1- قال اللهُ تعالى: يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 102-103] .

قال قَتادةُ: (إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قد كَرِهَ لكمُ الفُرقةَ، وقدَّمَ إليكُم فيها وحَذَّرَكُموها ونَهاكُم عنها، ورَضيَ لكمُ السَّمعَ والطَّاعةَ، والأُلفةَ والجَماعةَ، فارضَوا لأنفُسِكُم ما رَضيَ اللَّهُ لكم إنِ استَطَعتُم، ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ) 883.

وقال ابنُ جَريرٍ: (ولا تَتَفَرَّقوا عن دينِ اللهِ وعَهدِه الَّذي عَهِدَ إليكُم في كِتابِه من الائتِلافِ والاجتِماعِ على طاعَتِه وطاعةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والانتِهاءِ إلى أمرِهـ) 884.

وقال أيضًا: (يُريدُ بذلك تعالى ذِكرُه: وتَمَسَّكوا بدِين اللهِ الَّذي أمرَكُم به، وعَهْدِه الَّذي عَهِدَهُ إليكُم في كِتابِه إليكُم من الأُلفةِ والاجتِماعِ على كلِمةِ الحَقِّ والتسليمِ لأمرِ اللَّهِ) 885.

وقال القُرطُبيُّ: (عن عَبدِ الله بن مَسعودٍ: واعتَصِمُوا بحَبْلِ اللهِ جَميعًا وَلَا تَفَرَّقُوا قال: الجَماعةُ، رُوي عنه وعن غيرِه من وُجوهٍ، والمَعنى كُلُّهُ مُتَقارِبٌ مُتَداخِلٌ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يَأمُرُ بالأُلفةِ ويَنهى عنِ الفُرقةِ؛ فإنَّ الفُرقةَ هَلَكةٌ، والجَماعةَ نَجاةٌ) 886.

وقال أيضًا: (قَولُه تعالى: وَلَا تَفَرَّقُوا يَعني: في دينِكُم كما افتَرَقَتِ اليَهودُ والنَّصارَى في أديانِهم... ويَجوزُ أن يَكونَ مَعناه: ولا تَفَرَّقوا مُتابِعينَ للهوى والأغراضِ المُختَلِفةِ، وكُونوا في دينِ اللهِ إخوانًا، فيَكونُ ذلك مَنعًا لَهم عنِ التقاطُعِ والتدابُرِ، ودَلَّ عليه ما بَعدَهُ وهو قَولُه تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَليْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103] ، وليسَ فيه دَليلٌ على تَحريمِ الاختِلافِ في الفُروعِ، فإنَّ ذلك ليسَ اختِلافًا؛ إذ الاختِلافُ ما يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الائتِلافُ والجَمعُ، وأمَّا حُكمُ مَسائِلِ الاجتِهادِ فإنَّ الاختِلافَ فيها بسَبَبِ استِخراجِ الفَرائِضِ ودَقائِقِ مَعاني الشَّرعِ، وما زالَتِ الصَّحابةُ يَختَلِفونَ في أحكامِ الحَوادِثِ، وهم مَعَ ذلك مُتَآلِفونَ) 887.

وقال ابنُ كَثيرٍ: (قَولُه: ولا تَفَرَّقوا أمرَهم بالجَماعةِ ونَهاهم عنِ التَّفرِقةِ... وقد ورَدتِ الأحاديثُ المُتَعَدِّدةُ بالنَّهيِ عنِ التفَرُّقِ والأمرِ بالاجتِماعِ والائتِلافِ... وقد ضُمِنَتْ لَهمُ العِصمةُ عِندَ اتِّفاقِهم من الخَطَأِ، كما ورَدتْ بذلك الأحاديثُ المُتَعَدِّدةُ أيضًا. وخيفَ عليهم الافتِراقُ والاختِلافُ، وقد وقَعَ ذلك في هذه الأمَّةِ فافتَرَقوا على ثَلاثٍ وسَبعينَ فِرقةً، منها فرقةٌ ناجيةٌ إلى الجَنَّةِ، ومُسَلَّمةٌ من عَذابِ النَّارِ، وهمُ الَّذينَ على ما كان عليه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُهُ) 888.

