هناك أمور لا تقدح في عصمة الأنبياء لو وقعوا فيها ولا تُنقص من قدرهم، 1 فمن ذلك: الأعراضُ البَشَريَّةُ الجِبِلِّيةُ.
قال ابنُ تَيمِيَّةَ: (الأنبياءُ يجوزُ عليهم المرَضُ والجوعُ والنسيانُ ونحوُ ذلك بالإجماعِ، ولا يقالُ: هذا تنقُّصٌ لهم) 907.
وكونُ الأنبياءِ بَشَرًا ويحصُلُ لهم ما يحصُلُ للبَشَرِ مِن أعراضٍ إنما هو رفعةٌ لشَأنِهم وقَدْرِهم؛ إذ هم مع وجودِ تلك الصِّفاتِ محقِّقون لعُبُوديَّةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
ومن ذلك:
1- نِسيانُ آدَمَ وجُحودُه.
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَمَّا خلق اللهُ آدَمَ مَسَح ظَهْرَه، فسقط من ظَهْرِه كُلُّ نَسَمةٍ هو خالِقُها من ذُرِّيَّتِه إلى يومِ القيامةِ، وجعل بين عيْنَي كُلٍّ منهم وَبيصًا 908 من نورٍ، ثمَّ عرَضَهم على آدَمَ، فقال: أي ربِّ مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيَّتُك، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وَبيصُ ما بين عينيه، فقال: أيْ ربِّ مَن هذا؟ فقال: هذا رجلٌ مِن آخِرِ الأُمَمِ مِن ذُرِّيَّتِك، يقالُ له داودُ، فقال: ربِّ كم جعَلْتَ عُمُرَه؟ قال: سِتِّين سنةً، قال: أي ربِّ زِدْه من عمري أربعين سنةً، فلمَّا انقضى عُمُرُ آدَمَ، جاءه مَلَكُ الموتِ، فقال: أوَلَم يَبْقَ مِن عُمُري أربعون سنةً؟ قال: أوَلم تُعْطِها ابنَك داودَ؟ قال: فجحد آدَمُ، فجَحَدت ذُرِّيَّتُه، ونَسِيَ آدَمُ، فنَسِيَت ذُرِّيَّتُه، وخَطِئَ آدَمُ فخَطِئَت ذُرِّيَّتُه
909.
2- تخَوُّفُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ حين رأى أيدي ضُيوفِه لا تمتَدُّ إلى الطَّعامِ الذي قدَّمه لهم.
ولم يَكُنْ يَعْلَمُ أنَّهم مَلائِكةٌ قد تشَكَّلوا في صُوَرٍ بَشَريَّة.
قال اللهُ تعالى: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود: 70] .
3- عَدَمُ صَبرِ موسى عليه السَّلامُ على تصَرُّفاتِ الخَضِرِ عليه السَّلامُ.
فموسى قد وعده بالصَّبرِ في صُحبَتِه له، فلا يسألُه عن أمرٍ يفعلُه حتى يُحدِثَ له منه ذِكرًا، ولكنَّه لم يتمالكْ نَفسَه حين صدرت منه أفعالٌ مُستنكَرةٌ في ظاهرِها، فكان في كُلِّ مرَّةٍ يسألُ أو يعترضُ أو يُوَجِّهُ، وعندما كشف له الخَضِرُ عن سِرِّ أفعالِه قال له: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: 82] .
وعن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ودِدْنَا أنَّ مُوسَى صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِن أمْرِهِما
910.
4- غَضَبُ موسى عليه السَّلامُ حين عبد قَومُه العِجْلَ، وأخْذُه برأسِ أخيه يجُرُّه إليه، وإلقاؤُه الألواحَ وفي نُسخَتِها هُدًى.
قال اللهُ تعالى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: 150] .
وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ليس الخبَرُ كالمعايَنةِ، إنَّ اللهَ تعالى أخبر موسى بما صنع قومُه في العِجْلِ، فلم يُلْقِ الألواحَ، فلمَّا عاين ما صنعوا ألقى الألواحَ فانكَسَرَت
911.
