استدلَّ الخَوارِجُ بأدِلَّةٍ من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ لإثباتِ مُعتَقَدِهم بتكفيرِ مُرتَكِبي الكبائِرِ؛ منها:

أوَّلًا: استدلَّ الخَوارِجُ بحديثِ أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا يزني الزَّاني حينَ يزني وهو مُؤمِنٌ، ولا يَشرَبُ الخَمرَ حينَ يَشرَبُ وهو مُؤمِنٌ، ولا يَسرِقُ حينَ يَسرِقُ وهو مُؤمِنٌ، ولا يَنتَهِبُ نُهبةً يرفَعُ النَّاسُ إليه فيها أبصارَهم وهو مُؤمِنٌ 545 .

وَجهُ استِدلالِهم:

فَهِمَ الخَوارِجُ من هذا الحديثِ نفيَ الإيمانِ عن مُرتَكِبي هذه المعاصي نفيًا تامًّا، وإذا نُفيَ عنهم الإيمانُ فإنَّهم يكونون من الكُفَّارِ؛ ذلك أنَّ الكُفرَ والإيمانَ نَقيضانِ إذا انتفى أحدُهما ثبت الآخَرُ.

الرَّدُّ عليهم:

هذا الحديثُ جاء التَّقييدُ فيه بنفيِ الإيمانِ حينَ مُواقَعةِ الذَّنبِ، كالزِّنا وغَيرِه، ومُقتضاه كما قال ابنُ حَجَرٍ: (أنَّه لا يَستَمِرُّ بَعدَ فراغِهـ) قال: (وهذا هو الظَّاهِرُ) 546 .

ويؤيِّدُ هذا ما ورد من رواياتٍ كثيرةٍ عن ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنهما تفيدُ رفعَ الإيمانِ عن الشَّخصِ المقتَرِفِ لجريمةِ الزِّنا في حالِ مُواقعتِه له، ويكونُ فَوقَه كالظُّلَّةِ، فإذا أقلع عاد إليه 547 .

وهذا المعنى على افتراضِ أنَّ الحديثَ لا كلامَ في صِحَّتِه، بينما الواقِعُ أنَّ فيه كلامًا كثيرًا للعُلَماءِ؛ قال الطَّبريُّ: (اختلف الرُّواةُ في أداءِ لفظِ هذا الحديثِ، وأنكر بعضُهم أن يكونَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالهـ) 548 .

وذكر النَّوويُّ أنَّ هذا الحديثَ ممَّا اختلف العُلَماءُ في معناه، ثُمَّ ذكر أنَّ الصَّحيحَ من هذه المعاني هو نفيُ أن يكونَ الفاعِلُ كامِلَ الإيمانِ، ولا عِبرةَ عِندَه بتلك الاختلافاتِ، قال: (فالقَولُ الصَّحيحُ الذي قاله المحَقِّقون أنَّ معناه لا يفعَلُ هذه المعاصيَ وهو كامِلُ الإيمانِ)، ثُمَّ ذكَر أنَّ السَّبَبَ الحامِلَ له على هذا التَّأويلِ وُرودُ نُصوصٍ كثيرةٍ تشهَدُ بخلافِه، فقال: (وإنَّما تأوَّلْناه على ما ذكَرْناه لحديثِ أبي ذَرٍّ وغيرِه: من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ دخل الجنَّةَ وإن زنى وإن سَرَق 549 ، وحديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ الصَّحيحِ المشهورِ: أنَّهم بايعوه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ألَّا يَسرِقوا ولا يَزْنوا ولا يَعْصوا... إلى آخِرِه. ثُمَّ قال لهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فمَن وفى منكم فأجرُه على اللهِ، ومن فعَل شيئًا من ذلك فعُوقِبَ في الدُّنيا فهو كفَّارتُه، ومَن فعَل ولم يعاقَبْ فهو إلى اللهِ تعالى؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبه 550 .