وقال الشَّوكانيُّ: (قَولُه وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا الحَبْلُ لَفظٌ مُشتَرَكٌ، وأصلُه في اللُّغةِ: السَّبَبُ الَّذي يُتَوَصَّلُ به إلى البُغيةِ، وهو إمَّا تَمثيلٌ أوِ استِعارةٌ، أمرَهم سُبحانَهُ بأن يَجتَمِعوا على التمَسُّكِ بدين الإسلامِ أو بالقُرآنِ، ونَهاهم عنِ التفَرُّقِ النَّاشِئِ عن الاختِلافِ في الدِّينِ) 889.

2- قال اللهُ سُبحانَه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَويْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: 10] .

نَصَّت هذه الآيةُ الكَريمةُ على مَبدَأٍ عَظيمٍ من مَبادِئِ دينِ الإسلامِ، ألا وهو التآخي في اللهِ والتحابُبُ فيه، فهو يُعتَبَرُ من الدَّعائِمِ الرَّئيسيَّةِ الَّتي تَقومُ عليها وَحدةُ المُسلِمين وائتِلافُهم واجتِماعُهم؛ لذلك قامَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ هِجرَتِه إلى المَدينةِ مُباشَرةً بالمُؤاخاةِ بينَ المَهاجِرين والأنصارِ.

قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكرُه لأهلِ الإيمانِ به: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدِّينِ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيكُمْ إذا اقتَتَلا بأن تَحمِلوهما على حُكمِ الله وحُكمِ رَسولِهـ) 890.

والتآخي في الله تعالى هو الثَّمَرةُ العَمَليَّةُ للحُبِّ فيه.

عن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفسِه 891.

قال عِياضٌ: (أي: لا يَتِمُّ إيمانُه حَتَّى يَكونَ بهذه الصِّفةِ للمُؤمنينَ؛ من كفِّه الأذَى عنهم، وبَذلِه المَعروفَ لَهم، ومَودَّتِه الخيرَ لجَميعِهم، وصَرْفِ الضُّرِّ عنهم) 892.

وتَصحيحُ تَركيبِ المُجتَمَعِ المُسلِمِ على أساسِ الحُبِّ في اللهِ وللهِ جَعلَ من هذا المُجتَمَعِ يَدًا واحِدةً، وكَلِمةً واحِدةً، وعَمَلًا واحِدًا، وذِمَّةً واحِدةً، ودَمًا واحِدًا، وفِكرًا واحِدًا، ونِظامًا واحِدًا في سياسَتِه ووَسائِلِ حياتِه وتَربيتِه وسُلوكِه وأخلاقيَّاتِه، كما أشارَ إلى ذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَولِه: المُؤمنونَ تَكافَأُ دِماؤُهم وهم يَدٌ على مَن سِواهم ويَسعَى بذِمَّتِهم أَدْناهم 893.

قال الخَطابيُّ: (قَولُه: يَسعَى بذِمَّتِهم أَدْناهم وهو أن يُجيرَ الواحِدُ من المُسلِمين كافِرًا؛ كان المُجيرُ حُرًّا، أو عَبدًا، أوِ امرَأةً، فإنَّ جِوارَهُ ماضٍ، ليسَ لأحَدٍ منهم أن يَخفِرَ ذِمَّتَهُ، وليسَ لَهُ أن يُجيرَهُ أبَدًا، لَكِنْ مُدَّةً مَعلومةً، ولا لَهُ أيضًا أن يَعقِدَ ذِمَّةً لأمَّةٍ من الكُفَّارِ؛ فإنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى تَعطيلِ الجِهادِ، وأمنِ أهلِ الكُفْرِ، ولَكِن يَكونُ ذلك منه للواحِدِ ولِلنَّفرِ منهم والقَبيلةِ إذا طَلَبوا الأمانَ؛ ليُسْلِموا، أو يُستَمهَلوا ليَنظُروا في أمورِهم، أو نَحوِ ذلك من أنواعِ المَصلَحةِ) 894.

