماعًا.

قال اللهُ تعالى: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا [النساء: 22] .

قال ابنُ جريرٍ: (قد ذكر أنَّ هذه الآيةَ نزلت في قومٍ كانوا يَخلُفون على حلائِلِ آبائِهم، فجاء الإسلامُ وهم على ذلك، فحَرَّم اللهُ تبارك وتعالى عليهم المقامَ عليهنَّ، وعفا لهم عمَّا كان سلَفَ منهم في جاهلِيَّتِهم وشِرْكِهم من فِعلِ ذلك، لم يؤاخِذْهم به إن هم اتَّقَوا اللهَ في إسلامِهم وأطاعوه فيهـ) 2543.

وقال ابنُ كثيرٍ عن هذا النِّكاحِ: (فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتَدَّ عن دينِه، فيُقتَلُ ويَصيرُ مالُه فَيئًا لبيتِ المالِ) 2544.

4- أجمع العُلَماءُ على تكفيرِ من أنكر حُكمًا معلومًا من الدِّينِ بالضَّرورةِ، وقد حكى هذا الإجماعَ عددٌ كثيرٌ من أهلِ العِلمِ.

قال ابنُ حزم: (اتَّفَقوا أنَّ المؤمنَ هو من آمن باللهِ تعالى، وبرسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وبكُلِّ ما أتى به عليه السَّلامُ، ممَّا نَقَل عنه الكافَّةُ في التوحيدِ، أو في النُّبُوَّةِ، أو في مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو في حرفٍ مما أتى به عليه السَّلامُ، أو في شريعةٍ أتى بها عليه السَّلامُ، ممَّا نُقِل عنه نَقلَ كافَّةٍ، فإنَّ من جحد شيئًا مما ذكَرْنا، أو شَكَّ في شيءٍ منه، ومات على ذلك؛ فإنَّه كافرٌ مُشرِكٌ مُخلَّدٌ في النَّارِ أبدًا) 2545.

وقال أيضًا: (لا خِلافَ بين اثنين من الأُمَّة كُلِّها في أنَّ من كفر بالصَّلاةِ أو بالزكاةِ، أو بالحَجِّ أو بالعُمرةِ، أو بشيءٍ مما أجمع المُسلِمون عليه، على أنَّ الله تعالى بيَّنه على لسانِ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونصَّ عليه من أعمالِ الشَّريعةِ؛ فإنَّه كافِرٌ حابطُ العَمَلِ) 2546.

وقال ابنُ عبد البَرِّ: (قد أجمعوا أنَّ مُستحِلَّ خمرِ العِنَبِ المُسكِرِ: كافرٌ، رادٌّ على اللهِ عَزَّ وجَلَّ خَبَرَه في كِتابِه، مُرتَدٌّ يُستتابُ، فإن تاب ورجع عن قَولِه وإلَّا استُبيحَ دَمُه كسائِرِ الكُفَّارِ) 2547.

وقال أيضًا: (قال إسحاقُ بنُ راهَوَيه: قد أجمع العُلَماءُ أنَّ من سبَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ، أو سبَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو دفع شيئًا أنزله اللهُ، أو قتل نبيًّا من أنبياءِ اللهِ، وهو مع ذلك مقرٌّ بما أنزل اللهُ؛ أنَّه كافِرٌ) 2548.

وقال أبو يعلى: (من اعتقد تحليلَ ما حرَّم اللهُ بالنَّصِّ الصَّريحِ من اللهِ، أو من رسولِه، أو أجمع المُسلِمون على تحريمِه؛ فهو كافرٌ، كمن أباح شُربَ الخمرِ، ومَنَع الصَّلاةَ والصِّيامَ والزكاةَ، وكذلك من اعتقد تحريمَ شيءٍ حَلَّله اللهُ وأباحه بالنَّصِّ الصَّريحِ، أو أباحه رسولُه، أو المُسلِمون مع العِلمِ بذلك؛ فهو كافِرٌ، كمن حَرَّم النكاحَ والبيعَ والشِّراءَ على الوَجهِ الذي أباحه اللهُ عزَّ وجَلَّ، والوَجهُ فيه أنَّ في ذلك تكذيبًا لله تعالى، ولرَسولِه في خبرِه، وتكذيبًا للمُسلِمين في خبرِهم، ومن فعل ذلك فهو كافرٌ بإجماعِ المُسلِمين) 2549.

