نَقَلَ البَغَويُّ إجْماعَ الصَّحابةِ والتابِعينَ وعُلماءِ أهلِ السُّنَّةِ على مُعاداةِ أهلِ البِدَعِ؛ حَيثُ قال: (قد مَضَتِ الصَّحابةُ والتابِعونَ وأتباعُهم وعُلماءُ السُّنَّة على هذا مُجْمِعِين مُتَّفِقِين، على مُعاداةِ أهلِ البِدَعِ، ومُهاجَرَتِهم) 1183.
قال صالِحُ بنُ أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: (كَتَبَ رَجُلٌ إلى أبي رَحِمَهُ اللَّهُ يَسألُه عن مُناظَرةِ أهلِ الكَلامِ والجُلوسِ مَعَهم؟ فأملَى عَلَيَّ جَوابَه: أحسَنُ اللَّهُ عاقِبَتَكَ، ودَفَعَ عنكَ كُلَّ مَكروهٍ ومَحذورٍ، الَّذي كُنَّا نَسمَعُ وأدرَكنا عليه مَن أدرَكنا من أهلِ العِلمِ: أنَّهم كانوا يَكرَهونَ الكَلامَ والخَوضَ مَعَ أهلِ الزَّيغِ، وإنَّما الأمرُ في التسليمِ والانتِهاءِ إلى ما في كِتابِ اللهِ جَلَّ وعزَّ لا نَعْدو ذلك، ولم يَزَلِ النَّاسُ يَكرَهونَ كُلَّ مُحدَثٍ من وَضعِ كِتابٍ أو جُلوسٍ مَعَ مُبتَدِعٍ ليُورِدَ عليه بَعضَ ما يُلَبِّسُ عليه في دينِه، فالسَّلامةُ إنْ شاءَ اللهُ في تَركِ مُجالَسَتِهم والخَوضِ مَعَهم في بِدعَتِهم وضَلالَتِهم) 1184.
وقال البَربَهاريُّ مُحذِّرًا مِمَّن يُصِرُّ على مَجالَسةِ أهلِ الأهواءِ بَعدَما عَلِمَ حالَهم: (إذا رَأيتَ الرَّجُلَ جالِسًا مَعَ رَجُلٍ من أهلِ الأهواءِ، فحَذِّرْه وعَرِّفْه، فإنْ جَلسَ مَعَهُ بَعدَما عَلِمَ، فاتِّقِه؛ فإنَّه صاحِبُ هوًى) 1185.
وقال ابنُ بَطَّةَ العُكبَريُّ مُنَبِّهًا على أنَّ من ناصَرَ أهلَ البِدَعِ فإنَّه يُعطَى حُكْمَهم وإنْ أظهرَ السُّنَّةَ: (من السُّنَّةِ مُجانَبةُ كُلِّ مَنِ اعتَقدَ شَيئًا مِمَّا ذَكَرناهُ أي: من البِدَعِ وهِجرانُه، والمَقْتُ لَهُ، وهِجرانُ من والاهُ ونَصَرُه وذَبَّ عنه وصاحَبَهُ، وإن كان الفاعِلُ لذلك يُظهِرُ السُّنَّةَ) 1186.
وقال أبو عُثمانَ الصَّابونيُّ في صِفاتِ أهلِ السُّنَّة والجَماعةِ أنَّهم: (يُبغِضونَ أهلَ البِدَعِ الَّذينَ أحدَثوا في الدِّينِ ما لَيسَ منه، ولا يُحِبُّونَهم، ولا يَصحَبونَهم، ولا يَسمَعونَ كلامَهم، ولا يُجالِسونَهم، ولا يُجادِلونَهم في الدِّينِ، ولا يُناظِرونَهم، ويَرَونَ صَوْنَ آذانِهم عن سَماعِ أباطيلِهم الَّتي إذا مَرَّت بالآذانِ وقَرَّت في القُلوبِ ضَرَّت وجَرَّت إليها من الوَساوِسِ والخَطَراتِ الفاسِدةِ ما جَرَّت، وفيه أنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَولَه: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه [الأنعام: 68] ) 1187.