وقال البَغَويُّ: (قَولُه: المُسْلمونَ يَدٌ على من سِواهم، فمَعنى اليَدِ: النُّصرةُ والمعونةُ بالمُحارَبةِ مَعَ جَميعِ أهلِ المِلَلِ، والمُعاوَنةُ من بَعضِهم لبَعضٍ، فإذا استُنفِروا، فعليهمُ النَّفيرُ، ولا يَسعُهمُ التخَلُّفُ والتخاذُلُ.

قَولُه: تَتَكافَأ دِماؤُهم، يُريدُ أنَّ دِماءَ المُسلِمينَ مُتَساويةٌ في القِصاصِ، يُقادُ الشَّريفُ منهم بالوَضيعِ، والكَبيرُ بالصَّغيرِ، والعالِمُ بالجاهِلِ، والرَّجُلُ بالمَرأةِ، وإذا كان المَقتولُ شَريفًا أو عالِمًا، والقاتِلُ وضيعًا جاهِلًا، لا يُقتَلُ به غيرُ قاتِلِه على خِلافِ ما كان يَفعَلُه أهلُ الجاهِليَّةِ) 895.

وقال السَّعديُّ: (هذا الحَديثُ كالتفصيلِ لقَولِه تعالى: إنَّما المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] ، وقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وكُونوا عِبادَ اللَّهِ إخوانًا 896.

فعلى المُؤمِنينَ: أن يَكونوا مُتَحابِّينَ مُتَصافِينَ غيرَ مُتَباغِضين ولا مُتَعادِينَ، يَسعَونَ جَميعًا لمَصالِحِهمُ الكُلِّيَّةِ الَّتي بها قِوامُ دِينِهم ودُنياهم، لا يَتَكَبَّرُ شَريفٌ على وَضيعٍ، ولا يَحتَقِرُ أحَدٌ منهم أحَدًا) 897.

وقد عَدَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحُبَّ في اللهِ من الأسبابِ الَّتي يَجِدُ بها المُؤمِنُ حَلاوةَ الإيمانِ.

عن أنسٍ رَضيَ اللهُ عنه عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ثَلاثٌ من كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوةَ الإيمانِ: أن يَكونَ اللَّهُ ورَسولُه أحَبَّ إليه مِمَّا سِواهما، وأن يُحِبَّ المَرءَ لا يُحِبُّه إلَّا للهِ، وأن يَكْرَهَ أن يَعودَ في الكُفْرِ كما يَكرَهُ أن يُقذَفَ في النَّارِ 898.

قال النَّوَويُّ: (هذا حَديثٌ عَظيمٌ أصلٌ من أصولِ الإسلامِ، قال العُلماءُ رَحِمَهم اللَّهُ: مَعنى حَلاوةِ الإيمانِ استِلذاذُ الطَّاعاتِ، وتَحمُّلُ المُشَقَّاتِ في رِضَا اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وإيثارُ ذلك على عَرَضِ الدُّنيا، ومَحبَّةُ العَبدِ رَبَّهُ سُبحانَهُ وتعالى بفِعلِ طاعَتِه وتَركِ مُخالَفَتِه، وكَذلك مَحبَّةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) 899.

والمُتَحابَّانِ في اللهِ تعالى مِمَّن يُظِلُّهمُ اللَّهُ تعالى يَومَ القيامةِ.

عن أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللَّهُ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ وعَدَّ منهم: رَجُلانِ تَحابَّا في اللهِ، اجتَمَعا عليه وتَفَرَّقا عليهـ 900.

قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (قَولُه: ورَجُلانِ تَحابَّا في اللهِ اجتَمَعا على ذلك وتَفَرَّقا عليه أي: داما على المَحبَّةِ الصَّادِقةِ الدِّينيَّةِ، المُبرَّأةِ عنِ الأغراضِ الدُّنيَويَّةِ، ولم يَقطَعاها بعارِضٍ في حالِ اجتِماعِهما، ولا حالِ افتِراقِهما) 901.

3- قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة: 71] .

قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكرُه: وأمَّا المُؤمنونَ والمُؤمِناتُ، وهمُ المُصدِّقونَ باللهِ ورَسولِه وآياتِ كِتابِه، فإنَّ صِفتَهم أنَّ بَعضَهم أنصارُ بَعضٍ وأعوانُهم) 902.

وهذه الآيةُ الكَريمةُ تُقَرِّرُ مَبدَأ (الوَلاءِ) بينَ المُؤمنين والمُؤمِناتِ، والوَلايةُ هيَ النُّصرةُ والمَحَبَّةُ والإكرامُ والاحتِرامُ والكَونُ مَعَ المَحبوبينَ ظاهِرًا وباطِنًا 903.

ورابِطُ التآخي والوَلاءِ قد وَهَنَ بينَ المُسلِمينَ لأسبابٍ؛ من أهمِّها:

أوَّلًا: تَفَرُّقُ المُسلِمينَ إلى فِرَقٍ وشِيَعٍ وأحزابٍ؛ حيثُ أصبَحَ مَبدَأ الوَلاءِ مُرتَبِطًا بالحِزبِ والجَماعةِ لا بالإسلامِ.

قال اللهُ تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون: 53] .

قال السَّعديُّ: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا أي: تَقطَّعَ المُنتَسِبونَ إلى اتِّباعِ الأنبياءِ أَمْرَهُمْ أي: دينَهم بَيْنَهُمْ زُبُرًا أي: قِطَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ أي: بما عِندَهم من العِلمِ والدِّينِ فَرِحُونَ يَزعُمونَ أنَّهمُ المُحِقُّونَ، وغيرُهم على غيرِ الحَقِّ، مَعَ أنَّ المُحِقَّ منهم مَن كان على طَريقِ الرُّسُلِ من أكلِ الطَّيِّباتِ، والعَمَلِ الصَّالِحِ، وما عَداهم فإنَّهم مُبْطِلونَ) 904.

وقال ابنُ بازٍ عن الانتِماءاتِ إلى الأحزابِ: (الواجِبُ تَركُها، وأن يَنتَميَ الجَميعُ إلى كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه، وأن يَتَعاوَنوا في ذلك بصِدْقٍ وإخلاصٍ، وبِذلك يَكونونَ من حِزبِ اللهِ الَّذي قال اللَّهُ فيه سُبحانَهُ في آخِرِ سورةِ المُجادَلةِ: أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ بَعدَما ذَكَرَ صِفاتِهمُ العَظيمةَ في قَولِه تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية) 905.

وقال ابنُ عُثيمين: (يَجِبُ على طالِبِ العِلمِ أن يَتَخَلَّى عنِ الطَّائِفيَّةِ والحِزبيَّةِ بحيثُ يَعقِدُ الوَلاءَ والبَراءَ على طائِفةٍ مُعيَّنةٍ، أو على حِزبٍ مُعيَّنٍ، فهذا لا شَكَّ خِلافُ مَنهجِ السَّلَفِ، فالسَّلَفُ الصَّالِحُ ليسوا أحزابًا، بَل هم حِزبٌ واحِدٌ، يَنضَوونَ تَحتَ قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ [الحج: 78] فلا حِزْبيَّةَ ولا تَعَدُّدَ، ولا مُوالاةَ، ولا مُعاداةَ إلَّا على حَسَبِ ما جاءَ في الكِتابِ والسُّنَّة، فمِنَ النَّاسِ مَثَلًا مَن يَتَحَزَّبُ إلى طائِفةٍ مُعيَّنةٍ، ثُمَّ يُقَرِّرُ مَنهجًا ويَستَدِلُّ عليه بالأدِلَّةِ الَّتي قد تَكونُ دَليلًا عليه، ويُحامي دونَها، ويُضَلِّلُ مَن سِواهُ، حَتَّى وإن كانوا أقرَبَ إلى الحَقِّ منها، ويَأخُذُ مَبدَأ: من ليسَ مَعي، فهو عَليَّ، وهذا مَبدَأٌ خَبيثٌ) 906.