وقال عِياضٌ: (أجمع المُسلِمون على تكفيرِ كُلِّ من استحَلَّ القَتْلَ، أو شُرْبَ الخَمْرِ، أو الزِّنا؛ مِمَّا حَرَّم اللهُ، بعد عِلْمِه بتحريمِه، كأصحابِ الإباحةِ مِن القرامِطةِ، وبعضِ غُلاةِ الصُّوفيَّةِ، وكذلك نقطَعُ بتكفيرِ كُلِّ من كذَّب، وأنكر قاعدةً من قواعِدِ الشَّرعِ، وما عُرِف يقينًا بالنَّقلِ المتواتِرِ مِن فِعلِ الرَّسولِ، ووقع الإجماعُ المتَّصِلُ عليه، كمن أنكر وجوبَ الخَمْسِ الصَّلَواتِ، ... وكذلك أُجمِعَ على تكفيرِ من قال من الخوارجِ: إنَّ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهارِ) 2550.

وقال ابنُ تيميَّةَ: (اتَّفَق الصَّحابةُ على أنَّ من استحَلَّ الخَمرَ قَتَلوه،... وهذا الذي اتَّفَق عليه الصَّحابةُ، وهو مُتَّفَق عليه بين أئِمَّة الإسلامِ، لا يتنازعون في ذلك، ومن جحد وجوبَ بعضِ الواجباتِ الظَّاهرةِ المتواترةِ؛ كالصَّلَواتِ الخَمسِ، وصيامِ شَهرِ رَمَضانَ، وحَجِّ البيتِ العتيقِ، أو جَحَد تحريمَ بعض المُحَرَّمات الظَّاهرة المتواترةِ؛ كالفواحِشِ، والظُّلمِ، والخَمرِ، والميسِرِ، والزِّنا وغيرِ ذلك، أو جَحَد حِلَّ بعض المباحات الظَّاهِرةِ المتواترةِ؛ كالخُبزِ، واللَّحمِ، والنِّكاحِ؛ فهو كافر مُرتَدٌّ، يُستتابُ، فإن تاب وإلَّا قُتِل) 2551.

وقال أيضًا: (الإنسانُ متى حَلَّل الحرامَ المجمَعَ عليه، أو حَرَّم الحلالَ المجمَعَ عليه، أو بدَّل الشَّرعَ المجمَعَ عليه- كان كافرًا مُرتَدًّا باتِّفاق الفُقَهاءِ) 2552.

ونقل ابنُ الوزيرِ إجماعَ الأُمَّةِ على تكفيرِ من خالف الدِّينَ المعلومَ بالضَّرورةِ، والحُكْمِ برِدَّتِه 2553.

وقال أيضًا: (اعلَمْ أنَّ أصلَ الكُفرِ هو التكذيبُ المتعَمَّدُ لشيءٍ من كُتُبِ اللهِ تعالى المعلومةِ، أو لأحدٍ من رُسُلِه عليهم السَّلامُ، أو لشيءٍ ممَّا جاؤوا به، إذا كان ذلك الأمرُ المكذَّبُ به معلومًا بالضَّرورةِ من الدِّينِ، ولا خِلافَ أنَّ هذا القَدْرَ كُفرٌ، ومن صدر عنه فهو كافِرٌ، إذا كان مُكَلَّفًا مختارًا غيرَ مختَلِّ العَقلِ ولا مُكْرَهٍ، وكذلك لا خِلافَ في كُفرِ من جحد ذلك المعلومَ بالضَّرورةِ للجميعِ، وتستَّرَ باسمِ التأويلِ فيما لا يمكِنُ تأويلُه، كالملاحِدةِ في تأويلِ جميعِ الأسماءِ الحسنى، بل جميعِ القُرآنِ والشَّرائعِ والمَعادِ) 2554.

وقال علي القاري: (لا خِلافَ بين المُسلِمين أنَّ الرَّجُلَ لو أظهر إنكارَ الواجباتِ الظَّاهرةِ المتواترةِ، والمُحَرَّماتِ الظَّاهرةِ المتواترةِ؛ فإنَّه يُستتابُ فإن تاب منها، وإلَّا قُتِلَ كافرًا مُرتَدًّا) 2555.

