عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سِرْنا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى نزَلْنا واديًا أفيَحَ 1028 ، فذهب رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقضي حاجتَه فلم يَرَ شيئًا يستَتِرُ به، فإذا شجرتانِ بشاطئِ الوادي، فانطلق رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى إحداهما فأخذ بغُصنٍ من أغصانها، فقال: انقادِي عليَّ بإذنِ اللهِ، فانقادت معه كالبعيرِ المخشوشِ 1029 الذي يصانِعُ قائِدَه، حتى أتى الشَّجرةَ الأخرى، فأخذ بغُصنٍ من أغصانِها، فقال: انقادِي عليَّ بإذنِ اللهِ، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمَنْصَفِ مِمَّا بينهما... قال: التَئِما عليَّ بإذنِ اللهِ فالتأمَتَا، فجلستُ أُحَدِّثُ نفسي فحانت مني لفتةٌ، فإذا أنا برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُقبِلًا، وإذا الشَّجَرتانِ قد افتَرَقَتا فقامت كُلُّ واحدةٍ منهما على ساقٍ! 1030.

قال أبو العَّباسِ القُرطبيُّ: (حديثُ الشَّجَرتينِ هذا يدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى مكَّن نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن انخراقِ ما شاء مِن العاداتِ، وأنَّ الجماداتِ كانت سُخِّرَت له، فيتصَرَّفُ فيها كيف شاء، وهذا من أكمَلِ الكراماتِ، وأعظَمِ الدَّلالاتِ) 1031.

وعن مَعْنِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ قال: (سَمِعتُ أبي قال: سألتُ مسروقًا: من آذَنَ 1032 النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالجنِّ ليلةَ استمعوا القُرآن؟ قال: حدَّثني أبوك -يعني عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ- أنَّه قال: آذَنَت بهم شَجَرةٌ ) 1033.

قال النووي: (هذا دليلٌ على أنَّ اللهَ تعالى يجعل فيما يشاءُ من الجمادِ تمييزًا) 1034.