من الإيمانِ بالغيبِ: الإيمانُ بالملائكةِ عليهم السَّلامُ، والإيمانُ بالجِنِّ.

والإيمانُ بالملائكةِ هو الإقرارُ الجازمُ بوجودِهم، وأنَّهمْ مِن خَلْقِ اللهِ تعالى، وأنَّهم عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 26- 27] ، وأنَّهم لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] . والإيمانُ بمن ورد ذِكرُهم في القُرآنِ والسُّنَّةِ على وَجهِ التفصيلِ، كما يجِبُ الإيمانُ بصِفاتِهم الخَلْقِيَّةِ والخُلُقيَّةِ، والأعمالِ التي يقومون بها؛ قال ابنُ جريرٍ في تفسيرِ قَولِه تعالى: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ: (يقولُ: ما الملائكةُ كما وصفهم به هؤلاء الكافِرون من بني آدَمَ، ولكِنَّهم عِبادٌ مُكرَمون، يقولُ: أكرَمَهم اللهُ... وقولُه: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ يقولُ جَلَّ ثناؤه: لا يتكَلَّمون إلَّا بما يأمُرُهم به رَبُّهم، ولا يَعمَلون عملًا إلَّا بهـ) 2387.

وقال ابنُ جريرٍ في تفسيرِ قَولِه تعالى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ يقولُ: لا يخالِفون اللهَ في أمْرِه الذي يأمُرُهم به وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون يقوُل: ويَنتَهون إلى ما يأمُرُهم به رَبُّهم) 2388.

والإيمانُ بالملائكةِ ركنٌ من أركانِ الإيمانِ، فلا يتحَقَّقُ إيمانُ عبدٍ حتى يؤمِنَ بهم.

قال ابنُ أبي العِزِّ: (الإيمانُ بالملائكةِ أحَدُ الأُصولِ الخَمسةِ التي هي أركانُ الإيمانِ) 2389.

وقال محمَّد رشيد رضا: (إنَّ الإيمانَ بالملائكةِ أصلٌ للإيمانِ بالوَحيِ،... ولذلك قَدَّم ذِكرَ الملائكةِ على ذِكرِ الكِتابِ والنبيِّين، فهم الذين يُؤتُون النبيِّين الكِتابَ... فيَلزَمُ من إنكارِ الملائكةِ إنكارُ الوَحيِ والنبُوَّةِ وإنكارُ الأرواحِ، وذلك يستلزِمُ إنكارَ اليومِ الآخِرِ) 2390.

وقال السَّعديُّ: (الإيمانُ بالملائكةِ أحدُ أُصولِ الإيمانِ، ولا يتِمُّ الإيمانُ باللهِ وكُتُبِه ورُسُلِه إلَّا بالإيمانِ بالملائكةِ) 2391.

كما يجِبُ الإيمانُ بوجودِ الجِنِّ، وأنَّهم خَلقٌ من خَلقِ اللهِ تعالى، وأنَّهم أحياءٌ عُقَلاءُ، ومأمورون ومَنهيُّون 2392.

وإنَّ لهذا الإيمانِ ما يناقِضُه من الأقوالِ، كإنكارِ وُجودِ الملائكةِ أو الجِنِّ، أو سَبِّ الملائكةِ والاستهزاءِ بهم، ووجهُ كونِ تلك الأقوالِ مناقِضةً لهذا الإيمانِ ما يلي:

1- أنَّ إنكارَ وُجودِ الملائكةِ أو الجِنِّ 2393 هو تكذيبٌ وجحودٌ للأدِلَّةِ الصَّحيحةِ الصَّريحةِ من الكِتابِ والسُّنَّة؛ فقد تواترت نصوصُ القُرآنِ الكريمِ والسُّنَّة النبويَّة في الحديثِ عن الملائكةِ والجِنِّ، ومِن ثَمَّ فإنَّ وجودَ الملائكةِ والجِنِّ أمرٌ متواترٌ ومعلومٌ بالاضطرارِ من دينِ الإسلامِ.

