ذهب جمهورُ مشايخِ الحَنَفيَّةِ إلى أنَّ إيمانَ المُقَلِّدِ صحيحٌ، إلَّا أنَّه عاصٍ بتركِ الاستدلالِ.
وذهب الأشْعَريُّ وجمهورُ الأشاعِرةِ إلى عدمِ الاكتفاءِ بالتَّقليدِ في العقائِدِ 745 .
وصرَّح أبو عَذبةَ بأنَّ بعضَ الأشْعَريَّةِ يقولون بكُفرِ المُقَلِّدِ، ونقل عن الأشْعَريِّ أنَّه قال: إنَّ المُقَلِّد خرج من الكُفرِ، ولم يستحِقَّ اسمَ المؤمِنِ 746 .
وذكر بَعضُ الأشْعَريَّةِ والماتُريديَّةِ أنَّ نسبةَ القولِ بعَدَمِ صِحَّةِ إيمانِ المُقَلِّدِ إلى الأشْعَريِّ كَذِبٌ وزُورٌ 747 .
وأمَّا القولُ بوُجوبِ النَّظرِ والاستدلالِ فيُصَرِّحُ به كُلٌّ من الماتُريديَّةِ والأشْعَريَّةِ 748 ، وأفرط بعضُ الأشْعَريَّةِ، كالقاضي أبي بكرِ بنِ العَرَبيِّ، وإمامِ الحرمينِ، فقالا: يلزمُ المصَلِّيَ عِندَ الإحرامِ أن يذكُرَ حدوثَ العالَمِ وأدلَّتَه، وإثباتَ الأعراضِ، واستحالةَ قِدَمِ الجواهِرِ، وأدِلَّةَ العِلمِ بالصَّانِعِ، وما يجِبُ للهِ، وما يستحيلُ 749 !!
ويتبيَّنُ من ذلك أنَّه لا خلافَ بَينَ الفريقينِ في وجوبِ النَّظَرِ والاستدلالِ، أمَّا الخلافُ في صَّحةِ إيمان المُقَلِّدِ وعَدَمِه، فخلافٌ معنويٌ؛ فلا معنى لزَعمِ التَّاجِ السُّبكيِّ وأبي عَذبةَ أنَّه خلافٌ لفظيٌّ 750 .
والحقُّ أنَّ القولَ بعَدَمِ صِحَّةِ إيمانِ المُقَلِّدِ -كما زعمه الأشْعَريَّةُ- باطلٌ، كما أنَّ قولَ الماتُريديَّةِ والأشْعَريَّةِ بوجوبِ النَّظَرِ والاستدلالِ باطِلٌ.
قال الغَزاليُّ: (لم يُكَلِّفِ الشَّرعُ أجلافَ العَرَبِ أكثَرَ من التَّصديقِ الجازِمِ بظاهرِ هذه العقائدِ) 751 .
فالحقُ صحَّةُ إيمانِ المُقَلِّدِ، وأنَّ أوَّلَ واجبٍ في الإسلامِ هو شهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وهو توحيدُ العبادةِ 752 .
قال أبو جَعفرٍ السمنانيُّ الحَنَفيُّ الأشْعَريُّ: (إيجابُ الأشْعَريِّ النَّظرَ في المعرفةِ بقيَّةٌ بَقِيَت عليه من الاعتزالِ) 753 .
قال ابنُ تيميَّةَ: (النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يدْعُ أحدًا إلى النَّظَرِ ابتداءً، ولا إلى مجرَّدِ إثباتِ الصَّانِعِ، بل أوَّلُ ما دعاهم إليه الشَّهادتانِ، وبذلك أمرَ أصحابَه... وهذا ممَّا اتَّفق عليه أئمَّةُ الدِّينِ... والقرآنُ ليس فيه أنَّ النَّظَرَ أوَّلُ الواجباتِ، ولا فيه إيجابُ النَّظَرِ على أحدٍ، وإنَّما فيه الأمرُ بالنَّظَرِ لِمن لم يحصُلْ له الإيمانُ إلَّا به، وهذا أصحُّ الأقوالِ، فقولُ هؤلاء، كأبي المعالي وغيرِه: أوَّلُ ما يجِبُ على العاقِلِ البالِغِ القَصدُ إلى النَّظَرِ، هو في الأصلِ من كلامِ المُعتزِلةِ، ومخالِفٌ لما أجمعَ عليه أئمَّةُ الدِّينِ، ولِما تواتر عن سيِّدِ المرسَلينَ، وعُلِمَ بالاضطرارِ من دينِهـ) 754 .