1- عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فلَو أنَّ أحَدَكم أنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصيفَه
1522.
وجاءَ في رِوايةٍ بَيانُ سَبَبِ وُرودِ الحَديثِ: قال أبو سَعيدٍ: كانَ بَينَ خالِدِ بنِ الوَليدِ وبَينَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ شَيءٌ فسَبَّهُ خالِدٌ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَسُبُّوا أحَدًا من أصحابي؛ فإنَّ أحَدَكم لو أنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدرَكَ مُدَّ أحَدِهم ولا نَصيفَه
1523.
قال عِياضٌ: (أي: أجرُهم هم مُضاعَفٌ لِمَكانِهِم مِنَ الصُّحبةِ، حَتَّى لا يُوازي إنفاقُ مِثلِ أحُدٍ ذَهَبًا صَدَقةَ أحَدِهم بنِصفِ مُدٍّ، وما بَينَ هَذا التَّقديرِ لا يُحصى.
وهَذا يَقتَضي ما قَدَّمْناهُ من قَولِ جُمهورِ الأمَّةِ من تَفضيلِهِم عَلى مَن سِواهم بتَضعيفِ أجورِهِم، ولِأنَّ إنفاقَهم كانَ في وقتِ الحاجةِ والضَّرورةِ وإقامةِ الأمرِ وبَدءِ الإسلامِ، وإيثارِ النَّفسِ، وقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ، ونَفقةُ غَيرِهِم بَعدَ الِاستِغناءِ عن كثيرٍ مِنها مَعَ سَعةِ الحالِ، وكَثرةِ ذاتِ اليَدِ، ولِأنَّ إنفاقَهم كانَ في نُصرةِ ذاتِ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وحِمايَتِه، وذلك مَعدومٌ بَعدَهُ، وكَذلك جِهادُهم وأعمالُهم كُلُّها، وقَد قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ الآية) 1524.
2- قال ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: (كُنَّا نَخيِّرُ بَينَ النَّاسِ في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنُخَيِّرُ أبا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ ) 1525.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (فضَّلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَماعةً من أصحابِه بفَضائِلَ خَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بفَضيلةٍ وسَمَه بها وذَكرَه فيها، ولَم يَأتِ عنه عليه السَّلامُ أنَّه فضَّلَ مِنهم واحِدًا عَلى صاحِبِه بعَيْنِه من وجهٍ يَصِحُّ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ من فضائِلِهِم ما يُستَدَلُّ به عَلى مَواضِعِهِم ومَنازِلِهِم مِنَ الفَضلِ والدِّينِ والعِلمِ، وكانَ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم أحلَمَ وأكرَمَ مُعاشَرةً، وأعلَمَ بمَحاسِنِ الأخلاقِ من أن يواجِهَ فاضِلًا مِنهم بأنَّ غَيرَهُ أفضَلُ مِنهُ، فيَجِدَ من ذلك في نَفسِه، بَل فضَّل السَّابِقين مِنهم وأهْلَ الِاختِصاصِ به عَلى مَن لم يَنَلْ مَنازِلَهم، فقال لهم: لو أنفَقَ أحَدُكم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصيفَهـ
1526 ، وهذا من معنى قَولِ اللهِ تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: 10] ، ومُحالٌ أن يَستَويَ من قاتَلَه صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم مَعَ من قاتَلَ عنهـ) 1527.