لقد أقدَم كثيرٌ من الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم على وَعظِ ونُصحِ الخَوارِجِ في أكثَرَ من موطِنٍ، ومن ذلك أنَّ عَليًّا رَضيَ اللهُ عنه أتاه رجلانِ من الخَوارِجِ، هما زُرعةُ بنُ البُرجِ الطَّائيُّ، وحُرقوصُ بنُ زُهَيرٍ السَّعديُّ، وأنكروا عليه أمرَ الحكومةِ، وطَلَبوا منه أن يتوبَ. وقال له زُرعةُ: أمَا واللهِ يا عليُّ لئِنْ لم تَدَعْ تحكيمَ الرِّجالِ في كتابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ قاتَلْتُك، أطلُبُ بذلك وَجهَ اللهِ ورِضوانَه! فقال له عليٌّ: بؤسًا لك! ما أشقاك! كأنِّي بك قتيلًا تَسْفي عليك الرِّيحُ، قال: وَدِدْتُ أنْ قد كان ذلك، فقال له عليٌّ: لو كنتَ مُحِقًّا كان في الموتِ على الحَقِّ تعزيةٌ عن الدُّنيا، إنَّ الشَّيطانَ قد استهواكم، فاتَّقوا اللهَ عزَّ وجَلَّ، إنَّه لا خيرَ لكم في دنيا تُقاتِلون عليها. فخَرَجا من عِندِه يَحكُمانِ 902 .

وقد استمَرَّ نُصحُ الصَّحابةِ للخَوارِج ووعظُهم لهم حتَّى لَمَّا شارَفوا على القتالِ في النَّهْرَوانِ واصطَفُّوا؛ إذ تقدَّمَ لهم قيسُ بنُ سَعدِ بنِ عُبادةَ فوعَظَهم فيما ارتَكَبوه من الأمرِ العظيمِ والخَطْبِ الجَسيمِ فلم ينفَعْ 903 .

وكذلك أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ أنَّبَهم ووبَّخَهم ووعَظَهم 904 ، وتقدَّم أميرُ المُؤمِنين عَليُّ بنُ أبي طالبٍ إليهم وخطَبَهم ووعَظَهم، وخوَّفَهم وأنذَرَهم، وتوعَّدَهم وحَذَّرهم 905 .

إنَّ هذا الوَعظَ والنُّصحَ قد أثَّر في جماعةٍ من الخَوارِجِ، وذلك أنَّ عَليًّا لَمَّا رفع رايةَ الأمانِ مع أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ رَضيَ اللهُ عنه انضَمَّ إليها جماعةٌ من الخَوارِجِ، وانصرف آخَرون إلى الكوفةِ، وإن كان ظاهِرُ الأمرِ هو عَدَمَ تفاعُلِهم مع هذه المواعِظِ إلَّا أنَّها تَظَلُّ مُؤَثِّرةً في جماعةٍ.