أوَّلًا: طريقةُ تَوَلِّيه الخِلافةَ
تمَّت بيعةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه بالخِلافةِ بطَريقِ الاختيارِ بعد استِشهادِ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، والذي لم يُعَيِّنْ أحدًا يقومُ بالخِلافةِ مِن بَعْدِه.
عن مَروانَ بنِ الحَكَمِ قال: (أصاب عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ رُعافٌ شَديدٌ سَنَةَ الرُّعافِ، حتى حَبَسه عن الحَجِّ، وأوصى، فدخل عليه رجلٌ مِن قُرَيشٍ قال: استخلِفْ، قال: وقالوه؟! قال: نعم، قال: ومن؟ فسَكَت، فدخل عليه رجلٌ آخَرُ -أحسَبُه الحارِثَ- فقال: استخلِفْ، فقال عُثْمانُ: وقالوا؟ فقال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكَتَ، قال: فلعَلَّهم قالوا: الزُّبَير، قال: نعم، قال: أمَا والذي نَفْسي بيَدِه إنَّه لخَيْرُهم ما عَلِمْتُ، وإن كان لأحَبَّهم إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ) 2130.
ثانيًا: أحَقِّيَّةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه بالخِلافةِ
قد وردت الإشارةُ إلى أحَقِّيَّةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه بالخِلافةِ بعد عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنه في عَدَدٍ من النُّصوصِ؛ منها:
1- عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال في قِصَّةِ بِناءِ المسجِدِ النَّبَويِّ: (كنَّا نحمِلُ لَبِنةً لَبِنةً، وعَمَّارُ لَبِنَتَينِ، فرآه النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَنفُضُ الترابَ عنه ويقول: وَيْحَ عَمَّارٍ! تقتُلُه الفِئةُ الباغيةُ، يدعوهم إلى الجنَّةِ ويَدعونَه إلى النَّارِ
، قال: يقولُ عَمَّارٌ: أعوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ! 2131.
قال ابنُ تَيميَّةَ بعد ذِكْرِه لِقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تَقتُلُ عمَّارًا الفِئةُ الباغيةُ
2132 : (هذا أيضًا يدُلُّ على صِحَّةِ إمامةِ عَلِيٍّ، ووجوبِ طاعتِه، وأنَّ الدَّاعيَ إلى طاعتِه داعٍ إلى الجنَّةِ، والدَّاعيَ إلى مقاتَلَتِه داعٍ إلى النَّارِ، وإن كان متأوِّلًا، وهو دليلٌ على أنَّه لم يكُنْ يجوزُ قتِالُ عليٍّ، وعلى هذا فمُقاتِلُه مخطئٌ وإن كان متأوِّلًا، أو باغٍ بلا تأويلٍ، وهو أصَحُّ القولينِ لأصحابِنا، وهو الحُكمُ بتَخطِئةِ مَن قاتَلَ عَلِيًّا، وهو مذهَبُ الأئِمَّةِ الفُقَهاءِ الذين فرَّعوا على ذلك قتالَ البُغاةِ المتأوِّلينَ، وكذلك أنكرَ يحيى بنُ مَعِينٍ على الشَّافِعيِّ استدلالَه بسيرةِ عليٍّ في قتالِ البُغاةِ المتأوِّلين، قال: أيجعَلُ طَلحةَ والزُّبيرَ معًا بُغاةً؟ ردَّ عليه الإمامُ أحمَدُ فقال: وَيْحَكَ! وأيُّ شَيءٍ يَسَعُه أن يَضَعَ في هذا المقامِ؟ يعني: إن لم يَقْتَدِ بسِيرةِ عَلِيٍّ في ذلك لم يكُنْ معه سُنَّةٌ مِنَ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ في قتالِ البُغاةِ... ولم يتردَّدْ أحمَدُ ولا أحَدٌ مِن أئِمَّةِ السُّنَّةِ في أنَّه ليس غيرُ عَلِيٍّ أَولى بالحَقِّ منه، ولا شَكُّوا في ذلك) 2133.
وقال ابنُ حَجَرٍ: (كان عَمَّارٌ يدعوهم إلى طاعةِ عَلِيٍّ، وهو الإمامُ الواجِبُ الطاعةِ إذ ذاك، وكانوا هم يَدْعون إلى خِلافِ ذلك، لكِنَّهم معذورون للتأويلِ الذي ظهر لهم) 2134.