ففي شأن الملائكةِ عليهم السَّلام قال الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 286] .

وقال اللهُ سُبحانَه: وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 136] .

قال الأَلُوسيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ: (أي: بشيءٍ من ذلك فإنَّ الحُكمَ المتعَلِّقَ بالأمورِ المتعاطِفةِ بالواوِ... قد يرجِعُ إلى كُلِّ واحدٍ، وقد يرجِعُ إلى المجموعِ، والتعويلُ على القرائِنِ، وهاهنا قد دَلَّت القرينةُ على الأوَّلِ؛ لأنَّ الإيمانَ بالكُلِّ واجبٌ، والكُلُّ ينتفي بانتفاءِ البَعضِ) 2394.

وأمَّا الجِنُّ فقد أفاض القُرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النبويَّةُ في الحديثِ عن الجِنِّ وأحوالهم، وانفرَدَت سورةٌ كامِلةٌ في الحديثِ عن نَفَرٍ مِن الجِنِّ استَمَعوا للقُرآنِ مـن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كما جاء مُفَصَّلًا في سورةِ (الجِنِّ).

قال ابنُ بطَّةَ: (فمن أنكر الجِنَّ فهو كافِرٌ باللهِ، جاحدٌ بآياتِه، مُكَذِّبٌ بكتابِهـ) 2395.

وقال ابنُ حزمٍ: (لكِنْ لَمَّا أخبرت الرُّسُلُ الذين شَهِد اللهُ عزَّ وجَلَّ بصِدْقِهم، ممَّا أبدى على أيديهم من المعجزاتِ... بنصِّ اللهِ عزَّ وجَلَّ على وجودِ الجِنِّ في العالَمِ، وجب ضرورةً العِلمُ بخَلْقِهم، وقد جاء النَّصُّ بذلك، وبأنَّهم أمَّةٌ عاقلةٌ مميِّزةٌ متعبِّدةٌ، موعودةٌ متوعَّدةٌ، متناسِلةٌ، يموتون، وأجمع المُسلِمون كُلُّهم على ذلك... فمن أنكر الجِنَّ، أو تأوَّل فيهم تأويلًا يخرِجُهم به عن هذا الظَّاهِرِ، فهو كافِرٌ مُشرِكٌ، حلالُ الدَّمِ والمالِ) 2396.

وقال القُرطبي: (قد أنكر جماعةٌ من كَفَرةِ الأطبَّاءِ والفلاسِفةِ الجِنَّ،... اجتراءً على اللهِ وافتراءً، والقُرآنُ والسُّنَّةُ تَرُدُّ عليهم) 2397.

وقال ابنُ تيميَّةَ: (وجودُ الجِنِّ ثابتٌ بكتابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واتِّفاقِ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئمَّتِها، وكذلك دخولُ الجنيِّ في بدَنِ الإنسانِ ثابِتٌ باتِّفاقِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ) 2398.

وقال أيضًا: (إنَّ وُجودَ الجِنِّ تواترت به أخبارُ الأنبياءِ تواتُرًا معلومًا بالاضطرارِ، ومعلومٌ بالاضطرارِ أنَّهم أحياءٌ عُقَلاءُ، فاعِلون بالإرادةِ، بل مأمورون مَنهيُّون، ليسوا صفاتٍ وأعراضًا قائمةً بالإنسانِ أو غيرِه، كما يزعُمُه بعضُ الملاحِدةِ) 2399.

وقال الألوسي: (نَفْيُ الجِنِّ كُفرٌ صريحٌ كما لا يخفى) 2400.

وإنكارُ الملائِكةِ والجِنِّ مناقِضٌ للإيمانِ بالكُتُبِ المنزَّلةِ، فالإيمانُ بالكُتُبِ يتضَمَّنُ الإقرارَ بها وتصديقَها، وإنكارُ الملائكةِ والجِنِّ هو تكذيبٌ وجُحودٌ لآياتِ الله تعالى، فهو يناقِضُ هذا الإقرارَ والتصديقَ، ومن ثَمَّ فقد توعَّد اللهُ تعالى أولئك المنكِرين لآياتِه، المكَذِّبين بها، بالعَذابِ المُهينِ والخلودِ في نارِ جَهنَّمَ.