وقال بَكْرُ بنُ عَبدِ اللهِ أبو زيد: (إنَّ الحِزبيَّةَ ذاتَ المَساراتِ والقَوالِبِ المُستَحدَثةِ الَّتي لم يَعهَدْها السَّلَفُ: من أعظَمِ العَوائِقِ عنِ العِلمِ، والتفريقِ عنِ الجَماعةِ، فكَم أوهَنَتْ حَبلَ الاتِّحادِ الإسلاميِّ وغَشِيَتِ المُسلِمينَ بسَبَبِها الغَواشي!) 907.

ثانيًا: تَكالُبُ المُسلِمينَ على الدُّنيا وتَنافُسُهم عليها؛ مِمَّا سَبَّب بينَهمُ الأحقادَ والحَسدَ، فأصبَحَت عَلاقاتُ النَّاسِ مَبنيَّةً على أمورِ الدُّنيا ومَصالِحِها الزَّائِلةِ.

وقد حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه من التنافُسِ على الدُّنيا، وبيَّنَ أنَّه سَبَبٌ للهَلاكِ كما وقَعَ للأممِ السَّابِقةِ.

فعن عَمرِو بنِ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ... فأبشِروا، وأمِّلُوا ما يَسُرُّكُم، فواللهِ ما الفَقرَ أخشَى عليكم، ولَكِنِّي أخشَى عليكم أن تُبْسَطَ الدُّنيا عليكم كما بُسِطَتْ على مَن كان قَبلَكم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهم 908.

قال القَسطَلانيُّ: (فيه أنَّ المُنافَسةَ في الدُّنيا قد تَجُرُّ إلى الهَلاكِ في الدِّينِ) 909.

4- قال اللهُ تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال: 1] .

قال ابنُ كَثيرٍ: (قَولُه تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ أي: اتَّقوا اللَّهَ في أمورِكُم، وأصلِحوا فيما بينَكُم، ولا تَظالَموا ولا تَخاصَموا ولا تَشاجَروا؛ فما آتاكُمُ اللَّهُ من الهدَى والعِلمِ خيرٌ مِمَّا تَختَصمونَ بسَبَبِهـ) 910.

5- قال اللهُ سُبحانَه: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بيْنَهُمَا [الحجرات: 9] .

قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكرُه: وإنْ طائِفَتانِ من أهلِ الإيمانِ اقتَتَلوا، فأصلِحوا أيُّها المُؤمِنونَ بينَهما بالدُّعاءِ إلى حُكمِ كِتابِ اللَّهِ، والرِّضا بما فيه لَهما وعليهما، وذلك هو الإصلاحُ بينَهما بالعَدْلِ) 911.

فحَثَّ اللَّهُ سُبحانَهُ على إصلاحِ ذاتِ البَينِ، وعلى الإصلاحِ بينَ المُؤمنينَ إذا حَصَلَ بينَهم ما يُفَرِّقُ جَماعتَهم، وما يُكَدِّرُ عليهم صَفْوَ أُلفَتِهم، ليَبقَى المُجتَمَعُ المُسلِمُ مُتَرابِطًا مُتَحابًّا مُتَآلِفًا.

وإذا كان فسادُ ذاتِ البَينِ هيَ الحالِقةَ الَّتي تَحلِقُ الدِّينَ، كما جاءَ ذلك في الحَديثِ 912 ، فإنَّ إصلاحَ ذاتِ البَينِ هو من أعظَمِ القُرُباتِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

قال اللهُ تعالى: لَا خيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلك ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 114] .

قال ابنُ عَطِيَّةَ: (المَعروفُ: لَفظٌ يَعُمُّ الصَّدَقةَ والإصلاحَ، ولَكِنْ خُصَّا بالذِّكرِ اهتِمامًا بهما، إذ هما عَظيما الغَناءِ في مَصالَحِ العِبادِ، ثُمَّ وعَد تعالى «بالأجرِ العَظيمِ» على فعلِ هذه الخيراتِ بِنيَّةٍ وقَصدٍ لرِضا اللهِ تعالى) 913.