2- عن سفينةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خِلافةُ النبُوَّةِ ثلاثونَ سَنةً، ثُمَّ يُؤتي اللهُ المُلْكَ -أو مُلْكَه- مَن يشاءُ
2135. وفي لفظٍ: الخِلافةُ في أمَّتي ثلاثون سَنةً، ثُمَّ مُلْكٌ بعد ذلك
2136.
وفي هذا الحديثِ إشارةٌ إلى خِلافةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه؛ حيثُ كانت آخِرَ الثلاثينَ سَنةً التي حدَّدها النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وبذلك قال أهلُ العِلْمِ.
قال عبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ: (سَمِعْتُ أبي رحمه اللهُ يقولُ:... وأمَّا الخِلافةُ فنذهَبُ إلى حديثِ سفينةَ فنَقولُ: أبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ في الخُلَفاءِ) 2137.
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (هو حديثٌ مشهورٌ... واعتمَد عليه الإمامُ أحمَدُ وغَيرُه في تقريرِ خِلافةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ الأربعةِ، وثَبَّته أحمدُ، واستدَلَّ به على من توقَّف في خِلافةِ عليٍّ مِن أجْلِ افتراقِ النَّاسِ عليه، حتى قال أحمَدُ: من لم يُرَبِّعْ بعَلِيٍّ في الخِلافة فهو أضَلُّ من حمارِ أهْلِه، ونهى عن مُناكَحَتِه، وهو متَّفَقٌ عليه بين الفُقَهاءِ وعُلَماءِ السُّنَّةِ وأهلِ المَعرِفةِ والتصَوُّفِ، وهو مَذهَبُ العامَّةِ) 2138.
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (نُثبِتُ الخِلافةَ بعد عُثْمانَ لعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما، لَمَّا قُتِل عُثْمانُ وبايعَ النَّاسُ عَلِيًّا، صار إمامًا حقًّا، واجِبَ الطاعةِ، وهو الخليفةُ في زمانِه خِلافةَ نُبُوَّةٍ، كما دَلَّ عليه حديثُ سفينةَ رَضِيَ اللهُ عنهـ) 2139.
ثالثًا: انعِقادُ الإجماعِ على خلافتِه رَضِيَ اللهُ عنه
أجمع أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ على أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنه كان الأحَقَّ بالخِلافةِ بعد عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، فوَجَب على النَّاسِ طاعتُه، وحَرُم الخروجُ عليه ومخالفتُه.
ونَقَل عَدَدٌ من العُلَماءِ الإجماعَ على ذلك.
1- عن عَوفٍ قال: (كنتُ عند الحَسَنِ فكان ثَمَّ رَجُلٌ انتقص أبا موسى باتِّباعِه عَلِيًّا، فغَضِبَ الحَسَنُ ثُمَّ قال: سبحانَ اللهِ! قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ عُثْمانُ، فاجتمع النَّاسُ على خيرِهم فبايَعوه، أفيُلامُ أبو موسى باتِّباعِه؟!) 2140.
2- قال الزُّهريُّ عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه: (كان قد وفَى بعَهدِ عُثْمانَ حتى قُتِل، وكان أفضَلَ من بَقِيَ من الصَّحابةِ، فلم يكُنْ أحَدٌ أحَقَّ بالخِلافةِ منه، ثُمَّ لم يَستبِدَّ بها مع كونِه أحَقَّ النَّاسِ بها حتى جَرَت له بَيعةٌ، وبايعه مع سائِرِ النَّاسِ من بَقِيَ من أصحابِ الشُّورى) 2141.
3- قال ابنُ سَعدٍ: (بُويِعَ لعَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ رحمه اللهُ بالمدينةِ الغَدَ مِن يَومِ قَتلِ عُثْمانَ بالخِلافةِ، بايَعَه طَلحةُ، والزُّبَيرُ، وسَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وسعيدُ بنُ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ، وعمَّارُ بنُ ياسرٍ، وأسامةُ بنُ زَيدٍ، وسَهلُ بنُ حُنَيفٍ، وأبو أيُّوبَ الأنصاريُّ، ومحمَّدُ بنُ مَسْلَمةَ، وزَيدُ بنُ ثابتٍ، وخُزَيمةُ بنُ ثابتٍ، وجميعُ من كان بالمدينةِ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وغَيرُهم) 2142.