وقال البَغَويُّ في التحذيرِ من أهلِ البِدَعِ: (قد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ افتِراقِ هذه الأمَّةِ، وظُهورِ الأهواءِ والبِدَعِ فيهم، وحَكَمَ بالنَّجاةِ لمنِ اتَّبَع سُنَّتَه وسُنَّةَ أصحابِه رَضيَ اللهُ عنهم، فعلى المَرءِ المُسلِمِ إذا رَأى رَجُلًا يَتَعاطَى شَيئًا من الأهواءِ والبِدَعِ مُعتَقِدًا، أو يَتَهاوَنُ بشَيءٍ من السُّنَنِ: أن يَهجُرَه ويَتَبَرَّأَ منه، ويَترُكَه حَيًّا وميِّتًا، فلا يُسَلِّمُ عليه إذا لَقِيَه، ولا يُجيبُه إذا ابتَدَأ، إلى أن يَترُكَ بِدعَتَه ويُراجِعَ الحَقَّ.
والنَّهيُ عنِ الهِجرانِ فوقَ الثَّلاثِ فيما يَقَعُ بَينَ الرَّجُلَين من التقصيرِ في حُقوقِ الصُّحبةِ والعِشْرةِ دونَ ما كان ذلك في حَقِّ الدِّينِ؛ فإنَّ هِجرةَ أهلِ الأهواءِ والبِدَعِ دائِمةٌ إلى أن يَتوبوا) 1188.
وقال ابنُ قدامةَ: (من السُّنَّة: هِجرانُ أهلِ البِدَعِ ومُبايِنَتُهم، وتَركُ الجِدالِ والخُصوماتِ في الدِّينِ، وتَرْكُ النَّظَرِ في كُتُبِ المُبتَدِعةِ والإصغاءِ إلى كلامِهم، وكُلُّ مُحْدَثةٍ في الدِّينِ بِدعةٌ) 1189.
قال ابنُ عُثَيمين شارِحًا: (هِجرانُ أهلِ البِدَعِ.
الهِجرانُ: مَصدَرُ هجَرَ، وهو لُغةً: التركُ، والمُرادُ بهِجرانِ أهلِ البِدَعِ الابتِعادُ عنهم، وتَرْكُ مَحَبَّتِهم وموالاتِهم والسَّلامِ عليهم وزيارَتِهم وعيادَتِهم ونَحوِ ذلك.
وهِجرانُ أهلِ البِدَعِ واجِبٌ؛ لقَولِه تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المُجادَلة: 22] .
ولِأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هجَرَ كعبَ بنَ مالِكٍ وصاحِبَيه حينَ تَخَلَّفوا عن غَزوةِ تَبوك 1190.
لَكِن إن كان في مُجالَسَتِهم مَصلَحةٌ لتَبيينِ الحَقِّ لَهم وتَحذيرِهم من البِدعةِ، فلا بَأسَ بذلك، ورُبَّما يَكونُ ذلك مَطلوبًا؛ لقَولِه تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] ، وهذا قد يَكونُ بالمُجالَسةِ والمُشافَهةِ، وقد يَكونُ بالمُراسَلةِ والمُكاتَبةِ.
ومِن هجْرِ أهلِ البِدَعِ تَرْكُ النَّظَرِ في كُتُبِهم خَوفًا من الفِتنةِ بها أو تَرويجِها بَينَ النَّاسِ، فالابتِعادُ عن مَواطِنِ الضَّلالِ واجِبٌ؛ لقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الدَّجَّالِ: من سَمِعَ به فليَنْأَ عنه، فواللهِ إنَّ الرَّجُلَ ليَأتيه وهو يَحسَبُ أنَّه مُؤمِنٌ، فيَتبَعُه؛ مِمَّا يُبعَثُ به من الشُّبُهاتِ!
1191...
لَكِنْ إن كان الغَرَضُ من النَّظَرِ في كُتُبهم مَعرِفةَ بِدعَتِهم للرَّدِّ عليها، فلا بَأسَ بذلك لِمَن كان عِندَهُ من العَقيدةِ الصَّحيحةِ ما يَتَحَصَّنُ به، وكان قادِرًا على الرَّدِّ عليهم، بَل رُبَّما كان واجِبًا؛ لأنَّ رَدَّ البِدعةِ واجِبٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به فهو واجِبٌ...
ويَنقَسِمُ الخِصامُ والجِدالُ في الدِّينِ إلى قِسمَين:
الأوَّلُ: أن يَكونَ الغَرَضُ من ذلك إثباتَ الحَقِّ وإبطالَ الباطِلِ، وهذا مَأمورٌ به إمَّا وُجوبًا أوِ استِحبابًا بحَسَبِ الحالِ؛ لقَولِه تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] .