وهنا جُملةٌ من أقوالِ العُلَماءِ في هذه المسألةِ:

قال أحمد: (ولا يُخرِجُه من الإسلامِ شَيءٌ إلَّا الشِّركُ باللهِ العظيمِ، أو برَدِّ فريضةٍ من فرائِضِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، جاحدًا بها) 2556.

وقال البربهاري: (ولا نخرِجُ أحدًا من أهلِ القِبلةِ من الإسلامِ حتى يَرُدَّ آيةً من كِتابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، أو يردَّ شيئًا من آثارِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ... فإذا فعـل شيئًا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرِجَه من الإسلامِ) 2557.

وقال ابنُ حزمٍ: (فمن أحلَّ ما حرَّم اللهُ تعالى، وهو عالمٌ بأنَّ اللهَ تعالى حرَّمه؛ فهو كافِرٌ بذلك الفِعلِ نَفسِه، وكلُّ من حرَّم ما أحلَّ اللهُ تعالى، فقد أحلَّ ما حرَّم اللهُ عزَّ وجَلَّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى حرَّم على النَّاسِ أن يحَرِّموا ما أحَلَّ اللهُ) 2558.

وقال ابنُ قُدامةَ: (من اعتقد حِلَّ شيءٍ أُجمِعَ على تحريمِه، وظهر حُكمُه بين المُسلِمين، وزالت الشُّبهةُ فيه؛ للنُصوصِ الواردةِ، كلَحمِ الخِنزيرِ، والزِّنا، وأشباهِ هذا مما لا خِلافَ فيه- كَفَر، ... وإنِ استحَلَّ قَتْلَ المعصومين، وأخْذَ أموالِهم بغيرِ شُبهةٍ ولا تأويلٍ، فكذلك يعني يكون كافرًا أيضًا) 2559.

وقال النَّووي: (إنْ جَحَد مجمَعًا عليه يُعلَمُ من دينِ الإسلامِ ضَرورةً، كَفَر إن كان فيه نَصٌّ، وكذا إن لم يكُنْ فيه نصٌّ في الأصَحِّ، وإن لم يُعلَمْ من دينِ الإسلامِ ضَرورةً بحيث لا يعرِفُه كُلُّ المُسلِمين، لم يَكفُرْ. واللهُ أعلَمُ) 2560.

وقد ساق مُحمَّد بن إسماعيل الرشيد الحنفي ألفاظًا كثيرةً من كُتُبِ الأحناف تتضَمَّنُ هذا الإنكارَ؛ فمن ذلك قَولُه: (وفي الظهيريَّةِ: ومَن قيل له: كُلْ من الحلالِ، فقال: الحرامُ أحَبُّ إليَّ، كَفَر، أو قال: يجوزُ لي الحرامُ، كَفَر....

وفي الجواهِرِ: من قال: ليت الخَمرَ أو الزِّنا أو الظُّلمَ أو قَتْلَ النَّاسِ حَلالٌ؛ كَفَر، ... ومن أنكر حُرمةَ الحرامِ المجمَعِ على حُرمتِه، أو شَكَّ فيه؛ كالخَمرِ والزِّنا واللِّواطة والرِّبا، أو زعم أنَّ الصَّغائرَ والكبائِرَ حلالٌ، كَفَر.

وفي اليتيميَّةَ: ومن قال بعد استيقانِه بحُرمـةِ شَيءٍ أو بحُرمـةِ أمرٍ فَعَلَه: هـذا حلالٌ، كَفَر، ومن أجاز بيعَ الخَمْرِ، كَفَر) 2561.

وقال ابنُ رجب: (قد يَتركُ الرَّجُلُ دينَه، ويفارِقُ الجماعةَ، وهو مقرٌّ بالشَّهادتين، ويدَّعي الإسلامَ، كما إذا جحد شيئًا من أركانِ الإسلامِ) 2562.

وقال عميرة: (ويَكفُرُ إذا حَلَّل مُحَرَّمًا بالإجماعِ... ويكفُرُ إذا نفى وجوبَ مجمَعٍ عليه؛ لقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: والتَّارِكُ لدينِه، المفارِقُ للجماعةِ 2563 2564.

