من المواقِفِ التي سلَكها الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم تجاهَ الخَوارِجِ قِتالُهم، وذلك بَعدَ استفراغِ الوُسعِ في إصلاحِهم وإعادتِهم إلى رُشدِهم؛ فإنَّ القلوبَ إذا انغَلَقَت عن سماعِ صوتِ الحَقِّ، وحُجِبَت العقولُ عن الحوارِ والمناقشةِ لم يَبْقَ إلَّا القوَّةُ لرَدِّ بَغْيِهم؛ لذلك قال عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه للخَوارِج: (ولا نُقاتِلُكم حتَّى تبدَؤُونا) 935 .

والخَوارِجِ لَمَّا شَرَعوا بقَتلِ المُسلِمين وسَفكِ دماءِ الأبرياءِ، كان لا بُدَّ مِن حِفظِ أمنِ البلادِ، وإقامةِ حُدودِ اللهِ، فسار عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه والصَّحابةُ الفُضَلاءُ معه لقتالِ الخَوارِجِ.

وقد ورَدَت نصوصٌ نَبَويَّةٌ عديدةٌ، تحُضُّ على قتالِ الخَوارِجِ، ومنها قولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَئِنْ أدرَكْتُهم لأقتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ 936 .

ومنها: قِتالُهم حَقٌّ على كُلِّ مُسلِمٍ 937 .

وبَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أجْرَ من قاتَلَهم فقال: فأينما لَقِيتُموهم فاقتُلوهم؛ فإنَّ قَتْلَهم أجرٌ لِمن قَتَلهم يومَ القيامةِ 938 .

كما أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أشار إلى أنَّ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه سيلي هذا الأمرَ، فقال عَليُّ بنُ أبي طالبٍ: إنِّي دخلتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعنده عائشةُ، فقال: كيف أنت وقومُ كذا وكذا 939 ؟ فقُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلم. قال: ثُمَّ أشار بيَدِه، فقال: قومٌ يَخرُجون من قِبَلِ المَشرِقِ يَقرَؤون القرآنَ لا يجاوِزُ تراقِيَهم... الحديث 940 .

وقد وردت النُّصوصُ صريحةً في وجوبِ قِتالِ الخَوارِجِ. واتَّفَقت كَلِمةُ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم على قِتالِهم، وقاتَلَهم عَليُّ بنُ أبي طالبٍ وجمعٌ من الصَّحابةِ. وكان عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ يرى أنَّ قِتالَ الحَروريَّةِ حَقٌّ واجبٌ على المُسلِمين 941 .

وقد قال رَضيَ اللهُ عنه: (ما آسى من الدُّنيا إلَّا على ثلاثٍ: ظَمَأِ الهواجِرِ، ومُكابَدةِ اللَّيلِ، وألَّا أكونَ قاتَلْتُ هذه الفئةَ الباغيةَ التي حَلَّت بنا) 942 .

وقال مُعاويةُ بنُ قُرَّةَ: (خرج مُحكِّمٌ في زمانِ أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فخَرَج عليه بالسَّيفِ رَهطٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ منهم عائِذُ بنُ عُمَرَ) 943 .

وقال الأزرَقُ بنُ قَيسٍ: (كنَّا بالأهوازِ نقاتِلُ الخَوارِجَ، وفينا أبو بَرْزةَ الأسلَميُّ رَضيَ اللهُ عنهـ) 944 .

وكذلك قاتَلَهم معاويةُ بنُ أبي سفيانُ، والمغيرةُ بنُ شُعبةَ 945 .