قال اللهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف: 40] .

قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: إنَّ الذين كَذَّبوا بحُجَجِنا وأدِلَّتِنا فلم يُصَدِّقوا بها ولم يتَّبِعوا رُسُلَنا... وتكَبَّروا عن التصديقِ بها وأنِفُوا من اتِّباعِها والانقيادِ لها تكَبُّرًا لَا تُفتَّحُ لَهُمْ لأرواحِهم إذا خرَجَت من أجسادِهم، أبوابُ السَّماءِ، ولا يَصعَدُ لهم في حياتِهم إلى اللهِ قَولٌ ولا عَملٌ؛ لأنَّ أعمالَهم خبيثةٌ، وإنَّما يُرفَعُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصَّالحُ) 2401.

وصِفةُ الجُحودِ لتلك الآياتِ لا تقومُ إلَّا في الكُفَّارِ، كما قال الله تعالى: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ [العنكبوت: 47] .

قال السَّعديُّ: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ الذين دَأْبُهم الجُحودُ للحَقِّ والعنادُ له. وهذا حَصرٌ لِمن كَفَر به أنَّه لا يكونُ من أحدٍ قَصْدُه متابعةُ الحَقِّ، وإلَّا فكُلُّ من له قصدٌ صحيحٌ، فإنَّه لا بدَّ أن يؤمِنَ به؛ لِمَا اشتمل عليه من البَيِّناتِ، لكُلِّ من له عَقلٌ، أو ألقى السَّمعَ وهو شهيدٌ) 2402.

2- أجمع العُلَماءُ على كُفرِ من أنكر الملائِكةَ أو الجِنَّ، أو استهزأ واستخفَّ بالملائكةِ، أو سبَّهم.

قال عِياضٌ: (حُكمُ من سبَّ سائِرَ أنبياءِ اللهِ تعالى، وملائِكتَه، واستخفَّ بهم، أو كَذَّبهم فيما أَتَوا به، أو أنكَرَهم وجَحَدهم- حُكمُ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم 2403 2404.

وإذا كان العُلَماءُ قد أجمعوا على كُفرِ من أنكر آيةً مِن كتابِ اللهِ تعالى 2405 ، فكيف بمن أنكر آياتٍ كثيرةً جِدًّا تُثبِتُ وجودَ الملائِكةِ والجِنِّ؟!

فوُجودُ الملائكةِ عليهم السَّلامُ والجِنِّ كما هو ثابتٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ ثابتٌ أيضًا بالإجماعِ.

قال ابنُ حزمٍ: (اتَّفَقوا أنَّ الملائكةَ حَقٌّ، وأنَّ جِبريلَ وميكائيلَ مَلَكانِ رَسولانِ للهِ عزَّ وجَلَّ مقَرَّبانِ عظيمانِ عند الله تعالى، وأنَّ الملائكةَ كُلَّهم مؤمنون فُضَلاء، وأنَّ الجِنَّ حَقٌّ) 2406.

وقال ابنُ تيميَّةَ: (والإقرارُ بالملائكةِ والجِنِّ عامٌّ في بني آدَمَ، لم ينكِرْ ذلك إلَّا شَواذُّ من بعضِ الأُمَمِ؛ ولهذا قالت الأُمَّةُ المكَذِّبةُ: وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون: 24] ، حتى قومُ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وقومُ فِرعَونَ؛ قال قومُ نوحٍ: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون: 24] ، وقال: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلائِكَةً [فصلت: 13- 14] ،... وليس في الأُمَمِ أمَّةٌ تُنكِرُ ذلك إنكارًا عامًّا، وإنَّما يوجَدُ إنكارُ ذلك في بَعْضِهم، مِثلُ من قد يتفلسَفُ فيُنكِرُهم؛ لعَدَمِ العِلمِ لا للعِلمِ بالعَدَمِ) 2407.