وقال ابنُ نجيم الحنفي: (الأصلُ أنَّ من اعتقد الحرامَ حلالًا، فإن كان حرامًا لغيرِه، كمالِ الغَيْرِ، لا يَكفُرُ، وإن كان لعينِه فإن كان دليلُه قطعيًّا، كَفَر، وإلَّا فلا، وقيل: التفصيلُ في العالمِ، أما الجاهِلُ فلا يُفرَّق بين الحلالِ والحرامِ لعينِه ولغيرِه، وإنَّما الفَرقُ في حَقِّه أنَّ ما كان قطعيًّا كَفَر به، وإلَّا فلا، فيَكفُرُ إذا قال: الخمرُ ليس بحرامٍ، وقَيَّده بعضُهم بما إذا كان يَعلَمُ حُرمتَها، لا بقَولِه: حرامٌ، ولكن ليست هذه التي تزعمون أنَّها حرامٌ، ويكفُرُ من قال: إنَّ حُرمةَ الخَمرِ لم تَثبُتْ بالقُرآنِ، ومن زعم أنَّ الصَّغائِرَ والكبائِرَ حَلالٌ، وباستحلالِه الجِماعَ للحائِضِ) 2565.

وذكر الشربيني أنَّ مَن حَلَّل مُحَرَّمًا بالإجماعِ، كَفَر، كمن استحَلَّ الزِّنا واللِّواطَ والظُّلمَ وشُربَ الخَمرِ، ومِن هذا لو اعتقد حقِّيَّةَ المكْسِ، مع حرمةِ تسميتِه حَقًّا، ويكفُرُ -كما قَرَّر الشربيني- فيما لو حَرَّم حلالًا بالإجماعِ كالبيعِ والنِّكاحِ، أو نفى وجوبَ مجمَعٍ عليه كوجوبِ ركعةٍ من الصَّلَواتِ الخَمسِ، كما يكفُرُ إذا اعتقد وجوبَ ما ليس بواجبٍ بالإجماعِ، كزيادةِ ركعةٍ من الصَّلاةِ المفروضةِ، أو وجوبِ صَومِ يومٍ مِن شَوَّالٍ.

ثم قال الشربيني: (صرَّح البَغَوي في تعليقِه بتكفيرِ من أنكر مجمَعًا على مشروعيَّتِه من السُّـنَنِ؛ كالرَّواتبِ وصلاةِ العيدينِ، وهـو لأجْلِ تكذيبِ التواتُرِ) 2566.

وقال مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي: (يكفُرُ من جحد وجوبَ عبادةٍ من الخَمسٍ، ومنها الطَّهارةُ، أو حُكمًا ظاهرًا مجمَعًا عليه إجماعًا قطعيًّا بلا تأويلٍ، كتحريمِ زنًا أو لحمِ -لا شَحمِ- خِنزيرٍ، أو حشيشةٍ، أو حِلَّ خُبزٍ ونحوِه، أو شَكَّ فيه، ومِثْلُه لا يجهَلُه، أو يجهَلُه وعُرِّف وأصَرَّ) 2567.

وقال البهوتي: (من استحلَّ الحشيشةَ المُسكِرةَ كَفَر بلا نزاعٍ،... وإن جحد وجوبَ العِباداتِ الخَمسِ المذكورةِ في حديث: بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ... 2568 ، أو جحد شيئًا منها، أي: من العباداتِ الخَمسِ، ومنها الطَّهارةُ من الحَدَثينِ؛ كَفَر، أو جحد حِلَّ الخبزِ واللَّحمِ والماءِ، أو أحَلَّ الزِّنا ونحوَه، كشهادةِ الزُّورِ واللِّواطِ، أو أحَلَّ تَرْكَ الصَّلاةِ، أو جحد شيئًا من المُحَرَّماتِ الظَّاهرةِ المجمَعِ على تحريمِها، كلَحمِ الخنزيرِ والخَمرِ وأشباهِ ذلك، أو شَكَّ فيه ومِثْلُه لا يجهَلُه، كالنَّاشئِ في قرى الإسلامِ- كَفَر؛ لأنَّه مكَذِّبٌ للهِ ولرسولِه وسائِرِ الأُمَّةِ) 2569.

