ما أن تتفرَّقَ الأمَّةُ وتُخالِفَ أمرَ اللهِ تعالى لها بالتِزامِ الجماعةِ وسُلوكِ الصِّراطِ المُستقيمِ، إلَّا وتقوى الفُرقةُ، وتُوقَدُ معَها الفِتنةُ، وتُنشَرُ معَها البِدعةُ؛ ممَّا يزيدُ الأمَّةَ وَهْنًا، والمُسلِمينَ بلاءً.

عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضِي اللهُ عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال عن الخوارِجِ: يخرُجونَ على حينِ فُرقةٍ مِن النَّاسِ 273 .

قال ابنُ تيميَّةَ: (تجِدُ الإسلامَ والإيمانَ كُلَّما ظهَر وقوِي كانت السُّنَّةُ وأهلُها أظهَرَ وأقوى، وإن ظهَر شيءٌ مِن الكُفرِ والنِّفاقِ ظهرَت البِدَعُ بحسَبِ ذلك، مِثلُ: دولةِ المَهديِّ، والرَّشيدِ، ونَحوِهما ممَّن كان يُعظِّمُ الإسلامَ والإيمانَ، ويغزو أعداءَه مِن الكُفَّارِ والمُنافِقينَ، كان أهلُ السُّنَّةِ في تلك الأيَّامِ أقوى وأكثَرَ، وأهلُ البِدَعِ أذَلَّ وأقَلَّ...، وفي دَولةِ أبي العبَّاسِ المأمونِ ظهَر الخُرَّمِيَّةُ 274 ونَحوُهم مِن المُنافِقينَ، وعَرَّب مِن كُتبِ الأوائِلِ المجلوبةِ مِن بلادِ الرُّومِ ما انتشَر بسببِه مقالاتُ الصَّابِئينَ، وراسَل مُلوكَ المُشرِكينَ مِن الهُنودِ ونَحوِهم، حتَّى صار بَينَه وبَينَهم مودَّةٌ، فلمَّا ظهَر ما ظهَر مِن الكُفرِ والنِّفاقِ في المُسلِمينَ، وقوِي ما قوِي مِن حالِ المُشرِكينَ وأهلِ الكتابِ؛ كان مِن أثرِ ذلك ما ظهَر مِن استِيلاءِ الجَهميَّةِ والرَّافِضةِ وغَيرِهم مِن أهلِ الضَّلالِ، وتقريبِ الصَّابِئةِ ونَحوِهم مِن المُتفلسِفةِ...، فتولَّد عن ذلك مِحنةُ الجَهميَّةِ، حتَّى امتُحِنَت الأمَّةُ بنَفيِ الصِّفاتِ، والتَّكذيبِ بكلامِ اللهِ ورُؤيتِه، وجرى مِن مِحنةِ الإمامِ أحمَدَ وغَيرِه ما جرى ممَّا يطولُ وَصفُهـ) 275 .