الثَّاني: أن يَكونَ الغَرَضُ منه التعنيتَ أو الانتِصارَ للنَّفسِ أو للباطِلِ، فهذا قَبيحٌ منهيٌّ عنه؛ لقَولِه تعالى: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافِر: 4] ، وقَولِه: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر: 5] ) 1192.
وقال ابنُ جبرين شارِحًا كلامَ ابنِ قُدامةَ: (يَجِبُ هَجرُ أهلِ البِدَعِ وبُغْضُهم ومُبايَنَتُهم أي: فِراقُهم، كما يَجِبُ مَقْتُهم والتحقيرُ من شَأنِهم، والتحذيرُ من شَرِّهم، وكُلُّ ما فيه إذلالُهم وإهانَتُهم مِمَّا يُسَبِّبُ رُجوعَهم إلى السُّنَّةِ، أوِ التحذيرَ منهم، وعَدَمَ الانخِداعِ بزُخرُفِهم.
وأمَّا الجِدالُ المَنهيُّ عنه فهو: الخَوضُ بلا عِلمٍ ولا بُرهانٍ، والتقَعُّرُ في عِلمِ الكَلامِ الَّذي لا فائِدةَ فيه، أو فيه مَضَرَّةٌ. فأمَّا المُجادَلةُ بالَّتي هيَ أحسَنُ، فقد أمرَ اللَّهُ بها لإظهارِ الحَقِّ، أو قَمعِ المُبْطِلِين، ودَحْضِ المُبتَدِعينَ.
والنَّهيُ عن قِراءةِ كُتُبِ البِدَعِ وأهلِ الإلحادِ والشِّركِ، وكَذا الإصغاءُ إلى كلامِهم؛ لئَلَّا يَعلَقَ بالذِّهنِ شَيءٌ من شُبَهِهم مِمَّا يُسَبِّبُ المَيلَ إليهم، أو تَحسينَ مَذْهَبِهم، أو تَفضيلَه على مَذهبِ أهلِ السُّنَّةِ ومُعتَقَدِهم، ولَكِن يَجوزُ للعالمِ المُتَمَكِّنِ قِراءةُ كُتُبِهم للرَّدِّ عليها، وإظهارِ تَناقُضِها، وقَلبِ أدِلَّتِهم عليهم؛ لأنَّه لا يُخافُ عليه الانخِداعُ بتِلكَ الشُّبَهـ) 1193.
وقال الشَّاطِبيُّ في مُعامَلةِ أهلِ البِدَعِ: (إنَّ القيامَ عليهم بالتثريبِ أوِ التنكيلِ أوِ الطَّردِ أوِ الإبعادِ أوِ الإنكارِ هو بحَسَبِ حالِ البِدعةِ في نَفسِها من كونِها عَظيمةَ المُفسَدةِ في الدِّينِ أو لا، وكَونِ صاحِبِها مُشتَهِرًا بها أو لا، وداعيًا إليها أو لا، ومُستَظهِرًا بالأتباعِ أو لا، وخارِجًا على النَّاسِ أو لا، وكَونِه عامِلًا بها على جِهةِ الجَهْلِ بها أو لا.
وكُلٌّ من هذه الأقسامِ لَهُ اجتِهادٌ يَخُصُّه؛ إذ لم يَأتِ في الشَّرعِ في البِدعةِ حَدٌّ لا يُزادُ عليه ولا يُنقَصُ منه، كما جاءَ في كَثيرٍ مِنَ المَعاصي؛ كالسَّرِقةِ والحِرابةِ والقَتلِ والقَذفِ والجِراحِ والخَمرِ وغَيرِ ذلك، لا جَرمَ أنَّ المُجتَهدِين من الأمَّةِ نَظَروا فيها بحَسَبِ النَّوازِلِ، وحَكَموا باجتِهادِ الرَّأيِ، تَفريعًا على ما تَقدَّمُ لَهم في بَعضِها من النَّصِّ، كما جاءَ في الخَوارِجِ من الأمرِ بقَتلِهم 1194 ، وما جاءَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه في صَبيغٍ العِراقيِّ 1195.