فهذان الحديثانِ مع نظائِرِهما في الصَّحيحِ، مع قولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48] مع إجماعِ أهلِ الحَقِّ على أنَّ الزَّانيَ والسَّارِقَ والقاتِلَ وغيرَهم من أصحابِ الكبائِرِ غيرِ الشِّرْكِ، لا يَكفُرون بذلك، بل هم مُؤمِنون ناقِصو الإيمانِ، إن تابوا سقطَت عقوبتُهم، وإن ماتوا مُصِرِّين على الكبائِرِ كانوا في المشيئةِ؛ فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخَلَهم الجنَّةَ أوَّلًا، وإن شاء عذَّبهم ثُمَّ أدخلَهم الجنَّةَ. وكُلُّ هذه الأدِلَّةِ تَضطَرُّنا إلى تأويلِ هذا الحديثِ وشِبْهِهـ). وهذا التَّأويلُ كما قال: (ظاهِرٌ سائِغٌ في اللُّغةِ مُستعمَلٌ فيها كثيرًا). وهناك أقوالٌ للعُلَماءِ في تأويلِه تلمَّسوها باجتهادِهم وهي محتَمِلةٌ، إلَّا أنَّ بعضَها غَلَطٌ، قال النَّوويُّ: ينبغي تركُه؛ فقد (تأوَّل بعضُ العُلَماءِ هذا الحديثَ على مَن فَعَل ذلك مُستَحِلًّا له مع عِلمِه بورودِ الشَّرعِ بتحريمِهـ)، وبعضُهم قال: (يُنزَعُ منه اسمُ المدحِ الذي يُسَمَّى به أولياءُ اللهِ المُؤمِنين، ويستَحِقُّ اسمَ الذَّمِّ، فيقالُ: سارِقٌ، وزانٍ، وفاجِرٌ، وفاسِقٌ).

(وحُكِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ معناه: يُنزَعُ منه نورُ الإيمانِ، وقال المُهَلَّبُ: يُنزَعُ منه بصيرتُه في طاعةِ اللهِ تعالى، وذهب الزُّهْريُّ إلى أنَّ هذا الحديثَ وما أشبَهَه يُؤمَنُ بها وتُمَرُّ على ما جاءت ولا يُخاضُ في معناها، وإنَّا لا نعلَمُ معناها. وقال: أَمِرُّوها كما أَمَرَّها مَن قَبْلَكم). قال النَّوويُّ بَعدَ أنَّ أورد تلك الآراءَ: (وقيل في معنى الحديثِ غيرُ ما ذكَرْتُه ممَّا ليس بظاهِرٍ، بل بعضُها غَلَطٌ، فتَركتُها، وهذه الأقوالُ التي ذكَرْتُها في تأويلِه كُلُّها مُحتَمِلةٌ، والصَّحيحُ في معنى الحديثِ ما قدَّمْناه أوَّلًا) 551 .

ويرى ابنُ حَجَرٍ أنَّ الحديثَ مصروفٌ عن ظاهِرِه، وذلك لاختلافِ الحُكمِ في حَدِّ الزِّنا وتنَوُّعِه، فقال: (مِن أقوى ما يَحمِلُ على صرفِه عن ظاهِرِه إيجابُ الحَدِّ في الزِّنا على أنحاءٍ مختَلِفةٍ، في حَقِّ الحرِّ المحصَنِ والحُرِّ البِكرِ وفي حَقِّ العبدِ، فلو كان المرادُ بنفيِ الإيمانِ ثبوتَ الكُفرِ لاستَوَوا في العُقوبةِ؛ لأنَّ المُكَلَّفين فيما يتعَلَّقُ بالإيمانِ والكُفرِ سَواءٌ) 552 .

وقد ذكر ابنُ حَجَرٍ أقوالًا في معنى الحديثِ؛ منها:

1- أنَّ هذا الحديثَ (خَبَرٌ بمعنى النَّهيِ)، والمعنى: لا يزنِيَنَّ مُؤمِنٌ ولا يَسرِقَنَّ مُؤمِنٌ. وقد أخرَجه الطَّبَريُّ من طريقِ محمَّدِ بنِ زَيدِ بنِ واقِدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ 553 .

