تقدَّم أنَّ الهَجْرَ من العقوباتِ والزَّواجِرِ لأهلِ البِدَعِ، ولكِنَّ هذا الهَجرَ لا يتنافى مع الإجابةِ عن أسئِلَتِهم إن هم سألوا، أو بيانِ وتوضيحِ مُشكِلةٍ إن هم استَفهَموا، فإن جاؤوا طالِبين للعِلمِ، مُستَفهِمين لا مُعانِدين مخاصِمين، فإنَّهم يُجابُون ولا يُصَدُّون، والذي يتولَّى إجابتَهم ومُناقشَتَهم هو العالِمُ العارِفُ لا الجاهِلُ العامِّيُّ.

فقد كتب نَجْدةُ الحَروريُّ إلى عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما يسألُه عن خَمسِ خِلالٍ، فقال: ابنُ عبَّاسٍ: (لولا أنَّ أكتُمَ عِلمًا ما كتَبتُ إليه. كتَبَ إليه نَجْدةُ: أمَّا بعدُ، فأخبِرْني هل كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يغزو بالنِّساءِ؟ وهل كان يَضرِبُ لهنَّ بسَهمٍ؟ وهل كان يقتُلُ الصِّبيانَ؟ ومتى ينقضي يُتمُ اليتيمِ؟ وعن الخُمُسِ لِمَن هو؟ فكتَب إليه ابنُ عبَّاسٍ: كتبتَ تسألُني هل كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يغزو بالنِّساءِ؟ وقد كان يغزو بهِنَّ فيُداوين الجَرحى ويُحْذَينَ 924 من الغنيمةِ. وأمَّا بسَهمٍ فلم يَضرِبْ لهُنَّ. وإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يكُنْ يَقتُلُ الصِّبيانَ، فلا تَقتُلِ الصِّبيانَ. وكَتَبْتَ تسألُني: متى ينقضي يُتمُ اليتيمِ؟ فلعَمْري إنَّ الرَّجُلَ لَتنبُتُ لحيتُه وإنَّه لضعيفُ الأخذِ لنَفسِه، ضعيفُ العطاءِ منها، فإذا أخَذ لنفسِه مِن صالحِ ما يأخُذُ النَّاسُ، فقد ذهب عنه اليُتمُ. وكَتبتَ تَسألُني عن الخُمُسِ لِمن هو؟ وإنَّا كُنَّا نقولُ: هو لنا. فأبى علينا قَومُنا ذاك ) 925 .

والمُلاحَظُ في هذه المكاتَبةِ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أراد أن يستَغِلَّ الفُرصةَ لِينهى نَجْدةَ عن بَعضِ بِدَعِه، ويُنَبِّهَه إلى الشُّبَهِ التي تحولُ بينه وبَينَ الحَقِّ.

فلمَّا سأله نَجْدةُ عن قَتلِ الصِّبيانِ بَيَّنَ له أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يكُنْ يَقتُلُ الصِّبيانَ، ولعِلمِ ابنِ عبَّاسٍ بمنهَجِ الخَوارِجِ في الاستدلالِ واتِّباعِهم للمُتشابِهِ من النُّصوصِ، أخبرَه أنَّ قَتْلَ الخَضِرِ للصَّبيِّ الذي قد يَستَدِلُّون له على جوازِ قَتلِ الصِّبيانِ ويُعارِضون به فِعلَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه كان عن عِلمٍ من اللهِ، وليس أمرًا عامًّا، فإنْ كُنتَ تَعلَمُ عِلمَه فافعَلْ فِعْلَه، وإنْ كُنتَ لا تعلَمُ عِلمَه -وأنت لا تَعلَمُ- فلا تقتُلِ الصِّبيانَ 926 .

ثمَّ لَمَّا سأله عن الخُمُسِ، قال: هو لنا، ثُمَّ زاد في الإجابةِ، وقال: فأبى قومُنا علينا ذلك فصَبَرْنا عليه، أي: مع عِلْمِنا أنَّ الخُمُسَ لنا، وأنَّ قَومَنا منعونا منه وخالفوا نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ، إلَّا أنَّنا لم نُكَفِّرْهم ولم نتبَرَّأْ منهم، فما زالوا قومَنا، ولم يدفَعْنا ذلك للخُروجِ عليهم بالسَّيفِ بل صبَرْنا على ذلك، وهذا هو المنهَجُ؛ الصَّبرُ على جَورِ الوُلاةِ، وعَدَمُ الخُروجِ عليهم بالسَّيفِ كما تفعَلُ الخَوارِجُ.

ومن أسئلةِ الخَوارِجِ للصَّحابةِ سؤالاتُ نافِعِ بنِ الأزرَقِ لعَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، فسأله عِدَّةَ أسئلةٍ، وكان ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما يجيبُ 927 .

بل إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ بادَر إلى مُكاتبةِ نَجْدةَ الحَروريِّ لَمَّا كانت المصلحةُ مُقتَضيةً لذلك، فإنَّ نَجْدةَ مَنعَ الميِرةَ عن الحَرَمينِ، فكَتَب إليه ابنُ عبَّاسٍ ينهاه عن ذلك، ويقولُ: إنَّ ثُمامةَ بنَ أُثالٍ لَمَّا أسلم قَطَع المِيرةَ عن مكَّةَ وهم مُشرِكون، فكتب إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بألَّا يمنَعَهم المِيرةَ، فخَلَّاها لهم 928 ، وإنَّك قطَعْتَ الميرةَ ونحن مُسلِمون، فخَلَّاها لهم نَجْدةُ 929 .