فخَرج من مَجموعِ ما تَكَلَّمَ فيه العُلماءُ أنواعٌ:
أحَدُها: الإرشادُ والتعليمُ وإقامةُ الحُجَّةِ، كمَسألةِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما حينَ ذَهبَ إلى الخوارِجِ فكَلَّمَهم حَتَّى رَجَعَ منهم ألفانِ أو ثَلاثةُ آلافٍ 1196 ، ومَسألةِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ مَعَ غَيلانَ، وشِبهِ ذلك.
والثَّاني: الهِجرانُ، وتَركُ الكَلامِ والسَّلامِ، حَسَبَما تَقدَّمَ عن جُملةٍ من السَّلَفِ في هِجرانِهم لِمَن تَلبَّسَ ببِدْعةٍ، وما جاءَ عن عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه في قِصَّةِ صَبيغٍ العِراقيِّ.
والثَّالِثُ: التغريبُ كما غَرَّبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ صَبيغًا، ويَجري مَجراهُ السَّجْنُ، وهو:
الرَّابِعُ: كما سَجَنوا الحَلَّاجَ قَبلَ قَتلِه سِنينَ عِدَّةً.
والخامِسُ: ذِكرُهم بما هم عليه، وإشاعةُ بِدعَتِهم كي يُحذَروا؛ لئَلَّا يُغتَرَّ بكَلامِهم، كما جاءَ عن كَثيرٍ مِنَ السَّلَفِ في ذلك.
والسَّادِسُ: القِتالُ إذا ناصَبوا المُسلِمينَ، وخَرَجوا عليهم، كما قاتَلَ عَلِيٌّ رَضيَ اللهُ عنه الخَوارِجَ، وغَيرُه من خُلفاءِ السُّنَّة.
والسَّابِعُ: القَتلُ إن لم يَرجِعوا مَعَ الاستِتابةِ، فيمن أظهرَ بِدعَتَه، وأمَّا من أسَرَّها وكانت كُفرًا أو ما يَرجِعُ إليه، فالقَتلُ بلا استِتابةٍ، وهو:
الثَّامن: لأنَّه من بابِ النِّفاقِ كالزَّندَقةِ.
والتاسِعُ: تَكفيرُ من دَلَّ الدَّليلُ على كُفرِه، كما إذا كانتِ البِدعةُ صَريحةً في الكُفْرِ؛ كالإباحيَّةِ، والقائِلِين بالحُلولِ كالباطِنيَّةِ... ويَنبِني على ذلك:
الوَجهُ العاشِرُ: وذلك أنَّه لا يَرِثُهم وَرَثَتُهم من المُسلِمينَ، ولا يَرِثونَ أحَدًا منهم، ولا يُغَسَّلونَ إذا ماتوا، ولا يُصَلَّى عليهم، ولا يُدفَنونَ في مَقابِرِ المُسلِمينَ، ما لم يَكُن مُستَتِرًا؛ فإنَّ المُستَتِرَ يُحكَمُ لَهُ بحُكمِ الظَّاهِرِ، ووَرَثَتُهُ أعرَفُ به بالنِّسبةِ إلى الميراثِ.
والحادي عَشَرَ: الأمرُ بألا يُناكَحوا، وهو من ناحيةِ الهِجرانِ، وعَدَمِ المواصَلةِ.
والثَّاني عَشَرَ: تَجريحُهم على الجُملةِ، فلا تُقبَلُ شَهادَتُه، ولا رِوايَتُهم، ولا يُكونونَ وُلاةً ولا قُضاةً، ولا يُنصَبُونَ في مَناصِبِ العَدَالةِ من إمامةٍ أو خَطابةٍ، إلَّا أنَّه قد ثَبَتَ عن جُملةٍ من السَّلَفِ رِوايةُ جَماعةٍ منهم، واختَلَفوا في الصَّلاةِ خَلفَ أهلِ البِدَعِ بالجَوازِ والكَراهةِ والمَنعِ، ومنهم من جَعلَ تَرْكَ الصَّلاةِ خَلفَهم من بابِ الأدَبِ ليَرجِعوا عَمَّا هم عليه.
والثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْكُ عيادةِ مَرضاهم، وهو من بابِ الزَّجْرِ والعُقوبةِ.
والرَّابِعَ عَشَرَ: تَرْكُ شُهودِ جَنائِزِهم كذلك.