2- أن يكونَ بذلك مُنافِقًا نِفاقَ مَعصيةٍ لا نِفاقَ كُفرٍ، ويُعْزى هذا الرَّأيُ إلى الأوزاعيِّ.

3- أنَّ معنى نفيِ كونِه مُؤمِنًا أنَّه شابَهَ الكافِرَ في عَمَلِه.

4- معنى قولِه: ليس بمُؤمِنٍ، أي: ليس بمُستحضِرٍ في حالةِ تَلَبُّسِه بالكبيرةِ جَلالَ من آمَن به.

5- معنى نَفيِ الإيمانِ نفيُ الأمانِ من عذابِ اللهِ.

6- أنَّ المرادَ به الزَّجرُ والتَّنفيرُ ولا يرادُ ظاهِرُه.

7- أنَّه يُسلَبُ منه الإيمانُ حالَ تلبُّسِه بالكبيرةِ، فإذا فارقَها عاد إليه.

وقد بَيَّنَ المازِريُّ فائدةَ هذه التَّأويلاتِ، فقال عنها: (تَدفَعُ قولَ الخَوارِجِ ومَن وافقهم من الرَّافِضةِ: إنَّ مُرتَكِبَ الكبيرةِ كافِرٌ مخلَّدٌ في النَّارِ إذا مات من غيرِ توبةٍ، وكذا قولُ المُعتَزِلةِ: إنَّه فاسِقٌ مُخلَّدٌ في النَّارِ؛ فإنَّ الطَّوائِفَ المذكورينَ تعَلَّقوا بهذا الحديثِ وشِبْهِه، وإذا احتمل ما قُلْناه اندفَعَت حُجَّتُهم) 554 .

وقد أشار ابنُ حَجَرٍ إلى الجَمعِ بَينَ حديثِ: لا يَشرَبُ الخَمرَ وهو مُؤمِنٌ ، وبَينَ قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في رُجلٍ يُسَمَّى عبدَ اللهِ ويُلقَّبُ حِمارًا، كان يَشرَبُ الخمرَ، فلمَّا جلَدَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال رجلٌ من القومِ: اللَّهُمَّ الْعَنْه، ما أكثَرَ ما يؤتى به! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَلْعنوه فواللهِ -ما عَلِمتُ- إنَّه يحِبُّ اللهَ ورسولَه 555 : أنَّ المرادَ به -كما قال ابنُ حَجَرٍ- نفيُ كمالِ الإيمانِ، لا أنَّه يخرُجُ عن الإيمانِ جملةً، فيكونُ كافِرًا مخلَّدًا في النَّارِ، كما تقولُ الخَوارِجُ 556 .

ثانيًا: استدلَّ الخَوارِجُ على تكفيرِ أهلِ الذُّنوبِ بما ورد في الأحاديثِ التي يدُلُّ ظاهِرُها على تكفيرِ المُسلِمين المُتقاتِلين فيما بَينَهم، وذلك كما جاء في حديثِ جريرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال في حَجَّةِ الوداعِ: لا تَرجِعوا بعدي كُفَّارًا يَضرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ 557 ، فحمَلوه على أنَّه وارِدٌ في تكفيرِ الموصوفينَ بما ذُكِر.

الرَّدُّ عليهم:

للعُلَماءِ في معنى هذا الحديثِ سَبعةُ أقوالٍ، هي كالآتي:

1- أنَّ ذلك كُفرٌ في حَقِّ المستحِلِّ بغيرِ حَقٍّ.

2- أنَّ المرادَ كُفْرُ النِّعمةِ وحَقِّ الإسلامِ.

3- أنَّه يَقرُبُ من الكُفرِ ويؤدِّي إليه.

4- أنَّه فِعلٌ كفِعلِ الكُفَّارِ.

5- أنَّ معناه: لا تَكفُروا، بل دوموا مُسلِمين.

6- أنَّ المرادَ بالكُفَّارِ المتَكَفِّرون بالسِّلاحِ، وهذا بعيدٌ فيما يَظهَرُ.

