للحِفظِ في عَهدِ النُّبُوَّةِ عِدَّةُ أوجُهٍ؛ منها:

1- الطريقةُ التي كان يَنزِلُ بها الوَحيُ:

كان الوَحيُ يَنزِلُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على هيئةٍ تكون أدعى إلى حِفْظِه وضَبْطِه.

عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ الحارِثَ بنَ هشامٍ رَضِيَ اللهُ عنه سأل رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رسولَ اللهِ، كيف يأتيك الوَحيُ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أحيانًا يأتيني مِثْلَ صَلصَلةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّه عَلَيَّ، فيَفصِمُ عَنِّي وقد وَعَيتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمَثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلًا، فيُكَلِّمُني، فأعي ما يقولُ 319.

قال أبو العَبَّاسِ القرطبيُّ: («قَولُه: وهو أشَدُّه عَلَيَّ» إنما كان أشَدَّ عليه لسماعِه صَوتَ الملَكِ الذي هو غيرُ مُعتادٍ، ورُبَّما كان شاهَدَ الملَكَ على صورتِه التي خُلِق عليها، كما أخبر بذلك عن نفسِه في غيرِ هذا الموضِعِ، وكان يشتَدُّ عليه أيضًا؛ لأنَّه كان يريدُ أن يَحفَظَه ويَفهَمَه مع كونِه صوتًا مُتتابِعًا؛ ولذلك كان يتغَيَّرُ لونُه، ويتفَصَّدُ عَرَقًا، ويعتريه مِثلُ حالِ المحمومِ، ولولا أنَّ اللهَ تعالى قوَّاه على ذلك، ومكَّنه منه بقدرتِه لَمَا استطاع شيئًا من ذلك، ولهلك عند مشافهةِ الملَكِ؛ إذ ليس في قُوى البشَرِ المعتادةِ تحَمُّلُ ذلك بوَجهٍ.

والحالةُ الثانيةُ: وهي أن يتمَثَّلَ له الملَكُ في صورةِ رَجُلٍ، فيُكَلِّمَه بكَلامِه المعتادِ، فلا يجِدَ إلى ذلك شيئًا من المشقَّاتِ والشدائدِ، وهذا كما اتَّفَق له معه حيثُ تمثَّلَ له في صورةِ الأعرابيِّ، فسأله عن الإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ، وكما كان يأتيه في صورةِ دِحْيَةَ بنِ خَليفةَ، وكانت صورتُه حَسَنةً... و«قَولُه: فيَفصِمُ عَنِّي، وقد وعَيتُ عنه» أي: يذهَبُ عني، ويُقلِعُ... ووعَيتُ: فَهِمتُ وحَفِظْتُ... وقد اقتصر في هذا الحديثِ على ذِكرِ طريقَيِ الوَحيِ، ولم يذكُرِ الرُّؤيا، وهي من الوَحيِ كما تقدَّم؛ لأنَّه فَهِم عن السَّائِلِ أنَّه إنما سأل عن كيفيَّةِ تلَقِّيه الوحيَ مِن الملَكِ. واللهُ أعلَمُ) 320.

2- مُدارسةُ جِبريلَ عليه السَّلامُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القُرْآنَ:

وكان ذلك في رمضانَ من كُلِّ عامٍ.

عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه قال: (كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أجوَدَ النَّاسِ بالخَيرِ، وأجوَدَ ما يكونُ في شَهرِ رَمَضانَ؛ لأنَّ جِبريلَ كان يلقاه في كُلِّ ليلةٍ في شَهرِ رَمَضانَ حتى يَنسَلِخَ، يَعرِضُ عليه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القُرْآنَ، فإذا لَقِيَه جِبريلُ كان أجوَدَ بالخيرِ من الرِّيحِ المُرسَلةِ ) 321.

قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: («قَولُه: وكان أجوَدَ ما يكونُ في رَمَضانَ» إنما كان ذلك لأوجُهٍ: أحَدُها: رغبةً في ثوابِ شَهرِ رَمَضانَ، فإنَّ أعمالَ الخَيرِ فيه مُضاعَفةُ الأجرِ، ولِيُعينَ الصَّائمين على صَومِهم، ولِيُفَطِّرَهم، فيَحصُلَ له مِثلُ أُجورِهم كما قال 322 ، ولأنَّه كان يَلقى فيه جِبريلَ لِمُدارسةِ القُرْآنِ، فكان يتجَدَّدُ إيمانُه ويقينُه، وتعلو مقاماتُه، وتظهَرُ عليه برَكاتُه، فيا له من لقاءٍ ما أكرَمَه، ومن مَشهَدٍ ما أعظَمَه!) 323.

وفي روايةٍ لأبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (كان يَعرِضُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القُرْآنَ كُلَّ عامٍ مَرَّةً، فعَرَض عليه مرَّتين في العامِ الذي قُبِض ...) 324.

قال ابنُ حَجَرٍ: (في الحديثِ مِن الفوائِدِ غيرُ ما سبق: تعظيمُ شَهرِ رَمَضانَ لاختصاصِه بابتداءِ نُزولِ القُرْآنِ فيه، ثمَّ معارضتِه ما نزل منه فيه، ويلزَمُ من ذلك كثرةُ نُزولِ جِبريلَ فيه، وفي كثرةِ نزولِه من توارُدِ الخيراتِ والبركاتِ ما لا يُحصى... وفيه أنَّ مُداومةَ التِّلاوةِ تُوجِبُ زيادةَ الخيرِ، وفيه استِحبابُ تكثيرِ العبادةِ في آخِرِ العُمُرِ، ومذاكرةِ الفاضِلِ بالخيرِ والعِلْمِ وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك؛ لزيادةِ التَّذكِرةِ والاتِّعاظِ) 325.

3- كِتابةُ الوَحيِ ومُقابلَتُه:

قال الحارِثُ المحاسبيُّ: (كِتابةُ القُرْآنِ ليست مُحدَثةً؛ فإنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يأمُرُ بكِتابتِه ولكِنَّه كان مُفَرَّقًا في الرِّقاعِ والأكتافِ والعُسُبِ 326 ، وإنما أمر الصِّدِّيقُ بنَسْخِها من مكانٍ إلى مكانٍ، وكان ذلك بمَنْزِلةِ أوراقٍ وُجِدَت في بيتِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيها القُرْآنُ مُنتَشِرٌ، فجَمَعها جامِعٌ وربطَها بخَيطٍ حتى لا يَضِيعَ منها شَيءٌ) 327.

وقال أبو عَمرٍو الدَّاني: (إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَنَّ جمعَ القُرْآنِ وكِتابتَه، وأمر بذلك وأملاه على كَتَبَتِه، وأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَمُتْ حتى حَفِظَ جميعَ القُرْآنِ جماعةٌ من أصحابِهـ) 328.

4- قَصرُ الكِتابةِ -ابتداءً- على القُرْآنِ:

قُصِرت الكتابةُ في بادِئِ الأمرِ على القُرآن؛ لئلَّا يختَلِطَ بغَيرِه.

ففي الحديثِ: لا تَكتُبُوا عني، ومن كَتَب عنِّي غيرَ القُرْآنِ فلْيَمْحُه، وحَدِّثوا عنِّي ولا حرج... 329 ، ثم كان الإذنُ بالكِتابةِ بعد أن زال سبَبُ المنعِ 330.

قال النوويُّ: (اختلفوا في المراد بهذا الحديثِ الوارِدِ في النَّهيِ؛ فقيل: هو في حَقِّ من يُوثَقُ بحِفْظِه ويُخافُ اتِّكالُه على الكِتابةِ إذا كتب، وتُحمَلُ الأحاديثُ الواردةُ بالإباحةِ على من لا يُوثَقُ بحِفْظِه؛ كحديثِ: اكتُبُوا لأبي شَاه 331 ، وحديثِ صَحيفةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه 332... وحديثِ كِتابِ الصَّدَقةِ ونُصُبِ الزكاةِ الذي بعث به أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنسًا رَضِيَ اللهُ عنه حين وَجَّهه إلى البحرينِ 333 ، وحديثِ أبي هُرَيرةَ أنَّ ابنَ عَمرِو بنِ العاصِ كان يَكتُبُ ولا أكتُبُ 334 ، وغيرِ ذلك من الأحاديثِ. وقيل: إنَّ حديثَ النَّهيِ منسوخٌ بهذه الأحاديثِ، وكان النهيُ حين خيف اختلاطُه بالقُرْآنِ، فلمَّا أُمِن ذلك أَذِن في الكِتابةِ. وقيل: إنَّما نهى عن كِتابةِ الحديثِ مع القُرْآنِ في صحيفةٍ واحدةٍ؛ لئلَّا يختَلِطَ فيَشتَبِهَ على القارئِ في صحيفةٍ واحدةٍ. واللهُ أعلَمُ) 335.

