فيما يتعَلَّقُ بأدِلَّةِ الإباضيَّةِ على مَذهَبِهم من القرآنِ الكريمِ؛ فقد ذَكَر علي يحيى مَعمَر منها قولَه تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 97] ، وقَولَه تعالى: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40] ، وقولَه تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44] .

وقد أَوَّل كُلَّ ما ورد في هذه النُّصوصِ من كتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أنَّها واردةٌ في كُفْرِ النِّعمةِ؛ ولهذا يقولُ: (يَحسَبُ كثيرٌ ممَّن لا عِلمَ له أنَّ الإباضيَّةَ يتَّفِقون مع الخَوارِجِ في تكفيرِ العُصاةِ كُفرَ شِركٍ، ولا يَعرِفون أنَّ الإباضيَّةَ يُطلِقون كَلِمةَ الكُفرِ على عُصاةِ المُوَحِّدين الذين يَنتَهِكون حُرُماتِ اللهِ، ويَقصِدون بذلك كُفْرَ النِّعمةِ) 571 .

قال ابنُ حزمٍ: (وما نَعلَمُ لِمن قال: هو مُنافِقٌ، حُجَّةً أصلًا، ولا لِمن قال: إنَّه كافِرُ نِعمةٍ، إلَّا أنَّهم نزعوا بقولِ اللهِ تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [إبراهيم: 28-29] ... وهذا لا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّ كُفْرَ النِّعمةِ عَمَلٌ يَقَعُ من المُؤمِنِ والكافِرِ) 572 .

وقد أورد الرَّبيعُ بنُ حَبيبٍ الإباضيُّ في مُسنَدِه أحاديثَ كثيرةً يستدِلُّ بها على صِحَّةِ مَذهَبِ الإباضيَّةِ، وكثيرٌ منها قد استدلَّ به غيرُهم من الخَوارِجِ على تكفيرِ العُصاةِ كُفرَ مِلَّةٍ، فقد أورد المؤلِّفُ تحتَ قولِه: (بابُ الحُجَّةِ على من قال: إنَّ أهلَ الكبائِرِ ليسوا بكافِرين) عِدَّةَ أحاديثَ تحتَ هذه التَّرجمةِ لم يَذكُرْ أسانيدَ الكثيرِ منها، ومنها ما يأتي:

1- قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إذا قال رجُلٌ لرجُلٍ: أنت عدوِّي، فقد كفَر أحَدُهما 573 .

2- قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا لأصحابِه: لا تَرجِعوا بعدي كُفَّارًا يَضرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ 574 .

3- كان ابنُ مسعودٍ يروي عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: الرِّشْوةُ في الحُكمِ كُفرٌ 575 .

4- قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إذا زنا الزَّاني سُلِب الإسلامَ، فإذا تاب أُلبِسَهـ 576 .

5- عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا إيمانَ لِمن لا صلاةَ لهـ 577 .

6- عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ليس بَينَ العبدِ والكُفرِ إلَّا تَركُ الصَّلاةِ 578 .

وبغَضِّ النَّظَرِ عن مدى صِحَّةِ هذه الأحاديثِ أو بعضِها، فإنَّ الوصفَ بالكُفْرِ الوارِدَ في هذه الأحاديثِ وغَيرِها قد حمله الإباضيَّةُ على كُفْرِ النِّعمةِ لا كُفْرِ المِلَّةِ.