7- أنَّ معناه: لا يُكَفِّرْ بعضُكم بعضًا فتستَحِلُّوا قتالَ بَعضِكم بعضًا.

وقد رجَّح النَّوويُّ من تلك الأقوالِ القَولَ الرَّابعَ، وهو أنَّ فِعلَ القَتلِ يُشبِهُ فِعلَ الكُفَّارِ 558 .

وقال ابنُ حزمٍ: (إنَّ الحديثَ على ظاهِرِه، وإنَّما في هذا اللَّفظِ النَّهيُ على أن يَرتَدُّوا بَعدَه إلى الكُفرِ فيَقتَتِلوا في ذلك فقط، وليس في هذا اللَّفظِ أنَّ القاتِلَ كافِرٌ) 559 .

ولعلَّ هذا أحسَنُ الأقوالِ وأقرَبُها إلى معنى الحديثِ -واللهُ تعالى أعلَمُ- وهو يعني أنَّ المنعَ متوجِّهٌ إلى النَّهيِ عن أن يرتَدُّوا إلى الكُفرِ، الذي يترتَّبُ عليه ضَرْبُ بعضِهم رقابَ بعضٍ؛ لعدَمِ المانِعِ لهم حينَئذٍ، وهو الإسلامُ.

وقولُ الخَوارِجِ بتكفيرِ المُتقاتِلين غيرُ سديدٍ؛ فقد سمَّى اللهُ المتقاتِلينَ من المُؤمِنين إخوانًا مع أنَّهم من أهلِ الكبائرِ بتلك المقاتَلةِ، فقال تعالى مخاطِبًا جميعَ المُؤمِنين بما فيهم القَتَلةُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: 178] .

فقد خاطَب اللهُ النَّاسَ بوُجوبِ القِصاصِ واصِفًا لهم جميعًا بالإيمانِ بما فيهم القَتَلةُ، وقد نصَّ تعالى في هذه الآيةِ على أنَّ القاتِلَ الذي وَجَب عليه القِصاصُ ووَلِيَّ المقتوِل أخوانِ، وقد سمَّى المتقاتِلينَ مُؤمِنين بقَولِه تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9] ، وقَولِه تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10] .

ثالثًا: استدلَّ الخَوارِجُ بحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: سِبابُ المُسلِمِ فُسوقٌ، وقِتالُه كُفرٌ 560 .

الرَّدُّ عليهم:

في تأويلِ هذا الحديثِ أقوالٌ:

1- أنَّه في المُستَحِلِّ.

2- أنَّ المرادَ كُفْرُ الإحسانِ والنِّعمةِ وأُخُوَّةِ الإسلامِ لا كُفْرُ الجُحودِ.

3- أنَّه يَؤُولُ إلى الكُفرِ بشُؤمِه.

4- أنَّه كفِعلِ الكُفَّارِ 561 .

رابعًا: استدلَّ الخَوارِجُ بقولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافِرُ، فقد باء بها أحَدُهما، إن كان كما قال وإلَّا رجَعَت عليه 562 ، وما ورد في معناه من أحاديثَ.

الرَّدُّ عليهم:

مَذهَبُ السَّلَفِ أنَّه لا يَكفُرُ المُسلِمُ بالمعاصي، والسِّبابُ نوعٌ من أنواعِ المعاصي.

ولهذا فقد قال النَّوَويُّ: (هذا الحديثُ ممَّا عدَّه بعضُ العُلَماءِ من المُشكِلاتِ من حيثُ إنَّ ظاهِرَه غيرُ مرادٍ). ثُمَّ ذكَر أوجُهًا لتأويلِه، وهي:

1- أن يكونَ الحديثُ وارِدًا في حقِّ من استحَلَّ تكفيرَ أخاه المُسلِمَ معتَقِدًا ذلك.

2- أن يكونَ المرادُ رُجوعَ مَعصيةِ تكفيرِه ونقيصتِه عليه هو.