وقال أيضًا: (من قال: إنَّ هذه الخوارقَ من آثارِ مجَرَّدِ النُّفوسِ، وأنكر وجودَ الجِنِّ والشَّياطينِ، وأن يكونَ لهم تأثيرٌ في الإخباراتِ والخوارِقِ، كان مُبطِلًا باتِّفاق أهلِ المِلَلِ، واتِّفاقِ جمهورِ الفلاسِفةِ، وكان كَذِبُه معلومًا بالاضطرارِ عند من عَرَف هذه الأُمورَ بالمشاهَدةِ أو الأخبارِ المعلومةِ بالصِّدقِ،... من المعلومِ بالاضطرارِ أنَّ الرُّسُلَ أخبرت بالملائِكةِ والجِنِّ، وأنَّها أحياءٌ ناطقةٌ، قائمةٌ بأنفُسِها، ليست أعراضًا قائمةً بغَيرِها) 2408.

وقال ابنُ عثيمين: (إنَّ الجِنَّ حقيقةٌ واقعةٌ، وإنكارُهم تكذيبٌ للقُرآنِ، وكُفرٌ باللهِ عزَّ وجَلَّ) 2409.

وقال أيضًا: (وقد أنكر قومٌ من الزَّائغين كونَ الملائكةِ أجسامًا، وقالوا: إنَّهم عبارةٌ عن قوى الخيرِ الكامِنةِ في المخلوقاتِ، وهذا تكذيبٌ لكتابِ اللهِ تعالى، وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإجماعِ المُسلِمين) 2410.

3- إنَّ الإيمانَ بالملائِكةِ عليهم السَّلامُ يوجِبُ إجلالَهم وإكرامَهم، فهم عِبادٌ مُكرَمون، لا يَعْصون اللهَ ما أمرهم، ويَفعَلون ما يُؤمَرون، ويُسَبِّحون اللَّيلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرون؛ ولذا فإنَّ سبَّهم والاستهزاءَ بهم لا يجتَمِعُ مع إجلالِهم وإكرامِهم، وإن كان السَّابُّ مُقِرًّا بوجودِهم؛ لِما في هذا من عَدَمِ تقديرِ اللهِ تعالى حَقَّ قَدْرِه، والاستهزاءِ بآياتِ اللهِ تعالى.

قال اللهُ سُبحانَه: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65-66] .

قال ابنُ حزمٍ: (صَحَّ بالنَّصِّ أنَّ كُلَّ من استهزأ باللهِ تعالى، أو بمَلَكٍ من الملائكةِ، أو نبيٍّ من الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، أو بآيةٍ من القُرآنِ، أو بفريضةٍ من فرائِضِ الدِّينِ؛ فهي كُلُّها آياتُ اللهِ تعالى بعد بُلوغِ الحُجَّةِ إليه، فهو كافِرٌ) 2411.

وقال أيضًا: (قد عَلِمْنا أنَّ الملائكةَ كُلَّهم رُسُلُ الله تعالى؛ قال تعالى: جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: 1] ، وكذلك عَلِمْنا بضرورةِ المشاهَدةِ أنَّ كُلَّ سابٍّ وشاتمٍ فمُستخِفٌّ بالمشتومِ مُستهزئٌ به، فالاستخفافُ والاستهزاءُ شيءٌ واحدٌ، ... فصحَّ بما ذكَرْنا أنَّ كُلَّ من سبَّ اللهَ تعالى، أو استهزأ به، أو سبَّ مَلَكًا من الملائكةِ أو استهزأ به، أو سبَّ نبيًّا من الأنبياءِ أو استهزأ به، أو سبَّ آيةً من آياتِ اللهِ تعالى أو استهزأ بها، والشَّرائِعُ كُلُّها، والقُرآنُ مِن آياتِ اللهِ تعالى- فهو بذلك كافِرٌ مُرتَدٌّ، له حُكمُ المرتَدِّ، وبهذا نقولُ. وباللهِ تعالى التوفيقُ) 2412.