ولَمَّا عَزَم عَليُّ بنُ أبي طالبٍ على قتالِ الخَوارِجِ وأراد السَّيرَ إليهم بَيَّنَ للمُسلِمين مُبَرِّراتِ قِتالِهم، وأعلَمَهم بحُكمِ هذا القتالِ ووُجوبِه، وبَشَّرهم بالأجرِ الجزيلِ لِمن يقاتِلُ الخَوارِجَ، كما ورد عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أيُّها النَّاسُ إنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: يخرُجُ قومٌ من أمَّتي يَقرَؤون القرآنَ ليس قِراءتُكم إلى قراءتِهم بشيءٍ، ولا صلاتُكم إلى صلاتِهم بشيءٍ، ولا صيامُكم إلى صيامِهم بشيءٍ. يَقرَؤون القرآنَ يَحسَبون أنَّه لهم وهو عليهم، لا تجاوِزُ صلاتُهم تراقيَهم، يَمرُقون من الإسلامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّميَّةِ 946 لو يعلَمُ الجيشُ الذي يصيبونَهم ما قُضيَ لهم على لسانِ نبيِّهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لاتَّكَلوا عن العَمَلِ. وآيةُ ذلك أنَّ فيهم رجلًا له عَضُدٌ وليس له ذراعٌ، على رأس عَضُدِه مِثلُ حَلَمةِ الثَّديِ عليه شَعَراتٌ بِيضٌ، فتَذهَبون إلى معاويةَ وأهلِ الشَّامِ 947 وتَترُكون هؤلاء يَخلُفونَكم في ذَراريِّكم وأموالِكم؟ واللهِ إنِّي لأرجو أن يكونوا هؤلاء القومَ؛ فإنَّهم قد سَفَكوا الدَّمَ الحرامَ، وأغاروا في سَرحِ النَّاسِ، فسِيروا على اسمِ اللهِ.

قال زيدُ بنُ وَهبٍ الجُهَنيُّ، وكان في الجيشِ الذي كان مع عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه لقتالِ الخَوارِجِ: مرَرْنا على قَنطَرةٍ 948 ، فلمَّا التَقَيا وعلى الخَوارِجِ يومَئذٍ عبدُ اللهِ بنُ وَهبٍ الرَّاسبيُّ، قال لهم: ألقوا الرِّماحَ وسُلُّوا سُيوفَكم من جُفونِها؛ فإنِّي أخافُ أن يُناشِدوكم كما ناشَدوكم يومَ حَروراءَ. فرَجَعوا فوَحَّشوا برِماحِهم 949 ، وسَلُّوا السُّيوفَ، وشَجَرهم النَّاسُ برماحِهم 950 . وقُتِل بعضُهم على بعضٍ، وما أصيبَ من النَّاسِ يومَئذٍ إلَّا رجُلانِ يعني من فريقِ عَليٍّ فقال عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه: (التَمِسوا منهم المُخْدَجَ، فالتَمَسوه فلم يجِدوه. فقام عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه بنفسِه حتَّى أتى ناسًا قد قُتِل بعضُهم على بعضٍ، قال: أخِّروه، فوَجَدوه ممَّا يلي الأرضَ. فكَبَّرَ ثُمَّ قال: صَدَق اللهُ وبَلَّغ رسولُه...) الحديث 951 .

فالصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم بَيَّنوا للنَّاسِ مُبَرِّراتِ قِتالِهم للخَوارِجِ، وشَجَّعوهم على ذلك، وبَيَّنوا الأجرَ العظيمَ في قتالِهم. بل إنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ رَضيَ اللهُ عنهما كان يُجزِلُ العطايا من الأموالِ لِمَن يقاتِلُهم 952 .

أمَّا عن سُنَّةِ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم في قتالِهم الخَوارِجَ فتتَّضِحُ من خلالِ ما فعله عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه والصَّحابةُ معه حينما قاتلوهم في النَّهْرَوانِ.

ويمكِنُ تلخيصُ شَيءٍ منها في الآتي:

1- أنَّ الخَوارِجَ لا يُبدَؤون بقتالٍ، ولا يُعتَدى عليهم بالقتلِ ما داموا فقط يَرَونَ رأيَ الخَوارِجِ، ولا يُقاتَلون حتَّى يَقتُلوا المُسلِمين أو يَقطَعوا السَّبيلَ، حينَها يجِبُ على وليِّ الأمرِ رَدْعُهم وقِتالُهم 953 .

2- يجِبُ إقامةُ الحُجَّةِ عليهم، وتقديمُ النُّصحِ لهم، ووَعْظُهم قَبلَ بَدئِهم بالقِتالِ 954 .