قال علي القاري: (المعنى لأنَّه سُبحانَه «أخبر موسى بما صنع قومُه في العِجْلِ، فلم يُلْقِ الألواحَ» أي: لعدمِ تأثيرِ الخبَرِ فيه تأثيرًا زائدًا باعثًا على الغَضَبِ الموجِبِ للإلقاءِ «فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواحَ»، أي غضَبًا لله على قومِه لمخالفةِ دينِه «فانكسرت» أي الألواحُ من شِدَّةِ إلقائِه الدَّالَّةِ على كثرةِ غَضَبِه، ثُمَّ في إلقائِها إيماءٌ بأنها إنما تنفعُ لأهلِ الإيمانِ، فإذا اختاروا الكُفْرَ والطُّغيانَ لم يَبْقَ فائِدةٌ في إبقائِها) 912.
5- غَضبُ نَبيٍّ من الأنبياءِ حين قرصَتْه نَملةٌ، فأمر بقريةِ النَّملِ فأُحرِقَت، فعاتبه اللهُ على ذلك.
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يقولُ: قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ، فأمَرَ بقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فأوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟!
913.
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: نزل نبيٌّ من الأنبياءِ تحت شجَرةٍ، فلدغَتْه نملةٌ، فأمر بجَهازِه فأُخرِجَ من تحتِها، ثمّ أمر ببَيتِها فأُحرِقَ بالنَّارِ، فأوحى اللهُ إليه: فهلَّا نملةً واحِدةً؟
914.
قال أبو العَّباسِ القُرطبيُّ: (ظاهِرُ هذا الحديثِ: أنَّ هذا النَّبِيَّ إنما عاتبه اللهُ تعالى حيث انتقم لنفسِه بإهلاكِ جمعٍ آذاه واحِدٌ منه، وكان الأَولى به الصَّبرُ والصَّفحُ، لكن وقع للنبيِّ أنَّ هذا النوعَ مُؤذٍ لبني آدَمَ، وحُرمةُ بني آدَمَ أعظَمُ من حُرمةِ غيرِه من الحيوانِ غيرِ النَّاطِقِ، فلو انفرد له هذا النَّظَرُ ولم ينضَمَّ إليه التشَفِّي الطبيعيُّ لم يعاتَبْ، واللهُ تعالى أعلَمُ، لكِنْ لَمَّا انضاف إليه التشَفِّي الذي دلَّ عليه سياقُ الحديثِ عُوتِبَ عليهـ) 915.
6- نِسيانُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حيثُ صَلَّى خَمسَ رَكَعاتٍ.
عن ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: صَلَّى بنَا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَمْسًا، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، أزِيدَ في الصَّلَاةِ، قالَ: وما ذَاكَ؟ قالوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، قالَ: إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أذْكُرُ كما تَذْكُرُونَ، وأَنْسَى كما تَنْسَوْنَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ
916.
قال علي القاري: ( إنما أنا بشَرٌ مِثْلُكم
، أي: في جميعِ الأمورِ البَشَريَّةِ إلَّا أنَّه يُوحى إليَّ) 917.
7- اجتهادهُم في الحُكمِ وقد يُخطِئون في إصابةِ الحَقِّ؛ فمن ذلك:
عدمُ إصابة نَبيِّ اللهِ داودَ في الحُكمِ، وتوفيقُ اللهِ لابْنِه سُلَيمانَ في تلك المسألةِ.
قال اللهُ تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء: 78، 79].