4- قال أبو الحَسَنِ الأشعريُّ: (تَثبُت إمامةُ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه بعد عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنه لعَقدِ من عَقَد له من الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم من أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، ولأنَّه لم يدَّعِها أحدٌ مِن أهلِ الشُّورى غَيرُه في وَقْتِه، وقد اجتُمِع على فَضْلِه وعَدْلِهـ) 2143.
5- قال ابنُ بَطَّةَ: (كانت بيعَتُه رحمه اللهُ بَيعةَ إجماعٍ ورَحمةٍ وسَلامةٍ، لم يَدْعُ إلى نَفْسِه، ولم يُجبِرْهم بسَيفِه، ولا غَلَبَهم بعشيرتِه، ولقد شَرَّف الخلافةَ بنَفْسِه وزانَها بشَرَفِه، وكَسَاها سِربالَ البهاءِ بعَدْلِه، ورَفَعَها بعُلُوِّ قَدْرِه، ولقد أباها فأجبَروه، وتقاعَسَ عنها فأكرَهوهـ) 2144.
6- قال أبو منصورٍ البغداديُّ: (أجمع أهلُ الحَقِّ على صِحَّةِ إمامةِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه وقتَ انتصابِه لها بعد قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهـ) 2145.
7- قال الجُوَينيُّ: (وأمَّا عُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ رضوانُ اللهِ عليهم فسَبيلُ إثباتِ إمامَتِهم واستِجماعِهم لشرائِطِ الإمامةِ كسَبيلِ إثباتِ إمامةِ أبي بَكرٍ، ومَرجِعُ كُلِّ قاطعٍ في الإمامةِ إلى الخَبَرِ المتواتِرِ والإجماعِ... ولا اكتراثَ بقَولِ مَن يقولُ: لم يحصُلْ إجماعٌ على إمامةِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فإنَّ الإمامةَ لم تُجحَدْ له، وإنما هاجت الفِتَنُ لأمورٍ أُخَرَ) 2146.
8- قال الغزاليُّ: (قد أجمعوا على تقديمِ أبي بكرٍ، ثُمَّ نَصَّ أبو بكرٍ على عُمَرَ، ثُمَّ أجمعوا بَعْدَه على عُثْمانَ، ثُمَّ على عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهم، وليس يُظَنُّ منهم الخيانةُ في دينِ اللهِ تعالى لغَرَضٍ من الأغراضِ، وكان إجماعُهم على ذلك من أحسَنِ ما يُستدَلُّ به على مراتِبِهم في الفَضْلِ، ومن هذا اعتَقَد أهلُ السُّنَّةِ هذا الترتيبَ في الفَضْلِ، ثُمَّ بَحَثوا عن الأخبارِ فوَجَدوا فيها ما عُرِفَ به مُستنَدُ الصَّحابةِ وأهلِ الإجماعِ في هذا الترتيبِ) 2147.
9- قال ابنُ تَيميَّةَ: (اتَّفَق أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على بَيعةِ عُثْمانَ بَعْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، وثبت عن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: خِلافةُ النبُوَّةِ ثلاثون سنةً، ثُمَّ تصيرُ مُلكًا
2148 ، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِن بَعْدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ
2149 ، وكان أميرُ المؤمنينَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه آخِرَ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْديِّينَ، وقد اتَّفَق عامَّةُ أهلِ السُّنَّةِ مِنَ العُلَماءِ والعُبَّادِ والأُمَراءِ والأجنادِ على أن يقولوا: أبو بَكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهم) 2150.
10- قال ابنُ حجَرٍ: (كانت بَيعةُ عليٍّ بالخِلافةِ عَقِبَ قَتلِ عُثْمانَ في أوائِلِ ذي الحِجَّةِ سَنةَ خَمسٍ وثلاثينَ، فبايعه المهاجِرون والأنصارُ، وكُلُّ من حَضَر وكَتَب بيعتَه إلى الآفاقِ) 2151.