ذهب جمهورُ الأشْعَريَّةِ إلى أنَّ الإرادةَ والرِّضا متَّحِدانِ؛ فالله تعالى كما يريدُ الكُفرَ يُحبُّه 729 ، وذهبت الماتُريديَّةُ إلى أنَّ الإرادةَ لا تستلزِمُ الرِّضا والمحبَّةَ 730 .
واختلف النَّقلُ عن أبي حنيفةَ؛ فالمنصوصُ في كتُبِه التي نُسِبَت إليه: أنَّ الإرادةَ لا تستلزِمُ الرِّضا، فالمعاصي والكُفرُ مرادُ اللهِ تعالى مع عَدَمِ رِضا اللهِ تعالى بذلك 731 .
ونُسِب إليه أنَّ الإرادةَ والرِّضا متَّحِدان 732 ، وقيل: إنَّ هذا القولَ مكذوبٌ عليه 733 .
واختار كثيرٌ من الأشْعَريَّةِ مَذهَبَ الماتُريديَّةِ في هذه المسألةِ 734 .
وقد نقل بعضُ الأشْعَريَّةِ عن أبي الحسَنِ الأشْعَريِّ أنَّه يفَرِّقُ بَينَ الإرادةِ والرِّضا 735 .
ونَسَب إليه بعضُ الماتُريديَّةِ أنَّه قال: إنَّ اللهَ تعالى يرضى الكُفرَ والمعاصيَ ويحِبُّهما، وأنَّ المحبَّةَ بمعنى الإرادةِ 736 .
ولم نجِدِ الأشْعَريَّ يصرِّحْ بذلك في كتُبِه، لكنَّه قال: (الإرادةُ سائِرُ المُحدَثاتِ) 737 .
ولا شكَّ أنَّ مَذهَبَ الأشْعَريَّةِ ظاهِرُ البُطلانِ، والصَّوابُ التَّفريقُ بَينَ الإرادةِ والرِّضا، وأنَّ الإرادةَ نوعانِ: إرادةٌ كونيَّةٌ، وإرادةٌ شرعيَّةٌ؛ فالإرادةُ الكونيَّةُ لا بُدَّ من وقوعِها، ولا تستلزِمُ الرِّضا، والإرادةُ الشَّرعيَّةُ تَستلزِمُ الرِّضا، لكِنَّها قد تقع وقد لا تقَعُ، والأشْعَريَّةُ في عدَمِ تفريقِهم بَينَ الإرادةِ والرِّضا تابعوا المُعتزِلةَ 738 .
فقولُ الماتُريديَّةِ هو الحقُّ الموافِقُ لقَولِ السَّلَفِ في التَّفريقِ بَينَ الإرادةِ وبَينَ الرِّضا، وحاصِلُه: أنَّ الإرادةَ نوعانِ: إرادةٌ كونيَّةٌ خَلْقيَّةٌ، وإرادةٌ أمْريَّةٌ شَرعيَّةٌ، فالإرادةُ الشَّرعيَّةُ: هي المتضَمِّنةُ للمَحَبَّةِ والرِّضا، والإرادةُ الكونيَّةُ هي الشَّامِلةُ لجميعِ الموجوداتِ 739 .
فالنِّسبةُ بَينَ الإرادةِ الكونيَّةِ وبَينَ الرِّضا على مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ نسبةُ عُمومٍ وخُصوصٍ من وجهٍ، يقتضي مادَّةً للاجتماعِ، ومادَّتينِ للافتراقِ.
فمادَّةُ الاجتماعِ، كإسلامِ أبي بكرٍ رَضِيَ الله عنه، فهو مرادٌ كَونًا؛ لأنَّه قد وقع، ومَرْضِيٌّ عِندَ اللهِ؛ لأنَّه من الشَّرعِ.
أمَّا مادَّةُ وُجودِ الإرادةِ الكونيَّةِ دونَ الرِّضا، فككُفرِ أبي جهلٍ؛ فهو غيرُ خارجٍ عن مشيئةِ اللهِ الكونيَّةِ، دونَ رضاه تعالى؛ فاللهُ لا يرضى لعبادِه الكُفرَ.
وأمَّا مادَّةُ وُجودِ الرِّضا دونَ الإرادةِ الكونيَّةِ: كإسلامِ أبي جهلٍ، فهو مرادٌ شرعًا، وهو ممَّا يرضى اللهُ تعالى به لو أسلَمَ، ولكِنَّه غيرُ مُرادٍ كَونًا؛ لأنَّه لم يقَعْ.
والنِّسبةُ بَينَ الإرادةِ الشَّرعيَّةِ وبَينَ الرِّضا نسبةُ المساواةِ، فكُلُّ مرادٍ لله شرعًا مَرْضيٌّ عِندَ الله تعالى، وبالعَكسِ 740 .
ومن أوضَحِ الحُجَجِ على الفَرقِ بَينَ الإرادةِ الكونيَّةِ وبَينَ الرِّضا والمحبَّةِ: قولُه تعالى: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 7] .
وقولُه تعالى: قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: 28-29] .
فهذا وأمثالُه في الرِّضا والإرادةِ الشَّرعيَّةِ والأمرِ.
وأمَّا في الإرادةِ الكونيَّةِ فكَقولِه تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ [الإنسان: 30] .
وقولِ المُسلِمين في جميعِ الأعصارِ والأمصارِ قَبلَ ظُهورِ البِدَعِ: (ما شاء اللهُ كان، وما لم يشأْ لم يكُنْ)، حتى باعترافِ الأشْعَريَّةِ 741 .
لكنَّ الأشْعَريَّةَ يحرِّفون جميعَ تلك النُّصوصِ الدَّالَّةِ على أنَّ اللهَ تعالى لا يرضى الكُفرَ والمعاصيَ 742 .
وبهذا العَرضِ يتبيَّنُ أنَّ الخِلافَ بَينَ الماتُريديَّةِ والأشْعَريَّةِ في هذه المسألةِ خِلافٌ مَعنويٌّ لا لفظيٌّ كما زعم التَّاجُ السُّبكيُّ وأبو عَذبةَ 743 .
وممَّا يبطِلُ مَذهَبَ الأشْعَريَّةِ في اتحادِ الإرادةِ والرِّضا أنَّه يلزَمُهم القولُ بتخَلُّفِ وقوعِ مرادِ اللهِ تعالى؛ إذ كثيرٌ ممَّا يحبُّه اللهُ تعالى ويرضاه لم يقَعْ 744 .