ذكر كثيرٌ من العلماء أنَّ من إكرامِ اللهِ لأنبيائِه ورُسُله أنَّ الأرضَ لا تأكُلُ أجسادَهم، فمهما طال الزَّمانُ وتقادَمَ العَهدُ تبقى أجسادُهم محفوظةً مِنَ البِلَى.
وعُمْدتُهم في هذا حديث: إنَّ اللهَ حَرَّم على الأرضِ أن تأكُلَ أجسادَ الأنبياءِ
873.
قال الصَّنعانيُّ: (لأنها تَشرُفُ بوَضعِ أقدامِهم عليها وضَمِّهم إليها، فكيف تأكُلُهم؟!) 874.
وقال السَّخاويُّ: (نحن نؤمِنُ ونُصَدِّقُ بأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَيٌّ يُرزَقُ في قبرِه، وأنَّ جَسَدَه الشَّريفَ لا تأكُلُه الأرضُ، والإجماعُ على هذا) 875.
وسُئِل ابنُ باز: (هل صحيحٌ أنَّ الأرضَ لا تأكُلُ من أجسادِ الأنبياءِ؟ وهل معنى ذلك أنَّ جَسَدَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يزالُ كما هو يومَ دُفِنَ؟
فأجاب: جاء عن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما رواه أهلُ السُّنَنِ أنَّه قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: خيرُ أيَّامِكم يومُ الجُمُعةِ، وفي لفظٍ: إنَّ من خيرِ أيَّامِكم يومَ الجُمُعةِ؛ فأكثِروا عليَّ من الصَّلاةِ فيه؛ فإنَّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ. اللَّهُمَّ صَلِّ عليه وسَلِّم، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف تُعرَضُ صلاتُنا عليك وقد أَرِمْتَ؟ يعني: بَلِيتَ، قال: إنَّ اللهَ حرَّم على الأرضِ أن تأكُلَ أجسادَ الأنبياءِ
أخرجه أهلُ السُّنَنِ.
لكن ليس إسنادُه بذاك السَّالمِ؛ أعَلَّه بعضُ أهلِ العِلْمِ، والمشهورُ عند أهل ِالعِلْمِ صِحَّتُه وأنَّ إسنادَه حَسَنٌ لا بأسَ به، وهو يدُلُّ على أنَّ أجسادَ الأنبياءِ لا تأكُلُها الأرضُ، بل تبقى طَرِيَّةً سليمةً، كما أخبر به النَّبِيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لكِنَّ الحديثَ ليس من الأحاديثِ المقطوعِ بصِحَّتِها، بل فيها كلامٌ لبَعضِ أهلِ العِلْم، ولكِنَّ الرَّاجِحَ أنَّه جَيِّدٌ، وأنَّه لا بأسَ بإسنادِه. وهذا ليس خاصًّا بالأنبياءِ، بل قد يقع ذلك لبعضِ الصَّالحينَ؛ فقد شاهد النَّاسُ وعلم النَّاس قديمًا وحديثًا أجسادًا مدفونةً مئاتِ السِّنين لا تأكُلُها الأرضُ من أجسادِ الصَّالحينَ والأخيارِ ومِن الشُّهَداءِ وغيرِ الشُّهَداءِ؛ فاللهُ جَلَّ وعلا على كُلِّ شَيءٍ قديرٌ، فله الحِكمةُ البالغةُ جَلَّ وعلا، ولكِنْ جاء النَّصُّ في أجسادِ الأنبياءِ خاصَّةً: إنَّ اللهَ حرَّم على الأرضِ أن تأكُلَ أجسادَ الأنبياءِ، ورُوحُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الجَنَّةِ في أعلى عِلِّيِّين في الرَّفيقِ الأعلى، وجَسَدُه في الأرضِ) 876.
قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ قُبورَ الأنبياءِ مِن أطهَرِ البقاعِ، ليس للنَّجاسةِ عليها طريقٌ البتَّةَ؛ فإنَّ اللهَ حرَّم على الأرضِ أن تأكُلَ أجسادَهم، فهم في قُبورِهم طرِيُّون) 877.
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (حرَّم اللهُ على الأرضِ أن تأكُلَ أجسادَ الأنبياءِ، كما رُوِيَ في السُّنَنِ، وأمَّا الشُّهَداءُ فقد شوهِدَ منهم بعد مُدَدٍ مِن دَفنِه كما هو لم يتغيَّرْ، فيحتَمِلُ بقاؤه كذلك في تربتِه إلى يومِ مَحشَرِه، ويحتَمِلُ أنَّه يبلى مع طولِ المدَّةِ. واللهُ أعلَمُ. وكأنَّه -واللهُ أعلَمُ- كُلَّما كانت الشهادةُ أكمَلَ، والشَّهيدُ أفضَلَ، كان بقاءُ جَسَدِه أطوَلَ) 878.
وقال ابنُ عُثَيمين: (اعلَمْ أنَّ الإنسانَ إذا دُفِنَ فإنَّ الأرضَ تأكُلُه لا يبقى إلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ، وعَجْبُ الذَّنبِ هذا يَكونُ كالنَّواةِ لخَلقِ النَّاسِ يومَ القيامةِ، تَنبُتُ منه الأجسادُ، إلَّا الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فإنَّ الأرضَ لا تأكُلُهم... أمَّا غيرُ الأنبياءِ فإنَّ الأرضَ تأكُلُ أجسادَهم، ولكِنْ قد يمنعُ اللهُ الأرضَ أن تأكُلَ أحدًا؛ كرامةً لهـ) 879.