4- إنَّ الإيمانَ بالملائكةِ عليهم السَّلامُ يقتضي محبَّتَهم وموَدَّتَهم، وأمَّا سَبُّهم وشَتْمُهم فهو بسَبَبِ بُغضِهم وعداوتِهم، وهو ما يناقِضُ الإيمانَ بهم.

قال اللهُ تعالى: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة: 98] .

قال البيضاويُّ: (أفرَدَ الملَكَينِ بالذِّكرِ لفَضْلِهما كأنَّهما من جنسٍ آخرَ، والتنبيهِ على أنَّ معاداةَ الواحِدِ والكُلِّ سواءٌ في الكُفرِ واستجلابِ العداوةِ مِن اللهِ تعالى، وأنَّ من عادى أحَدَهم فكأنَّه عادى الجميعَ؛ إذ الموجِبُ لعداوتِهم ومحبَّتِهم على الحقيقةِ واحِدٌ، ولأنَّ المحاجَّةَ كانت فيهما، ووَضْعُ الظَّاهِرِ مَوضِعَ المُضمَرِ للدَّلالةِ على أنَّه تعالى عاداهم لكُفْرِهم، وأنَّ عداوةَ الملائكةِ والرُّسُل ِكُفرٌ) 2413.

وقال النَّسَفيُّ: (خُصَّ الملكانِ بالذِّكرِ لفَضْلِهما كأنَّهما من جنسٍ آخَرَ؛ إذ التغايُرُ في الوَصفِ يُنَزَّلُ مَنزِلةَ التغايُرِ في الذَّاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ أي: لهم، فجاء بالظَّاهِرِ ليَدُلَّ على أنَّ الله إنَّما عاداهم لكُفْرِهم، وأنَّ عداوةَ الملائكةِ كُفرٌ كعداوةِ الأنبياءِ، ومَن عاداهم عاداه اللهُ) 2414

وقال ابنُ كثير: (يقولُ تعالى: من عاداني وملائِكَتي ورُسُلي. ورُسُلُه تَشمَلُ رُسُلَه من الملائكةِ والبَشَرِ، كما قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: 75] ... وقَولُه تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ فيه إيقاعُ المظهَرِ مكانَ المضمَرِ؛ حيث لم يَقُل: فإنَّه عَدُوٌّ للكافرين، بل قال: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، ... وإنَّما أظهَرَ الاسمَ هاهنا لتقريرِ هذا المعنى وإظهارِه، وإعلامِهم أنَّ من عادى أولياءَ اللهِ فقد عادى اللهَ، ومن عادى اللهَ فإنَّ اللهَ عَدُوٌّ له، ومن كان اللهُ عَدُوَّه فقد خَسِرَ الدُّنيا والآخِرةَ) 2415.

وقد تقرَّر عند العُلَماءِ أنَّ إنكارَ وُجودِ الملائكةِ عليهم السَّلامُ أو سبَّهم أو الاستهزاءَ بهم: من نواقِضِ الإيمانِ.

قال عياضٌ: (وقال القاضي بقُرطُبةَ سعيدُ بنُ سُليمان في بعضِ أجوِبَتِه: من سبَّ اللهَ وملائِكَتَه قُتِلَ. وقال سحنون: من شَتَم مَلَكًا من الملائكةِ فعليه القَتلُ ... وقال أبو الحَسَنِ القابسي في الذي قال لآخَرَ: كأنَّه وَجهُ مالكٍ الغَضْبان: لو عُرِفَ أنَّه قَصَد ذَمَّ المَلَكَ قُتِلَ...