ويُعَلِّلُ البهوتي السَّبَبَ في كُفرِ مُنكِرِ حُكمٍ معلومٍ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، فيقولُ: (لمعاندتِه للإسلامِ، وامتناعِه من قَبولِ الأحكامِ، غيرَ قابلٍ لكِتاب اللهِ وسُنَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإجماعِ الأُمَّةِ) 2570.

وقال قليوبي: (ويكفُرُ إذا حَلَّل مُحَرَّمًا بإجماعِ الأئِمَّة الأربعةِ -وكذا العكسُ-، ولا بدَّ من كونِه معلومًا بالضَّرورةِ، فخرج إنكارُ أنَّ لبنتِ الابنِ السُّدُسَ مع بنتِ الصُّلبِ، فلا يَكفُرُ به، ولو من عالمٍ به، خلافًا لبَعْضِهم) 2571.

وقال الدردير المالكي في المُكَفِّرات في بابِ الرِّدَّةِ: (أو أنكر مجمَعًا عليه؛ كوُجوبِ الصَّلاةِ، أو تحريمِ الزِّنا، أو حِلَّ مجمَعٍ على عدَمِ إباحتِه ممَّا عُلِمَ من الدِّينِ ضرورةً بكِتابِ القُرآنِ أو سُنَّةٍ متواترةٍ؛ فلا يَكفُرُ بإنكارِ إعطاءِ السُّدُسِ لبنتِ الابنِ مع البنتِ، وإن كان مجمَعًا عليه؛ لعَدَمِ عِلمِه ضَرورةً، ولا بإنكارِ خِلافةِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه ونحوِه، أو وجودِ بغدادَ؛ لأنَّه ليس من الدِّينِ، ولا يتضَمَّنُ تكذيبَ قُرآنٍ) 2572.

وقال الشوكاني: (قد تقرَّر في القواعِدِ الإسلاميَّةِ: أنَّ مُنكِرَ الإجماع القَطعيِّ وجاحِدَه، والعامِلَ على خلافِه تمرُّدًا أو استحلالًا أو استخفافًا: كافِرٌ باللهِ، وبالشَّريعةِ المطَّهرةِ التي اختارها اللهُ تعالى لعبادِهـ) 2573.

وقال السَّعديُّ: (ومن جَحَد وُجوبَ الصَّلاةِ، أو وجوبَ الزكاةِ أو الصِّيامِ أو الحَجِّ، فهو مكَذِّبٌ للهِ ورَسولِه، ولكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه وإجماعِ المُسلِمين، وهو خارجٌ من الدِّينِ بإجماعِ المُسلِمين، ومن أنكر حُكمًا من أحكامِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ظاهِرًا مجمَعًا عليه إجماعًا قطعيًّا، كمن يُنكِرُ حِلَّ الخُبزِ والإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ ونحوِها ممَّا هو ظاهِرٌ، أو ينكِرُ تحريمَ الزِّنا أو القَذفِ أو شُربِ الخَمرِ، فضلًا عن الأُمورِ الكُفريَّةِ والخِصالِ الشِّركيَّةِ- فهو كافِرٌ مكَذِّبٌ لكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه، متَّبعٌ غيرَ سَبيلِ المؤمِنينَ) 2574.

وقال مُحمَّد سلطان الخُجَنْديُّ: (إنَّ تحريمَ الحلالِ وتحليلَ الحرامِ القَطعيِّ كُفرٌ، وكذا الحُكْمُ في الحِلِّ والحُرمةِ والمنعِ والجوازِ جُزافًا بلا دليلٍ؛ فمن حَرَّم ما حَلَّله الشَّرعُ أو عَكْسه، فقد كَفَر؛ لِقَولِ الله تعالى في سورة النحل: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلَالٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل: 116] ) 2575.

وقال مُحمَّد بن إبراهيمُ آل الشَّيخ: (إنَّ من الأصولِ المتَقَرِّرةِ المُتَّفَقِ عليها بينهم أي: بين أهلِ العِلم أنَّ من جحد أصلًا من أصولِ الدِّينِ، أو فَرْعًا مجمَعًا عليه، أو أنكر حَرفًا ممَّا جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قطعيًّا؛ فإنَّه كافِرٌ الكُفرَ النَّاقِلَ عن المِلَّةِ) 2576.