اختلف العُلَماءُ في التَّعريفِ الاصطِلاحيِّ للخَوارِجِ:
1- منهم من عرَّفهم تعريفًا سياسيًّا عامًّا: فاعتبر الخروجَ على الإمامِ المتَّفَقِ على إمامتِه الشَّرعيَّةِ خُروجًا في أيِّ زمنٍ كان.
قال الشَّهْرَسْتانيُّ: (كُلُّ من خرج على الإمامِ الحَقِّ الذي اتَّفقت الجماعةُ عليه يُسَمَّى خارِجيًّا، سواءٌ كان الخروجُ في أيَّامِ الصَّحابةِ على الأئمَّةِ الرَّاشِدين، أو كان بَعدَهم على التَّابِعين لهم بإحسانٍ، والأئمَّةِ في كُلِّ زمانٍ) 8 .
2- منهم من خصَّهم بالذين خرَجوا على عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه:
قال الأشعَريُّ: (السَّبَبُ الذي سُمُّوا له خَوارِجَ خروجُهم على عليِّ بنِ أبي طالبٍ) 9 .
3- بَيَّن ابنُ حزمٍ أنَّ اسمَ الخارِجيِّ يَلحَقُ كُلَّ من أشبه الخارِجين على عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، أو شاركهم في آرائِهم في أيِّ زمنٍ 10 .
4- عرَّفهم بعضُ عُلَماءِ الإباضيَّةِ بأنَّهم: طوائِفُ من النَّاسِ في زمَنِ التَّابِعين وتابِعِ التَّابِعين، أوَّلُهم نافِعُ بنُ الأزرَقِ 11 .
وهذا التَّعريفُ لأبي إسحاقَ أطَّفَيِّشَ 12 يريدُ منه أنْ لا علاقةَ بَينَ الـمُحَكِّمةِ الأولى -الذين لا يعتَبِرُهم خَوارِجَ؛ لشرعيَّةِ خُروجِهم كما يزعُمُ- وبَينَ مَن بَعدَهم إلى قيامِ نافعٍ سَنةَ 64هـ. وهذا التَّعريفُ غيرُ مقبولٍ حتَّى عِندَ بعضِ عُلَماءِ الإباضيَّةِ.
والتَّعريفُ الثَّاني مشى عليه بعضُ عُلَماءِ الفِرَقِ في تعريفِهم بفرقةِ الخَوارِجِ، وقيامِ حركتِهم ابتداءً من خروجِهم في النَّهْرَوانِ، وهو ما يتَّفِقُ أيضًا مع مفهومِ الخَوارِجِ كطائفةٍ ذاتِ أفكارٍ وآراءٍ اعتقاديَّةٍ أحدَثت في التَّاريخِ الإسلاميِّ آثارًا كبيرةً.
إذًا الخَوارِجُ بتعريفٍ عامٍّ: (كُلُّ من خرج على الإمامِ، وعلى الجماعةِ المُسلِمةِ بالسَّيفِ للدُّعاءِ إلى مُعتَقَدِه، وكان خروجُه نابعًا من مخالَفةِ الأصولِ في الشَّريعةِ)، فهذا التَّعريفُ أقربُ لتعريفِ الخَوارِجِ كفرقةٍ من الفِرَقِ، أمَّا من خرج لغيرِ ذلك ممَّا تقدَّم فيُطلَقُ عليهم اسمُ الخُروجِ العامِّ، ويُطلَقُ عليهم خَوارِجُ كحُكمٍ شَرعيٍّ، وصِفةٍ لفِعلِهم.
5- يُعرِّفُ بعضُ المُعاصِرين الخَوارِجَ كفِرقةٍ من الفِرَقِ بأنَّهم: (الذين يُكَفِّرون بالمعاصي، ويخرُجون على أئمَّةِ المُسلِمين وجماعتِهم) 13 :
وهذا التَّعريفُ عامٌّ، وإن كان أخصَّ ممَّا ذكره الشَّهْرَسْتانيُّ، إلَّا أنَّه يشمَلُ كُلَّ من سار على هذا المنهَجِ، وإن تسمَّى باسمٍ آخَرَ غيرِ الخَوارِجِ، أو انتمى إلى فِرقةٍ أخرى؛ إذ كُلُّ من خرج على إمامِ المُسلِمين وجماعتِهم بالسَّيفِ، وكان الدَّافِعُ لهذا الخروجِ عقيدةً يعتقِدُها من تكفيرِ المخالِفين أو بدعةٍ يدعو إليها؛ يُسَمَّى خارِجيًّا، ويُعتَبرون خَوارِجَ، ويَلحَقُهم الذَّمُّ الواردُ في النُّصوصِ 14 ؛ لذلك يُطلَقُ على بعضِ فِرَقِ الرَّافضةِ خَوارِجُ مارقةٌ، بهذا المعنى 15 ، إلَّا أنَّ الفيصلَ بَينَهما هو القولُ في عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فالخَوارِجُ الحَروريَّةُ تُكَفِّرُه، والرَّافضةُ تتولَّاه؛ لذا إذا أرَدْنا أن نُعرِّفَ الخَوارِجَ الحَروريَّةَ بتعريفٍ خاصٍّ بهم كفِرقةٍ من الفِرَقِ، لا كحُكمٍ شَرعيٍّ فيهم أو تعريفٍ عامٍّ لهم، نقولُ: هم كُلُّ من كفَّر عليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وعثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، وأصحابَ الجَمَلِ، ومَن رَضِي بالتَّحكيمِ، وهم الذين يُكَفِّرون بالمعاصي 16 ، ويَرَون الخروجَ على إمامِ المُسلِمين وجماعتِهم، ويتوَلَّون فِرقةَ المحَكِّمةِ الأولى 17 .
فالخَوارِجُ هم من خرَج على أئمَّةِ المُسلِمين الشَّرعيِّين وجماعتِهم، ومن يُكَفِّرُ مُرتَكِبَ الكبيرةِ.