فلا يجوزُ قِتالُ الخَوارِجِ وقَتْلُهم إلَّا بَعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليهم بدعائِهم إلى الرُّجوعِ إلى الحَقِّ، والإعذارِ إليهم 955 .

3- إعطاءُ الأمانِ لِمن يستسلِمُ ويرجِعُ عن باطِلِه وضلالِه، ولم يتعَرَّضْ لقَتلِ المُسلِمين.

4- لا يُجهَزُ على جريحِهم، ولا يُتبَعُ مُدبِرُهم -إلَّا إن كان فارًّا يتقوَّى؛ فإنَّهم يُطارَدون لتُستأصَلَ فُلولُهم، وتُقهَرَ قُوَّتُهم، وتُكسَرَ شَوكتُهم 956 - ولا يُسبَى منهم سَبيٌ؛ إذ لم يعامِلْهم عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه معاملةَ الكُفَّارِ المُرتَدِّين، ولم يعامِلْهم معاملةَ أهلِ البغيِ كأهلِ الجَمَلِ وصِفِّينَ، بل جعَلَهم قِسمًا ثالثًا 957 ؛ لذلك أخَذَ ما كان في ساحةِ المَعركةِ من سلاحٍ وكُراعٍ وقَسَّمه بَينَ أصحابِه، وهذا لم يفعَلْه مع أهلِ الجَمَلِ. كما أنَّه لم يأخُذْ كُلَّ أموالِ الخَوارِجِ كالكُفَّارِ المُرتَدِّين، بل أخَذ ما كان في ساحةِ المعركةِ 958 .

5- الاستمرارُ في قتالِ الخَوارِجِ ما قاتلوا وأفسَدوا وخَرَجوا على المُسلِمين بالسَّيفِ، ولا يُكَفُّ عنهم حتَّى يَكُفُّوا عن المُسلِمين.

فعَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه بَعدَ النَّهْرَوانِ خرج عليه جماعاتٌ من الخَوارِجِ فقاتَلَهم، وكذلك فَعَل معاويةُ رَضيَ اللهُ عنه 959 .

مسألةٌ: حُكمُ قَتلِ الواحِدِ المقدورِ عليه إن كان على رأيِ الخَوارِجِ

يختَلِفُ حُكمُ قَتلِ المقدورِ عليه باختلافِ حالِه، ولوَليِّ الأمرِ أن يتعامَلَ معه حَسَبَ خَطَرِه، وحَسَبَ مَصلحةِ المُسلِمين؛ فله حَبْسُه، أو قَتْلُه، أو تخليةُ سبيلِه.

قال ابنُ تيميَّةَ: (فأمَّا قَتلُ الواحِدِ المقدورِ عليه من الخَوارِجِ، كالحَروريَّةِ والرَّافضةِ ونحوِهم، فهذا فيه قولانِ للفُقَهاءِ، هما روايتانِ عن الإمامِ أحمدَ، والصَّحيحُ أنَّه يجوزُ قَتلُ الواحِدِ منهم، كالدَّاعيةِ إلى مَذهَبِه ونحوِ ذلك ممَّن فيه فسادٌ... فإذا لم يندفِعْ فَسادُهم إلَّا بالقَتلِ قُتِلوا، ولا يجِبُ قَتلُ كُلِّ واحدٍ منهم إذا لم يُظهِرْ هذا القولَ، أو كان في قَتلِه مَفسَدةٌ راجِحةٌ) 960 .

مسألةٌ: الخارِجيُّ إذا تاب وأراد الرُّجوعَ إلى الحَقِّ، فما الحُكمُ فيما سَفَك من دَمٍ أو سَلَب من مالٍ؟

سُئِل أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ عن ذلك، فقال: (هاجت الفِتنةُ وأصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتوافِرون، فرَأَوا أن يُهدَرَ كُلُّ دَمٍ أصيبَ على تأويلِ القُرآنِ. قيل له: مِثلُ الحَروريَّةِ؟ قال: نعم، قال: فأمَّا قاطِعُ طَريقٍ فلا) 961 . واستثنى من ذلك أن يُوجَدَ المالُ قائِمًا بعينِه؛ فإنَّه يعادُ إلى أصحابِه 962 .