والخامِسَ عَشَرَ: الضَّربُ، كما ضَرَبَ عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه صَبيغًا.
ورُوِيَ عن مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه في القائِلِ بالمَخلوقِ 1197 : «أنَّه يوجَعُ ضَربًا، ويُسْجَنُ حَتَّى يَتوبَ».
ورَأيتُ في بَعضِ تَواريخِ بَغدادَ عنِ الشَّافِعيِّ أنَّه قال: «حُكْمي في أصحابِ الكَلامِ أن يُضرَبوا بالجَرائِدِ، ويُحمَلوا على الإبلِ، ويُطافَ بهم في العَشائِرِ والقَبائِلِ، ويُقالُ: هذا جَزاءُ من تَركَ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وأخذَ في الكَلامِ»، يَعني أهلَ البِدَعِ) 1198.
وقال ابنُ باز في مُعامَلةِ أهلِ البِدَعِ: (الواجِبُ هَجْرُهم على بِدعَتِهم إذا أظهروا البِدعةَ، فالواجِبُ هَجْرُهم بَعدَ النَّصيحةِ والتوجيهِ، فإنَّ المُسلِمَ يَنصَحُ أخاهُ، ويُحذِّرُهم مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عليهم من البِدَعِ والمَعاصي الظَّاهِرةِ، فإن تاب وإلَّا استَحَقَّ أن يُهجَرَ ولا يُعامَلَ، لَعَلَّه يَتوبُ، لَعَلَّه يَندَمُ، لَعَلَّه يَرجِعُ إلى الصَّوابِ، إلَّا إذا كان الهجْرُ يَتَرَتَّبُ عليه ما لا تُحمَدُ عُقباهُ؛ فإنَّه يَترُكُه إذا كان تَركُه أصلَحَ في الدِّينِ، وأكثَرَ للخَيرِ وأقرَبَ إلى النَّجاحِ، فإنَّه لا يَهجُرُه بَل يُداوِمُ على نُصحِه وتَحذيرِه من الباطِلِ ولا يَهجُرُه، قد يَهديه اللَّهُ بسَبَبِ ذلك، فالمُؤمن كالطَّبيبِ إذا رَأى العِلاجَ نافِعًا فعلَهُ، وإذا رَآهُ لَيسَ بنافِعٍ تَركَه، فالهجْرُ من بابِ العِلاجِ، فإن كان الهجْرُ يُؤَثِّرُ خَيرًا ويَنفَعُ هَجَرَ، وكان ذلك من بابِ العِلاجِ، لَعَلَّهُ يَتوب ولَعَلَّهُ يَرجِعُ عنِ الخَطَأِ، إذا رَأى من إخوانِه أنَّهم يَهجرونَهُ، أمَّا إن كان الهَجْرُ يُسَبِّبُ مَزيدًا من الشَّرِّ، وكَثرةَ أهلِ الشَّرِّ وتَعاوُنَهم، فإنَّه لا يَهجُرُ، ولَكِن يُديمُ النُّصحَ لَهُ والتوجيهَ وإظهارَ الكَراهةِ لِما عَمِلَ، ويُبَيِّنُ لَهُ عَدَمَ موافَقَتِه على باطِلِه، ولَكِن يَستَمِرُّ في النَّصيحةِ والتوجيهـ) 1199.
وقال ابنُ باز أيضًا: (المُؤْمِنُ يَنظُرُ في هذه المَقاماتِ بنَظَرِ الإيمانِ ونَظَرِ الشَّرعِ، ونَظَرِ التجَرُّدِ مِنَ الهوى، فإذا كان هجرُه للمُبتَدِعِ وبُعْدُهُ عنه لا يَتَرَتَّبُ عليه شَرٌّ أعظَمُ، فإنَّ هَجْرَهُ حَقٌّ، وأقَلُّ أحوالِه أن يَكونَ سُنَّةً، وهكَذا من أعلَنَ المَعاصيَ وأظهرَها، أقَلُّ أحوالِه أنَّ هَجْرَهُ سُنَّةٌ، فإن كان عَدَمُ الهَجْرِ أصلَحَ؛ لأنَّه يَرَى أنَّ دَعوةَ هؤلاء المُبتَدِعينَ وإرشادَهم إلى السُّنَّة، وتَعليمَهم ما أوجَبَ اللَّهُ عليهم، أنَّ ذلك يُؤَثِّرُ فيهم وأنَّه يُفيدُهم، فلا يَعْجَلُ في الهَجْرِ، ومَعَ ذلك يُبغِضُهم في اللَّهِ، كما يُبغِضُ الكافِرَ في اللَّهِ، ويُبغِضُ العُصاةَ في اللَّهِ، على قَدْرِ مَعاصيهم وعلى قدرِ البِدْعةِ، وبُغْضُ الكافِرِ أشَدُّ، وبُغْضُ المُبتَدِعِ على قَدْرِ بِدعَتِه إذا كانت بِدعَتُه غَيرَ مُكَفِّرةٍ، على قَدْرِها، وبُغْضُ العاصي على قَدْرِ مَعصيَتِه، ويُحِبُّه في اللهِ على قَدْرِ إسلامِه...