وقال ابنُ الصَّلاح: (لعَلَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أذِنَ في الكِتابةِ عنه لمن خَشِيَ عليه النِّسيانَ، ونهى عن الكِتابةِ عنه من وَثِقَ بحِفْظِه، مخافةَ الاتِّكالِ على الكِتابِ، أو نهى عن كِتابةِ ذلك عنه حين خاف عليهم اختلاطَ ذلك بصُحُفِ القُرْآنِ العظيمِ، وأَذِن في كِتابتِه حين أَمِن من ذلك) 336.

5- الحَضُّ على تعَلُّمِ القُرْآنِ وتعليمِه:

عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: خيرُكم من تعلَّم القُرْآنَ وعَلَّمه 337.

وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يحُثُّ أصحابَه رَضِيَ اللهُ عنهم على تعَلُّمِ القُرْآنِ وتعليمِه، وحِفْظِه وتحفيظِه، وكان يُقَدِّمُ أكثَرَهم أخذًا للقُرْآنِ في إمامةِ الصَّلَواتِ، وقيادةِ السَّرايا.

قال الباقِلَّاني: (كيف لا يكونُ حالُ الأُمَّةِ في أمرِ حِفظِ القُرْآنِ والقيامِ به وبتحصينِه وحياطتِه، والمحافَظةِ على دَرْسِه، وتأمُّلِه وتعَلُّمِه وتعليمِه- التقديمَ له على كُلِّ مُهِمٍّ ماسٍّ من أمرِ دينِه، مع الذي وصَفْناه ممَّا ورد في نفسِ التنزيلِ المحفوظِ من تعظيمِ شَأنِ القُرْآنِ، والأمرِ بتدَبُّرِه والرُّجوعِ إليه، والعَمَلِ عليه، مع كثرةِ ما سمعوه من الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَضِّ على تعَلُّمِه وتعليمِه والأمرِ بالتفَقُّهِ به، والحَثِّ على حراستِه، والإكثارِ من تلاوتِه، وضمانِه الثوابَ الجزيلَ على قراءةِ كُلِّ حَرفٍ منه، وتفضيلِ أهلِ القُرْآنِ على سائِرِ النَّاسِ، والتعظيمِ لشَأنهم والإخبارِ عن رفيعِ دَرَجَتِهم عند اللهِ، وما أعَدَّه لهم، إلى غيرِ ذلك ممَّا قد تظاهرت الأخبارُ بذِكْرِه، وعُلِمَ في الجملةِ ضَرورةً من دينِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأمرُ به والدُّعاءُ إليه، والتفخيمُ لشَأنِ القُرْآنِ وإجلالُ حَمَلتِهـ) 338.

6- قُوَّةُ الحافِظةِ عند العَرَبِ:

كان العَرَبُ أهلَ حافِظةٍ لا تكادُ تُخطِئُ، وذاكِرةٍ لا يكادُ يَعزُبُ عنها شيءٌ، وخاصَّةً أنَّ القُرْآنَ جاء بأسلوبٍ بارعٍ، وبيانٍ رَفيعٍ؛ ممَّا جعله أحرى لحِفْظِه، والاهتمامِ به، حتى كَثُر آخِذوه صدرًا وسَطرًا.

قال الباقِلَّاني: (تظاهَرَ بينهم حتى حَفِظه الرِّجالُ، وتنقَّلَت به الرِّحالُ، وتعَلَّمه الكبيرُ والصَّغيرُ؛ إذ كان عُمدةَ دِينِهم، وعَلَمًا عليه، والمفروضَ تلاوتُه في صَلَواتِهم، والواجِبَ استعمالُه في أحكامِهم) 339.