وردت في السُّنَّةِ له فضائِلُ عَديدةٌ؛ منها:

1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: بَينا نَحنُ عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ قال: بَينا أنا نائِمٌ رَأيتُني في الجَنَّةِ، فإذا امرَأةٌ تَتَوَضَّأُ إلى جانِبِ قَصْرٍ، فقُلتُ: لِمَن هَذا القَصْرُ؟ فقالوا: لِعُمَرَ، فذَكَرْتُ غَيرَتَهُ فولَّيتُ مُدْبِرًا. فبَكى عُمَرُ وقال: أعليكَ أغارُ يا رَسولَ اللَّهِ؟! 1661.

قال ابنُ هُبَيرةَ: (في هَذا الحَديثِ مِنَ الفِقْهِ أنَّ الجَنَّةَ مَخلوقةٌ، وأنَّ جَوارِيَها خُلِقْنَ، فهُن يَتَقَلَّبْنَ في النَّعيمِ انتِظارًا لِقُدومِ المُؤْمِنينَ عليهِنَّ. وفيه ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القُصورَ مَعروفةُ الأصحابِ، وأنَّ أهلَ ذلك القَصْرِ يَعرِفونَ صاحِبَ قَصْرِهِم، ألا تَرى إلى قَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فقُلْتُ؛ لِمَن هَذا القَصْرُ؟ يَعني أنَّ القُصورَ مُعَيَّنةٌ لِأصحابِها، فقيلَ لي: لِعُمَرَ. وقَولُه: فأرَدتُ أن أدخُلَهـ، فأرى أنَّه كانَ مُرادُهُ أن يَدخُلَهُ ليَصِفَهُ لِعُمرَ رَضِيَ اللهُ عنه عن مُشاهَدةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ في دُخولِه إيَّاهُ يَرى الحُورَ عَلى تَبَذُّلِهِنَّ في مَساكِنِهِنَّ، فذَكَرَ غَيرةَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه، فرَجَعَ. وأمَّا قَولُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه: «أعليكَ أغارُ؟» أرادَ أنَّ الغَيرةَ إنَّما تَكونُ عَلى مَن يَجوزُ عليه ما لا يَجوزُ عليكَ، وأمَّا أنتَ فلا يُغارُ مِنكَ، فأتى عُمرُ رَضِيَ اللهُ عنه بحُسنِ الأدَبِ، وفَعَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما فَعَل عَلى طَريقِ الِاحتياطِ) 1662.

وقال ابنُ حَجَرٍ: (هَذا وإن كانَ مَنامًا لكِنَّ رُؤيا الأنبياءِ حَقٌّ، ومِن ثَمَّ أعمَلَ حُكمَ غَيرةِ عُمرَ حَتَّى امتَنَعَ من دُخولِ القَصْرِ) 1663.

2- عن عَبْدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: بَينا أنا نائِمٌ إذ رَأيتُ قَدَحًا أُتِيتُ به فيه لبَنٌ، فشَرِبتُ مِنهُ حَتَّى إنِّي لأرى الرِّيَّ يَجري في أظفاري، ثُمَّ أعطيتُ فَضْلي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ. قالوا: فما أوَّلتَ ذلك يا رَسولَ اللَّهِ؟ قال: العِلمُ 1664.

قال ابنُ هُبَيرةَ: (فيه: ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عُمرَ كانَ في جَميعِ أفعالِه موَفَّقًا، وذلك من فضلِ اللهِ، وفَضْلِ سُؤرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الَّذي ناوَلَهُ إيَّاهُ العِلمَ، فأظهَرَهُ في وِلايَتِهـ) 1665.

3- عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: بَينا أنا نائِمٌ رَأيتُ النَّاسَ عُرِضوا عليَّ وعليهِم قُمُصٌ؛ فمِنها ما يَبلُغُ الثُّدِيَّ، ومِنها ما يَبلُغُ دونَ ذلك، وعُرِضَ عليَّ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ وعليه قَميصٌ يَجتَرُّهُ. قالوا: فما أوَّلْتَهُ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قال: الدِّينَ 1666.

قال النَّوَويُّ: (قال أهْلُ العِبارةِ: القَميصُ في النَّومِ مَعناهُ الدِّينُ، وجَرُّه يَدُلُّ عَلى بَقاءِ آثارِه الجَميلةِ وسُنَنِه الحَسنةِ في المُسْلِمينَ بَعدَ وفاتِه ليُقتَدى بهـ) 1667.

4- عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: استَأذَنَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه عَلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعِندَهُ نِسوةٌ من قُرَيشٍ يُكَلِّمْنَهُ ويَستَكثِرْنَهُ عاليةً أصَواتُهنَّ عَلى صَوتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا استَأذَنَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ قُمنَ فبادَرنَ الحِجابَ، فأذِنَ لهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدَخلَ عُمرُ ورسولُ اللهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَضْحَكُ، فقال عُمرُ: أضحَكَ اللهُ سِنَّكَ يا رَسولَ اللَّهِ! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: عَجِبْتُ من هَؤُلاءِ اللَّاتي كُنَّ عِندي، فلَمَّا سَمِعْنَ صَوتَكَ ابتَدرْنَ الحِجابَ!. فقال عُمرُ: فأنتَ أحَقُّ أن يَهَبْنَ يا رَسولَ اللَّهِ! فقال عُمرُ: يا عَدُوَّاتِ أنفُسِهِنَّ، أتَهَبْنَني ولا تَهَبْنَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟! فقُلْنَ: نَعَم، أنتَ أفَظُّ وأغلَظُ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إيهًا يا ابنَ الخَطَّابِ، والَّذي نَفسي بيَدِه ما لَقِيَكَ الشَّيطانُ سالِكًا فجًّا قَطُّ إلَّا سَلَكَ فجًّا غَيرَ فَجِّكَ 1668.

قال ابنُ حَجَرٍ: (فيه فضيلةٌ عَظيمةٌ لِعُمَرَ تَقتَضي أنَّ الشَّيطانَ لا سَبيلَ لهُ عليه، لا أنَّ ذلك يَقتَضي وُجودَ العِصْمةِ؛ إذ ليسَ فيه إلَّا فِرَارُ الشَّيطانِ مِنهُ أن يُشارِكَهُ في طَريقٍ يَسلُكُها، ولا يَمنَعُ ذلك من وسوسَتِه لهُ بحَسَبِ ما تَصِلُ إلَيه قُدرَتُهُ، فإنْ قيلَ: عَدَمُ تَسليطِه عليه بالوَسْوَسةِ يُؤخَذُ بطَريقِ مَفهومِ الموافَقةِ؛ لِأنَّه إذا مُنِعَ مِنَ السُّلوكِ في طَريقٍ فأَولى ألَّا يُلابِسَهُ بحَيثُ يَتَمَكَّنُ من وَسوسَتِه لهُ، فيُمكِنُ أن يَكونَ حُفِظَ مِنَ الشَّيطانِ، ولا يَلزَمُ من ذلك ثُبوتُ العِصْمةِ لهُ؛ لِأنَّها في حَقِّ النَّبيِّ واجِبةٌ، وفي حَقِّ غَيرِه مُمكِنةٌ) 1669.

5- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقَد كانَ فيمَن كانَ قَبلَكم من بَنِي إسرائيَل رِجالٌ يُكلَّمونَ من غَيرِ أن يَكونوا أنبياءَ، فإن يَكُن من أمَّتي مِنهم أحَدٌ فعُمَرُ 1670.

وفي رِوايةٍ: لقَد كانَ فيما قَبلَكم مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثونَ، فإنْ يَكُ في أمَّتي أحَدٌ، فإنَّهُ عُمَرُ 1671.

قال الخَطَّابي: (المُحَدَّثُ المُلْهَمُ يُلقى الشَّيءُ في رُوعِه، فكَأنَّه قَد حُدِّثَ به، يَظُنُّ فيُصيبُ، ويَخطُرُ الشَّيءُ ببالِه فيَكونُ كذلك، وهوَ مَنزِلةٌ جَليلةٌ من مَنازِلِ الأولياءِ، ومَرْتَبةٌ عَظيمةٌ من مَراتِبِ الأصفياءِ) 1672.

وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: مُحدَّثونَ بفَتحِ الدَّالِ، جَمعُ مُحدَّثٍ، واختُلِفَ في تَأويلِه؛ فقيل: مُلْهَمٌ، قالهُ الأكثَرُ، قالوا: المُحدَّثُ بالفَتحِ: هو الرَّجُلُ الصَّادِقُ الظَّنِّ، وهوَ من أُلقِيَ في رُوعِه شَيءٌ مِن قِبَلِ المَلأِ الأعلى، فيَكونُ كالَّذي حَدَّثَهُ غَيرُهُ به، وبِهَذا جَزمَ أبو أحمَدَ العَسكَريُّ، وقيلَ: مَن يَجري الصَّوابُ عَلى لِسانِه من غَيرِ قَصدٍ، وقيلَ: مُكَلَّمٌ، أي: تُكَلِّمُهُ المَلائِكةُ بغَيرِ نُبُوَّةٍ... وعِندَ مُسْلِمٍ من رِوايةِ ابنِ وهَبٍ: مُلهَمونَ 1673 وهيَ الإصابةُ بغَيرِ نُبُوَّةٍ... قيل: الحِكْمةُ فيه أنَّ وُجودَهم في بني إسرائيلَ كانَ قَد تَحَقَّقَ وُقوعُهُ، وسَبَبُ ذلك احتياجُهم حَيثُ لا يَكونُ حينَئِذٍ فيهِم نبيٌّ، واحتمَل عِندَهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ألَّا تَحتاجَ هَذِه الأمَّةُ إلى ذلك لِاستِغنائِها بالقُرآنِ عن حُدوثِ نَبيٍّ، وقَد وقَعَ الأمرُ كذلك حَتَّى إنَّ المُحدَّثَ مِنهم إذا تَحَقَّقَ وُجودُهُ لا يُحكَمُ بما وقَعَ لهُ، بَل لا بُدَّ لهُ من عَرْضِه عَلى القُرآنِ، فإنْ وافَقَهُ أو وافَقَ السُّنَّةَ عَمِلَ به وإلَّا تَركَهُ، وهَذا وإن جازَ أن يَقَعَ لكِنَّهُ نادِرٌ مِمَّن يَكونُ أمرُهُ مِنهم مَبنيًّا عَلى اتِّباعِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَمَحَّضَتِ الحِكمةُ في وُجودِهِم وكَثرَتِهِم بَعدَ العَصرِ الأوَّلِ في زيادةِ شَرفِ هَذِه الأمَّةِ بوُجودِ أمثالِهِم فيه، وقَد تَكونُ الحِكْمةُ في تَكثيرِهِم مُضاهاةَ بني إسرائيلَ في كثرةِ الأنبياءِ فيهِم، فلمَّا فاتَ هَذِه الأمَّةَ كثرةُ الأنبياءِ فيها لِكَونِ نَبيِّها خاتَمَ الأنبياءِ، عُوِّضوا بكَثرةِ المُلْهَمينَ) 1674.

6- عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال عُمرُ رَضِيَ اللهُ عنه: (وافَقْتُ اللهَ في ثَلاثٍ -أو وافَقَني اللهُ في ثَلاثٍ- قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ لوِ اتَّخَذْتَ من مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى، فأنزَلَ اللهُ تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125] ، وقُلْتُ: يا رَسولَ اللهِ يَدخُلُ عليكَ البَرُّ والفاجِرُ، فلَو أمرْتَ أمَّهاتِ المُؤمِنينَ بالحِجابِ، فأنزَلَ اللهُ آيةَ الحِجابِ، قال: وبَلَغَني مُعاتَبةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعضَ نِسائِه، فدَخَلْتُ عليهِنَّ، قُلْتُ: إنِ انتَهَيتُنَّ أو ليُبَدِّلَنَّ اللهُ رَسولَهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيرًا مِنكُنَّ، حَتَّى أتتْ إحدى نِسائِه قالت: يا عُمَرُ، ما في رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أنتَ ؟! فأنزَلَ اللهُ تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ [التحريم: 5] ) 1675.

قال زَكريَّا الأنصاريُّ: («في ثَلاثٍ» أي: مِنَ القِضايا، قالهُ قَبلَ الموافَقةِ في غَيرِها، أوِ التَّخصيصُ بالعَدَدِ لا يُنافي الزَّائِدَ، وإلَّا فقَد وافَقَ رَبَّهُ في أزيْدَ مِنها؛ كمَنعِ الصَّلاةِ عَلى المُنافِقينَ، وقِصَّةِ أُسارى بَدْرٍ) 1676.

7- عن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: وُضِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَلى سَريرِه، فتَكنَّفَهُ النَّاسُ يَدعونَ ويُثنونَ ويُصَلُّونَ عليه قَبلَ أن يُرفَعَ، وأنا فيهِم. قال: فلَم يَرُعْني إلَّا برَجُلٍ قَد أخَذَ بمَنْكِبي من وَرائي، فالتَفَتُّ إلَيه فإذا هو عَليٌّ، فتَرحَّمَ عَلى عُمَرَ وقال: ما خَلَّفْتُ أحَدًا أحَبَّ إلَيَّ أن ألقى اللهَ بمِثلِ عَمَلِه مِنكَ! وأيمُ اللهِ إن كُنتُ لأظُنُّ أن يَجعَلَكَ اللهُ مَعَ صاحِبَيكَ، وذاكَ أنِّي كُنتُ أُكَثِّرُ أسمَعُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: جِئْتُ أنا وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ، ودَخَلْتُ أنا وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ، وخَرَجْتُ أنا وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ. فإن كُنتُ لأرجو -أو لأظُنُّ- أن يَجعلَكَ اللهُ مَعَهما 1677.

قال ابنُ هُبَيرةَ: (في هَذا الحَديثِ دَليلٌ عَلى أنَّ عَلِيًّا لم يَرْضَ ولَم يَتَمَنَّ أن يَكونَ لهُ مِثلُ عَمَلِ أَحَدٍ بَعدَ عُمَرَ. وفيه مِنَ الفِقْهِ شَهادةُ عَليٍّ لهُ ولِأبي بَكْرٍ مَعًا بصُحبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لقَولِه: «مَعَ صاحِبَيكَ» وهَذا أمرٌ قَد كانَ من عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه عَلى سَبيلِ النُّطقِ بالمَعروفِ المَعهودِ بَينَ الصَّحابةِ من أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمرَ صاحِبا رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكَذلك قَولُه: ذَهَبْتُ أنا وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ، ودَخَلْتُ أنا وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ 1678.