3- التَّحذيرُ من أن يسترسِلَ الشَّخصُ في مِثلِ هذا القولِ فيَؤُولَ به إلى الكُفرِ؛ لأنَّ المعاصيَ -كما قيل- بريدُ الكُفرِ 563 .

خامسًا: استدلَّ الخَوارِجُ بحديثِ أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: من قَتَل نَفسَه بحديدةٍ فحَديدتُه في يَدِه يتوجَّأُ بها في بَطنِه في نارِ جهنَّمَ خالِدًا فيها أبدًا، ومن شَرِب سُمًّا فقَتَل نَفسَه فهو يتحَسَّاه في نارِ جهنَّمَ خالِدًا فيها أبدًا، ومن تردَّى من جَبَلٍ فقَتَل نفسَه فهو يتردَّى في نارِ جهنَّمَ خالِدًا مخلَّدًا فيها أبدًا 564 .

قال النَّوَويُّ: (أمَّا قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فهو في نارِ جهنَّمَ خالِدًا مخَلَّدًا فيها أبدًا، فقيل فيه أقوالٌ:

1- أنَّه محمولٌ على مَن فَعَل ذلك مُستَحِلًّا مع عِلمِه بالتَّحريمِ، فهذا كافِرٌ وهذه عقوبتُهم.

2- أنَّ المرادَ بالخُلودِ طولُ المدَّةِ والإقامةُ المتطاوِلةُ لا حقيقةُ الدَّوامِ، كما يقالُ: خَلَّد اللهُ مُلكَ السُّلطانِ.

3- أنَّ هذا جزاؤه، ولكِنْ تكَرَّمَ سُبحانَه وتعالى فأخبَرَ أنَّه لا يخلِّدُ في النَّارِ من مات مُسلِمًا) 565 .

وأهلُ السُّنَّةِ على أنَّ قاتِلَ نَفسِه ليس بكافِرٍ، كما في حديثِ جابِرٍ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ الطُّفَيلَ بنَ عَمرٍو الدَّوْسيَّ أتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رسولَ اللهِ، هل لك في حِصنٍ حَصينٍ ومَنَعةٍ؟ قال: حِصنٌ كان لدَوسٍ في الجاهليَّةِ، فأبى ذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للذي ذَخَر اللهُ للأنصارِ. فلمَّا هاجر النَّبيُّ عليه السَّلامُ إلى المدينةِ هاجر إليه الطُّفَيلُ بنُ عَمرٍو وهاجر معه رجُلٌ من قومِه، فاجتَوَوا المدينةَ، فمَرِضَ فجَزِعَ، فأخَذَ مَشاقِصَ 566 له فقَطَع بها براجِمَه 567 ، فشَخَبَت يداه 568 حتَّى مات، فرآه الطُّفَيلُ بنُ عَمرٍو في منامِه، فرآه وهيئتُه حَسَنةٌ، ورآه مُغَطِّيًا يَدَيه، فقال له: ما صَنَع بك رَبُّك؟ فقال: غَفَر لي بهِجرتي إلى نبيِّه عليه السَّلامُ. فقال: ما لي أراك مُغَطِّيًا يَدَيك، قال: قيل لي: لن نُصلِحَ منك ما أفسَدْتَ، فقَصَّها الطُّفَيلُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: اللَّهُمَّ ولِيَدَيه فاغفِرْ 569 .

قال النَّوَويُّ عن هذا الحديثِ: (فيه حُجَّةٌ لقاعِدةٍ عظيمةٍ لأهلِ السُّنَّةِ: أنَّ من قَتَل نَفسَه أو ارتَكَب مَعصيةً غَيرَها، ومات من غيرِ توبةٍ، فليس بكافِرٍ ولا يُقطَعُ له بالنَّارِ، بل هو في حُكمِ المشيئةِ... وهذا الحديثُ شَرحٌ للأحاديثِ التي قَبلَه المُوهِمِ ظاهِرُها تخليدَ قاتِلِ النَّفسِ وغيرِه من أصحابِ الكبائِرِ في النَّارِ) 570 .