ومن ذلك قولُ ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما محَذِّرًا من الخَوارِجِ: (كلامُ الحَروريَّةِ ضَلالةٌ) 911 .
ولقد أنزل الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم نصوصًا من القرآنِ الكريمِ على الخَوارِجِ، وتنوَّعَت أقوالُهم في ذلك، ولا تَعارُضَ إن تعَدَّدَت صفاتُ الخَوارِجِ، فذَكَر كُلُّ صحابيٍّ صِفةً من الصِّفاتِ، كُلُّ هذا تحذيرًا من مَسلَكِهم؛ فالخَوارِجُ هم:
1- الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة: 27] 912 .
2- الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الأنعام: 159] 913 .
3- هم الأخسَرونَ أعمالًا، كما قال اللهُ تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103-104] 914 .
4- هم من زاغت قلوبُهم ومالت عن اتِّباعِ الحَقِّ، كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: 5] 915 .
وهذه الآياتُ لا تخُصُّ الخَوارِجَ، بل تَعُمُّ كُلَّ من اتَّصَف بتلك الأوصافِ، والصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم أنزلوها على الحَروريَّةِ؛ إمَّا لأنَّهم سُئِلوا عنها على الخُصوصِ، وهل الآيةُ تَشمَلُهم فأجابوا عن السُّؤالِ أو لأنَّ الخَوارِجَ هم أوَّلُ من ابتَدَع في دينِ اللهِ وخرج على جماعةِ المُسلِمين بالسَّيفِ، وكان المقصودُ التَّحذيرَ منهم 916 .
ولقد حَرَص عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه على تحذيرِ النَّاسِ من مَسلَكِ الخَوارِجِ، حتَّى إنَّه لمَّا انتهى من النَّهْرَوانِ جعل يمشي بَينَ القتلى ويقولُ: (بُؤسًا لكم! لقد ضَرَّكم من غَرَّكم! فقال أصحابُه: يا أميرَ المُؤمِنين من غَرَّهم؟ قال: الشَّيطانُ، وأنفُسٌ بالسُّوءِ أمَّارةٌ غَرَّتْهم بالأمانِّي، وزَيَّنَت لهم المعاصيَ، ونبَّأَتْهم أنَّهم ظاهِرون) 917 .
وقد ذُكِر لعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما الخَوارِجُ وما يصيبُهم عِندَ قراءةِ القرآنِ، قال: (يُؤمِنون بمُحكَمِه ويَضِلُّون عن مُتشابِهِهـ)، وقرأ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: 7] 918 .
وفي مرةٍ أُخرى ذُكِر له الخَوارِجُ واجتهادُهم وصلاتُهم، فقال: (ليس هم بأشَدَّ اجتِهادًا من اليهودِ والنَّصارى وهم على ضَلالةٍ) 919 .