قال السَّعْديُّ: (أي: واذكُرْ هذين النَّبِيِّينَ الكريمينِ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ مُثنيًا مُبَجِّلًا إْذ آتاهما اللهُ العِلْمَ الواسِعَ والحُكمَ بين العبادِ، بدليلِ قَولِه: إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي: إذ تحاكم إليهما صاحِبُ حَرثٍ نَفَشَت فيه غَنَمُ القَومِ الآخَرِينَ، أي: رعت ليلًا فأكلت ما في أشجارِه، ورعت زَرْعَه، فقضى فيه داودُ عليه السَّلامُ بأنَّ الغَنَمَ تكونُ لصاحِبِ الحَرْثِ، نظرًا إلى تفريطِ أصحابِها، فعاقبهم بهذه العقوبةِ، وحَكَم فيها سليمانُ بحُكمٍ موافقٍ للصَّوابِ، بأنَّ أصحابَ الغَنَمِ يدفعون غنَمَهم إلى صاحِبِ الحَرثِ، فينتَفِعُ بدَرِّها وصوفِها ويقومون على بُستانِ صاحِبِ الحَرثِ، حتى يعودَ إلى حالِه الأُولى، فإذا عاد إلى حالِه ترادَّا ورجع كلٌّ منهما بما له، وكان هذا من كَمالِ فَهْمِه وفِطنَتِه عليه السَّلامُ؛ ولهذا قال: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ أي: فهَّمْناه هذه القضيَّةَ، ولا يدُلُّ ذلك أنَّ داودَ لم يُفْهِمْه اللهُ في غيرِها؛ ولهذا خَصَّها بالذِّكرِ بدليلِ قَولِه: وَكُلًّا من داودَ وسُلَيمانَ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وهذا دليلٌ على أنَّ الحاكِمَ قد يُصيبُ الحَقَّ والصَّوابَ وقد يخطئُ ذلك، وليس بملومٍ إذا أخطأ مع بَذْلِ اجتِهادِهـ) 918.
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه سمع النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذِّئبُ فذهب بابنِ إحداهما، فقالت صاحِبَتُها: إنَّما ذهب بابنِك، وقالت الأُخرى: إنَّما ذهب بابنِك، فتحاكَمَتا إلى داودَ، فقضى به للكُبرى، فخرجَتَا على سُلَيمانَ بنِ داودَ، فأخبَرَتاه، فقال: ائتوني بالسِّكينِ أشُقَّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعَلْ يرحمُك اللهُ، هو ابنُها، فقضى به للصُّغرى
919.
قال ابنُ بطَّالٍ في فوائِدِ الحديثِ: (فيه: أنَّه جائزٌ للعالمِ مخالفةُ غَيرِه من العُلَماءِ وإن كانوا أسَنَّ منه وأفضَلَ إذا رأى الحَقَّ في خلافِ قولِهم. ويشهَدُ لهذا قَولُه تعالى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء: 78] الآية؛ فإنَّه أثنى على سُلَيمانَ بعِلْمِه، وعَذرَ داودَ باجتهادِه ولم يُخْلِه من العِلْمِ) 920.
وعن أمِّ سلمةَ رَضِيَ اللهُ عنها: أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سمع خصومةً ببابِ حُجرتِه، فخرج إليهم، فقال: إنَّما أنا بشَرٌ، وإنَّه يأتيني الخَصْمُ، فلعَلَّ بعضَكم أن يَكونَ أبلَغَ من بعضٍ، فأحسَبُ أنَّه صادِقٌ، فأقضي له بذلك، فمن قضيتُ له بحَقِّ مُسلِمٍ، فإنما هي قِطعةٌ مِنَ النَّارِ، فليأخُذْها أو ليترُكْها
921.
قال العيني: (قَولُه: إنما أنا بشَرٌ
أي: لا أعلَمُ الغَيبَ وبواطِنَ الأمورِ، كما هو مقتضى حالِ البَشَريَّةِ، وأنَّه إنما يحكُمُ بالظَّاهِرِ، واللهُ يتولى السَّرائِرَ، ولو شاء اللهُ لأطلعه على باطنِ الأمورِ حتى يحكُمَ باليقينِ، لكِنْ أمَرَ اللهُ أمَّتَه بالاقتداءِ به، فأجرى أحكامَه على الظَّاهِرِ لِتَطيبَ نفوسُهم للانقيادِ) 922.