وهذا كُلُّه فيمن تكَلَّم فيهم بما قُلْناه على جملةِ الملائكةِ والنبيِّين، أو على مُعَيَّنٍ ممَّن حقَّقْنا كونَه من الملائكةِ والنبِّيين، ممَّن نصَّ اللهُ عليه في كتابِه، أو حقَّقْنا عِلْمَه بالخبرِ المتواتِرِ، والمشتَهِرِ المتَّفَقِ عليه بالإجماعِ القاطِعِ؛ كجِبريلَ وميكائيلَ، ومالكٍ، وخَزَنةِ الجنَّةِ وجَهنَّمَ، والزَّبانيةِ، وحَمَلةِ العَرشِ المذكورينَ في القُرآنِ مِن الملائكةِ، ومن سُمِّيَ فيه من الأنبياءِ) 2416.

وقال ابنُ قدامة: (وإن ارتدَّ بجُحودِ فَرضٍ، لم يَسلَمْ حتى يقِرَّ بما جحده، ويُعيدَ الشَّهادتين؛ لأنَّه كذَّب اللهَ ورَسولَه بما اعتقده، وكذلك إن جَحَد نبيًّا، أو آيةً من كتابِ اللهِ تعالى، أو كتابًا من كُتُبِه، أو مَلَكًا من ملائكتِه الذين ثبت أنَّهم ملائكةُ اللهِ، أو استباح محرَّمًا؛ فلا بُدَّ في إسلامِه مِن الإقرارِ بما جحدهـ) 2417.

وقال النوويُّ: (ولو قال: لو شَهِدَ عندي الأنبياءُ والملائكةُ بكذا، ما صَدَّقْتُهم؛ كفَرَ) 2418.

وقال ابن حجر الهيتمي مُعَلِّقًا على هذه العبارةِ: (وهل لو قال: الملائِكةُ فقط أو الأنبياءُ فقط يَكفُرُ أيضًا؟ الذي يظهَرُ: نعم؛ لأنَّ مَلحَظَ الكُفرِ كما لا يخفى: نسبةُ الأنبياءِ أو الملائكةِ إلى الكَذِبِ، فإن قُلتَ: جرى خلافٌ في العِصـمةِ؟ قلتُ: أجمعوا على العِصمةِ من الكَذِبِ ونَحوِهـ) 2419.

وقال ابنُ نجيم الحنفيُّ: (ويَكفُرُ بقَولِه لغَيرِه: رؤيتي إيَّاك كرؤيةِ مَلَكِ الموتِ، عند البَعضِ خلافًا للأكثَرِ، وقيل به إن قاله لعداوتِه لا لكراهةِ الموتِ، وبقولِه: لا أسمعُ شهادةَ فُلانٍ وإن كان جِبريلَ أو ميكائيلَ عليهما السَّلامُ، وبعَيبِه مَلَكًا من الملائكةِ أو الاستخفافِ بهـ) 2420.

وقال مرعي بن يوسف الكرمي: (من أشرك باللهِ تعالى، أو سبَّه، أو رسولَه، أو مَلَكًا له ... كَفَر) 2421.

وقال البُهُوتيُّ: (... أو جحد الملائِكةَ أو أحدًا ممَّن ثبت أنَّه مَلَكٌ، كَفَر؛ لتكذيبِه القُرآنَ) 2422.

وقال الدردير المالكي: (يَكفُرُ إن سبَّ نبيًّا مُجمَعًا على نبُوَّتِه، أو مَلَكًا مُجمَعًا على مَلَكيَّتِه، أو عَرَّض بسَبٍّ لنبيٍّ أو مَلَكٍ) 2423.

وقال ابنُ غنيمٍ المالكيُّ: (من سبَّ مَلَكًا مجمَعًا على مَلَكِيَّتِه، أو لعَنَه أو عابه أو قذَفَه، أو استخفَّ بحقِّه، أو غيَّرَ صِفَتَه، أو ألحق به نقصًا في دينِه أو بَدَنِه أو خَصلَتِه، أو غَضَّ من مَرتبتِه، أو وفورِ عِلْمِه، أو زُهْدِه، أو أضاف له ما لا يجوزُ عليه، أو نسب إليه ما لا يليقُ به على طريقِ الذَّمِّ؛ ... قُتِلَ 2424 حَدًّا، ويُستعجَلُ بقَتْلِهـ) 2425.