لَكِن قد يَنتَبِهُ المُسلِمونَ إلى إصلاحِ ذاتِ بينِهم في الأمورِ الدُّنيَويَّةِ، من نَكاحٍ وبُيوعٍ وميراثٍ وغيرِ ذلك، ويَغفُلونَ عن إصلاحِ ذاتِ البَينِ فيما هو أعظَمُ وأهمُّ، ألَا وهو الاختِلافُ فيما لا يَجوزُ الاختِلافُ فيه بحالٍ، وهو أمرُ الدِّينِ نَفسِه من عَقائِدَ وسُلوكٍ وعِباداتٍ، والَّتي مَبناها على النَّصِّ والتوقيفِ.

وثَمَّةَ نَماذِجُ كَثيرةٌ من العُلماءِ الأعلامِ الَّذينَ كانت لَهم جُهودٌ في رَدِّ أهلِ البِدَعِ إلى الحَقِّ.

فابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما ذَهبَ إلى الخَوارِجِ في عُقرِ دارِهم، وناظَرَهم، ودَحَضَ شُبُهاتِهم؛ فرَجَعَ منهم من شاءَ اللهُ لَهُ الهِدايةَ والسَّلامةَ، وبَقيَ القَليلُ منهم على بِدعَتِهم.

فعن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قال: لَمَّا اعتَزَلَتِ الحَرُوريَّةُ فكانوا في دارٍ على حِدَتِهم، فقُلت لَعَلِيٍّ: يا أميرَ المُؤمنين، أبرِدْ عنِ الصَّلاةِ لَعَلِّي آتي هؤلاء القَومَ فأكَلِّمَهم، قال: إنِّي أتخوفُهم عَليكَ، قُلتُ: كَلَّا إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، قال: فلَبِستُ أحسَنَ ما أقدِرُ عليه من هذه اليَمانيةِ، قال: ثُمَّ دَخَلتُ عليهم وهم قائِلونَ في نَحرِ الظَّهيرةِ، قال: فدَخَلْتُ على قَومٍ لم أرَ قَومًا قَطُّ أشَدَّ اجتِهادًا منهم، أيديهم كأنَّها ثَفنُ 914 الإبلِ، ووُجوهُهم مُعَلَّمةٌ من آثارِ السُّجودِ، قال: فدَخَلْتُ فقالوا: مَرحَبًا بكَ يا ابنَ عَبَّاسٍ ما جاءَ بكَ؟ قُلتُ: جِئَتُ أحدِّثُكُم عن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، عليهم نَزلَ الوَحيُ، وهم أعلمُ بتَأويلِه، فقال بَعضُهم: لا تُحَدِّثوهُ، وقال بَعضُهم: واللَّهِ لنُحَدِّثَنَّه، قال: قُلتُ: أخبِروني ما تَنقِمونَ على ابنِ عَمِّ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وخَتَنِه 915 وأوَّلِ من آمن به، وأصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَهُ؟ "قالوا: نَنقِمُ عليه ثَلاثًا، قال: قُلتُ: وما هُنَّ؟ قالوا: أوَّلُهن أنَّه حَكَّمَ الرِّجالَ في دينِ اللهِ، وقد قال اللَّهُ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: 57] ، قال: قُلتُ: وماذا؟ قالوا: وقاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغنَمْ، لَئِن كانوا كفَّارًا لَقد حَلَّتْ لَهُ أموالُهم، ولَئِن كانوا مُؤمِنين لَقد حَرُمَتْ عليه دِماؤُهم. قال: قُلتُ: وماذا؟ قالوا: مَحا نَفسَه من أميرِ المُؤمنين، فإن لم يَكُن أميرَ المُؤمِنين فهو أميرُ الكافِرينَ. قال: قُلتُ: أرأيتُم إن قَرَأتُ عليكم من كِتابِ اللهِ المُحكَمِ وحَدَّثْتُكُم من سُنَّةِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما لا تُنكِرونَ، أترجِعونَ؟ قالوا: نَعَم، قال: قُلتُ: أمَّا قَولُكُم: حَكَّمَ الرِّجالَ في دينِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى يَقولُ: يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: 95] إلى قَولِه: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم [المائدة: 95] ، وقال في المَرأةِ وزَوجِها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء: 35] أنشُدُكُمُ اللَّهَ أحُكْمُ الرِّجالِ في حَقنِ دِمائِهم وأنفُسِهم وإصلاحِ ذاتِ بينِهم أحَقُّ أم في أرنَبٍ ثَمنُها رُبعُ دِرْهمٍ؟ قالوا: اللَّهمَّ بَل في حَقنِ دِمائِهم وإصلاحِ ذاتِ بينِهم، قال: أخرَجْتُ من هذه؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم، قال: وأمَّا قَولُكُم: إنَّه قاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغنَمْ، أتسْبُونَ أُمَّكُم عائِشةَ أم تَستَحِلُّونَ منها ما تَستَحِلُّونَ من غيرِها، فقد كفَرتُم، وإن زَعَمْتُم أنَّها ليسَت أمَّ المُؤمنين فقد كفَرتُم وخَرجْتُم من الإسلامِ، إنَّ اللهَ يَقولُ: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: 6] فأنتم مُتَرَدِّدونَ بينَ ضَلالَتين فاختاروا أيَّتَهما شِئتُم، أخرَجْتُ من هذه؟ قالوا: اللَّهمَّ نَعَم، قال: وأمَّا قَولُكُم: مَحا نَفسَه من أميرِ المُؤمنينَ، فإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعا قُرَيشًا يَومَ الحُدَيبيَةِ على أن يَكتُبَ بينَهُ وبينَهم كِتابًا، فقال: اكتُبْ هذا ما قاضَى عليه مُحَمِّدٌ رَسولُ اللَّهِ فقالوا: واللَّهِ لَو كُنَّا نَعلمُ أنَّكَ رَسولُ اللهِ ما صَدَدناكَ عنِ البيتِ ولا قاتَلْناكَ ولَكِنِ اكتُب: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ، فقال: واللَّهِ إني لرَسولُ اللهِ حَقًّا وإن كذَّبتُموني، اكتُبْ يا عَليُّ: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ فرَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أفضَلَ من عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، أخرَجْتُ من هذه؟ قالوا: اللَّهمَّ نَعَم، فرَجَع منهم عِشرونَ ألفًا، وبَقِيَ منهم أربَعةُ آلافٍ فقُتِلوا) 916.