الحاصِلُ أنَّ الأرجَحَ والأَولَى النَّظَرُ في المَصلَحةِ، فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هجَرَ قَومًا وتَرَكَ آخَرين لم يَهجُرْهم، مُراعاةً للمِصلَحةِ الشَّرعيَّةِ الإسلاميَّةِ؛ فهجَر كعبَ بنَ مالِكٍ وصاحِبَيه رَضيَ اللهُ عنهم، لَمَّا تَخلَّفوا عن غَزوةِ تَبُوكَ بغَيرِ عُذرٍ، هَجرَهم خَمسِينَ لَيلةً، فتابوا فتابَ اللَّهُ عليهم 1200 ، ولم يَهجُرْ عَبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ بنَ سُلولَ، وجَماعةً من المُتَّهمِينَ بالنِّفاقِ؛ لأسبابٍ شَرعيَّةٍ اقتَضَت ذلك، فالمُؤمِنُ يَنظُرُ في الأصلَحِ، وهذا لا يُنافي بُغْضَ الكافِرِ في اللَّهِ، وبُغْضَ المُبتَدِعِ في اللَّهِ، وبُغْضَ العاصي في اللَّهِ، ومَحِبَّةَ المُسلِمِ في اللَّهِ. ومَحَبَّةُ العاصي على قدرِ إسلامِه، ومَحَبَّةُ المُبتَدِعِ الَّذي لم يُعلِنْ بِدعَتَه على قَدْرِ ما مَعَهُ من الإسلامِ؛ لا يُنافي ذلك، أمَّا هَجْرُهم فيُنظَرُ للمَصلَحةِ، فإذا كان هَجْرُهم يُرجَى فيه خَيرٌ لَهم، ويُرجَى أن يَتوبوا من البِدعةِ ومن المَعصيةِ، فإنَّ السُّنَّة الهَجْرُ، وقد أوجَبَ ذلك جَمعٌ من أهلِ العِلمِ، قالوا: يَجِبُ. وإن كان هَجْرُهم وتَركُه سَواءً لا يَتَرَتَّبُ عليه لا شَرٌّ ولا خَيرٌ، فهَجْرُهم أَولَى أيضًا، إظهارًا لأمرٍ مَشروعٍ، وإبانةً لِما يَجِبُ من إظهارِ إنكارِ المُنكَرِ، هَجْرُهُ بأيِّ حالٍ أَولَى وأسلَمُ، وحَتَّى يَعلمَ النَّاسُ خَطَأهم وغَلطَهم. الحالةُ الثَّالِثةُ: أن يَكونَ هَجْرُهم يَتَرَتَّبُ عليه مَفسَدةٌ وشَرٌّ أكبَرُ، فإنَّه لا يَهجُرُهم في هذه الحالةِ، إذا كان هذا المُبتَدِعُ إذا هُجِرَ زادَ شَرُّه على النَّاسِ وانطَلَقَ في الدَّعوةِ إلى البِدْعةِ، وزادَت بِدَعُه وشُرورُه، واستَغلَّ الهَجْرَ في دَعوةِ النَّاسِ إلى الباطِلِ، فإنَّه لا يُهجَرُ بَل يُناقَشُ ويُحذَّرُ النَّاسُ منه، ولا يَكونُ النَّاسُ عنه بَعيدِين، حَتَّى يُراقِبوا عَمَلَهُ وحَتَّى يَمنَعوهُ من التوَسُّعِ في بِدْعَتِه، وحَتَّى يُحَذِّروا النَّاسَ منه، وحَتَّى يُكَرِّروا عليه الدَّعوةَ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَهْديه حَتَّى يَسلَمَ النَّاسُ من شَرِّهـ) 1201.
