فجوَّزه الأشْعَريَّةُ، ومنعه الماتُريديَّةُ.

وقد جعل السُّبكيُّ وأبو عَذبةَ هذا الخلافَ لفظيًّا، بمعنى أنَّ هذا القائِلَ إن أراد حُسنَ الخاتمةِ والتَّفاؤُلَ والتَّبرُّكَ، فيجوز له الاستثناءُ، وإن كان للشَّكِّ فلا يجوزُ 696 .

والظَّاهِرُ أنَّ الخلافَ هنا معنويٌّ؛ لأنَّ الاستثناءَ في الإيمانِ لأجلِ الشَّكِّ غيرُ جائزٍ بالاتِّفاقِ، فهذا ليس محلًّا للخلافِ، وإنما الخلافُ بَينَ الفريقينِ هو الاستثناءُ لإحالةِ الأمورِ إلى مشيئةِ اللهِ تعالى أو لقَصدِ حُسنِ الخاتمةِ، أو للتأدُّبِ أو للتبرُّكِ، أو للتبَرَّؤ عن التَّزكيةِ 697 .

وقد صرَّح ابنُ الهُمَامِ بأنَّه لا خلافَ في عدَمِ جوازِ الاستثناءِ في الإيمانِ لأجْلِ الشَّكِّ في ثبوتِه؛ فإنَّه كُفْرٌ، وأمَّا إذا لم يكُنْ للشَّكِّ، فمنعه الأكثرون منهم أبو حنيفةَ وأصحابُه، وإنَّما يقالُ: أنا مؤمِنٌ حَقًّا؛ لأنَّ تَرْكَ الاستثناءِ أبعَدُ عن التُّهمةِ، فكان تَركُه واجبًا، وأجازه الشَّافعيُّ وأصحابُه 698 .

فحقُّ هذه المسألةِ أن تُذكَرَ فيما في قِسمِ الخلافِ المعنويِّ بَينَ الماتُريديَّةِ والأشاعرةِ؛ فإنَّ أبا منصورٍ الماتُريديَّ والماتُريديَّةَ يمنعونَ الاستثناءَ في الإيمانِ، ويتشبَّثون بأنَّ الاستثناءَ يَفسَخُ العقودَ ويمنَعُ مُضِيَّها 699 .

فما زعمه السُّبكيُّ من أنَّ أبا منصورٍ الماتُريديَّ يجوِّزُ الاستثناءَ في الإيمانِ، كالأشاعرةِ 700 ، غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ نُصوصَ الماتُريديِّ والماتُريديَّةِ صريحةٌ في المنعِ، وقد تهوَّر بعضُ الماتُريديَّةِ، فكَفَّروا من يَستثني في الإيمانِ.

قال الفريهاريُّ: (قد بالغ بعضُ الحَنَفيَّةِ في المنعِ حتَّى قال الفضليُّ: لا يجوزُ نِكاحُ المرأةِ الشَّافعيَّةِ؛ لأنَّهم كفَروا بالاستثناءِ! وهذه جرأةٌ عظيمةٌ، وتعصُّبٌ لا يرضاه الحقُّ سُبحانَهـ) 701 .

وقرَّر السَّفكردريُّ وبعضُ أئمَّةِ خوارزمَ أنَّه لا يجوزُ للحَنَفيِّ أن يزوِّجَ بِنتَه من رجُلٍ شافعيِّ المَذهَبِ، ولكِنْ يتزوَّجُ من الشَّافعيَّةِ؛ تنزيلًا لهم منزلةَ أهلِ الكتابِ، بحُجَّةِ أنَّ الشَّافعيَّةَ يَرَونَ جوازَ الاستثناءِ في الإيمانِ، وهو كُفرٌ 702 !!

وبالنِّسبةِ لادِّعاءِ ابنِ الهُمَامِ أنَّ الأكثَرَ لا يَرَونَ الاستثناءَ، فقد ردَّ هذه الدَّعوى ابنُ أبي شريفٍ فقال: (إنَّ القولَ بالاستثناءِ قَولُ أكثَرِ السَّلَفِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ، ومن بَعْدَهم، والشَّافعيَّةِ والمالكيَّةِ والحنابلةِ، والكُلَّابيَّةِ والأشْعَريَّةِ) 703 .

وممَّا سبق يتبيَّن أنَّ الماتُريديَّةَ لا يرونَ الاستثناءَ في الإيمانِ، والأشْعَريَّةُ يرونَه، لكِنْ مَذهَبُ الماتُريديَّةِ أوفَقُ بأصلِهم، وهو أنَّ الإيمانَ هو التَّصديقُ، وأنَّه لا يزيدُ ولا ينقُصُ، وإن كان أصلُهم وفرعُهم كلاهما باطِلٌ مخالِفٌ لمَذهَبِ السَّلَفِ.

أمَّا الأشْعَريَّةُ فقد وقعوا في تناقُضٍ واضحٍ؛ حيثُ نَصَروا مَذهَبَ السَّلَفِ في الاستثناءِ، مع مناصرتِهم لمَذهَبِ الجَهْميَّةِ في الإيمانِ 704 .

والحقُّ في هذا البابِ الاستثناءُ في الإيمانِ لأجْلِ أنَّ الإيمانَ يتضمَّنُ فِعلَ الواجباتِ، فلا يشهَدُ الرَّجُلُ لنَفْسِه بذلك، كما لا يشهَدُ لها بالبِرِّ والتَّقوى؛ فإنَّ ذلك لا يعلَمُه، بل هو تزكيةٌ للنَّفسِ بلا عِلمٍ.

وهذا هو مَذهَبُ السَّلَفِ أصحابِ الحديثِ، كابنِ مَسعودٍ وأصحابِه، والثَّوريِّ، وابنِ عُيَينةَ، وأكثَرِ عُلَماءِ الكُوفةِ، ويحيى بنِ سعيدٍ القَطَّانِ فيما يَرويه عن عُلَماءِ البَصرةِ، وأحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وغَيرِه من أئمَّةِ السُّنَّةِ، فكُلُّهم كانوا يستثنون في الإيمانِ، وهذا متواتِرٌ عنهم 705 .