وعَبدُ العَزيزِ الكناني سَمِعَ بخِبرِ ظُهورِ بدعةِ بِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ ومن مَعَهُ في العِراقِ، فسافَر فورًا من مَكةَ إلى هُناكَ بَعدَ أنِ استَخارَ اللَّهَ ولَجَأ إليه بالدُّعاءِ أن يوَفِّقَهُ إلى إظهارِ الحَقِّ وقَمْعِ البِدْعةِ، وإقامةِ الحُجَّةِ على خَلقِه، وفَورَ وُصولِه إلى العِراقِ قامَ بمُناظَرةِ المُبتَدِعةِ جَميعًا أمامَ الخَليفةِ المَأمونِ، وهو وحدَهُ، والخَليفةُ ومن مَعَهُ ضِدُّه، فأقامَ عليهمُ الحُجَّةَ، وأظهرَه اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عليهم، مَعَ أنَّه كان مُعرِّضًا نَفسَه للقَتلِ إذا لم يَستَطِع إقناعَ الأميرِ وإفحامَ الخُصومِ 917.

وابنُ تيمِيَّةَ ناظَرَ المُبتَدِعةِ بكُلِّ طَوائِفِهم وفِرَقِهم جَماعاتٍ وأفرادًا، فأفحَمَهم، وأقامَ الحُجَّةَ عليهم، وأظهرَه اللَّهُ على خُصومِه، والتَزَمَ السُّنَّةَ خَلقٌ كَثيرٌ، وظَهرَتِ السُّنَّةُ وسَطَعَ نُورُها فاستَبانَت لكُلِّ ذي بَصيرةٍ، وانتَشَرَت بينَ النَّاسِ 918.