وقال ابنُ عُثَيمين: (البِدَعُ تَنقَسِمُ إلى قِسمَين:
بدَعٌ مُكَفِّرةٌ، وبِدَعٌ دونَ ذلك. وفي كِلا القِسمَين يَجِبُ عَلَينا نَحنُ أن نَدعوَ هؤلاء الَّذينَ يَنتَسِبونَ إلى الإسلامِ ومَعَهمُ البِدَعُ المُكَفِّرةُ وما دونَها، إلى الحَقِّ؛ ببَيانِ الحَقِّ دونَ أن نُهاجِمَ ما هم عليه إلَّا بَعدَ أن نَعرِفَ منهم الاستِكبارَ عن قَبولِ الحَقِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 108] ، فنَدعو أوَّلًا هؤلاء إلى الحَقِّ ببَيانِ الحَقِّ وإيضاحِه بأدِلَّتِه، والحَقُّ مَقبولٌ لَدَى كُلِّ ذي فطرةٍ سَليمةٍ، فإذا وُجِدَ العِنادُ والاستِكبارُ فإنَّنا نُبَيِّنُ باطِلَهم، على أنَّ بَيانَ باطِلِهم في غَيرِ مُجادَلَتِهم أمرٌ واجِبٌ.
أمَّا هَجْرُهم فهذا يَتَرَتَّبُ على البِدعةِ، فإذا كانتِ البِدعةُ مُكَفِّرةً وجَبَ هجرُهُ، وإذا كانت دونَ ذلك فإنَّنا نَتَوَقَّفُ في هَجْرِه؛ إن كان في هَجْرِه مَصلَحةٌ فعَلناهُ، وإن لم يَكُن فيه مَصلَحةُ اجتَنَبناهُ، وذلك أنَّ الأصلَ في المُؤمِنِ تَحريمُ هَجْرِه؛ لقَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا يَحِلُّ لرَجُلٍ مُؤمِنٍ أن يَهجُرَ أخاهُ فوقَ ثَلاثٍ » 1202 فكُلُّ مُؤمنٍ وإن كان فاسِقًا فإنَّه يَحرُمُ هَجرُهُ ما لم يَكُن في الهَجْرِ مَصلَحةٌ، فإذا كان في الهَجْرِ مَصلَحةٌ هجَرْناهُ؛ لأنَّ الهَجْرَ حينَئِذٍ دَواءٌ، أمَّا إذا لم يَكُن فيه مَصلَحةٌ أو كان فيه زيادةٌ في المَعصيةِ والعُتوِّ، فإنَّ ما لا مَصلَحةَ فيه تَركُه هو المَصلَحةُ.
فإنْ قال قائِلٌ: يَرِدُ على ذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هجَرَ كعبَ بنَ مالِكٍ وصاحِبيه الَّذينَ تَخَلَّفوا عن غَزوةِ تَبُوكَ؟
فالجَوابُ: أنَّ هذا حَصَلَ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأمرَ الصَّحابةَ بهَجرِهم؛ لأنَّ في هَجرِهم فائِدةً عَظيمةً، فقدِ ازدادوا تَمَسُّكًا بما هم عليه، حَتَّى إنَّ كعبَ بنَ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه جاءَهُ كِتابٌ من مَلِكِ غَسَّانَ يَقولُ فيه بأنَّه سَمِعَ أنَّ صاحِبَكَ -يَعني الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قد جَفاكَ وأنَّكَ لَستَ بدارِ هوانٍ ولا مَذَلَّةٍ؛ فالحَقْ بنا نُواسِكْ. فقامَ كعبٌ مَعَ ما هو عليه من الضِّيقِ والشِّدَّةِ وأخذَ الكِتابَ وذَهبَ به وأحرَقَه في التنُّورِ 1203. فهؤلاء حَصَلَ في هَجرِهم مَصلَحةٌ عَظيمةٌ، ثُمَّ النَّتيجةُ الَّتي لا يُعادِلُها نَتيجةٌ أنَّ اللهَ أنزَلَ فيهم قُرآنًا يُتْلَى إلى يَومِ القيامةِ، قال تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 118- 117] ) 1204.