اعتمَد الجَهْميَّةُ على بعضِ ما يظنُّونَه أدِلَّةً على نفيِ صفةِ العُلُوِّ وغيرِها من الصِّفاتِ، وهي في حقيقتِها حُجَجٌ عَقليَّةٌ مزعومةٌ ومُبتدَعةٌ، بناها الجَهْميَّةُ على أصولٍ فلسفيَّةٍ كانوا قد تأثَّروا بها، وليس لهؤلاء المُعطِّلةِ في نَفيِهم هذا أساسٌ من كِتابِ اللهِ أو سُنَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإذا وجدوا نصًّا قد يُوظَّفُ لصالحِ مقالتِهم البِدعيَّةِ فعلوا ذلك، وهم إنَّما استدلُّوا بعقولِهم لا بالوَحيِ.

قال ابنُ تيميَّةَ: (جميعُ أهلِ البِدَعِ قد يتمسَّكون بنُصوصٍ، كالخوارجِ والشِّيعةِ، والقَدَريَّةِ والمُرجِئةِ وغَيرِهم، إلَّا الجَهْميَّةَ؛ فإنَّهم ليس معهم عن الأنبياءِ كَلِمةٌ واحدةٌ تُوافِقُ ما يقولونَه في النَّفيِ) 162 .

ومن وُجوهِ الرَّدِّ عليهم:

1- أنَّ نَفيَ كَونِ اللهِ تعالى في جِهةِ العُلُوِّ مُخالِفٌ للفِطرةِ والضَّرورةِ التي يجِدُها النَّاسُ في قُلوبِهم

قال يزيدُ بنُ هارُونَ الواسِطيُّ: (من زعَم أنَّ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى على خِلافِ ما يَقِرُّ في قُلوبِ العامَّةِ، فهو جَهْميٌّ) 163 .

وقال القَعْنبيُّ كما قال الواسِطيُّ: (‌مَن ‌لا ‌يُوقِنُ ‌أنَّ الرَّحمنَ ‌على ‌العَرشِ ‌استوى ‌كما ‌يَقِرُّ في قُلوبِ العامَّةِ، فهو جَهْميٌّ) 164 .

وقال عبدُ اللهِ بنُ سَعيدِ بنِ كُلَّابٍ: (لو لم يشهَدْ لصِحَّةِ مَذهَبِ الجماعةِ في هذا الفَنِّ خاصَّةً إلَّا ما ذكَرْتُ من هذه الأمورِ، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غُرِس في بنيةِ الفِطرةِ وتعارُفِ الآدميِّينَ من ذلك ما لا شَيءَ أبيَنُ منه ولا أوكَدُ؟ بل لا تسأَلُ أحدًا من النَّاسِ عنه؛ عربيًّا ولا عَجَميًّا ولا مُؤمِنًا ولا كافِرًا، فتقولُ: أين ربُّك؟ إلَّا قال: في السَّماءِ، إن أفصَحَ، أو أومأَ بيَدِه أو أشارَ بطَرْفِه إن كان لا يُفصِحُ، لا يشيرُ إلى غيرِ ذلك من أرضٍ ولا سَهلٍ ولا جَبَلٍ، ولا رأينا أحدًا داعيًا له إلَّا رافعًا يَدَيه إلى السَّماءِ، ولا وجَدْنا أحدًا غيرَ الجَهْميَّةِ يُسألُ عن رَبِّه فيقولُ: في كُلِّ مكانٍ كما يقولونَ! وهم يَدَّعون أنَّهم أفضَلُ النَّاسِ كُلِّهم، فتاهت العُقولُ، وسقَطت الأخبارُ، واهتدى (جَهْمٌ) وَحدَه وخمسونَ رجُلًا معه! نعوذُ باللهِ من مُضِلَّاتِ الفِتَنِ) 165 .

وممَّا توارَدَ ذِكرُه في كتُبِ العقائِدِ والسِّيَرِ قِصَّةُ أبي المعالي الجُوَينيِّ مع أبي جَعفرٍ الهَمذانيِّ، التي تكشِفُ عن كونِ عُلُوِّ اللهِ تعالى مركوزًا في الفِطَرِ.

قال أبو جَعفرٍ ‌الهَمذانيُّ الحافِظُ: (سَمِعتُ أبا المعالي الجُوَينيَّ، وقد سُئِلَ عن قَولِه تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: 5] ، فقال: "كان اللهُ ولا عَرْشَ"، وجعل يتخبَّطُ في الكلامِ، فقُلتُ: قد عَلِمْنا ما أشَرْتَ عليه، فهل عِندَك للضَّروراتِ من حيلةٍ؟ فقال: ما تريدُ بهذا القَولِ، وما تعني بهذه الإشاراتِ؟

فقُلتُ: ما قال عارِفٌ قَطُّ: يا ربَّاه، إلَّا قَبلَ أن يتحرَّكَ لِسانُه قام من باطِنه قَصدٌ، لا يلتَفِتُ يَمْنَةً ولا يَسْرةً، يقصِدُ الفَوقَ. فهل لهذا القَصدِ الضَّروريِّ عِندَك من حيلةٍ؟ فنبِّئْنا نتخلَّصْ من الفَوقِ والتَّحتِ. وبكَيتُ وبكى الخَلقُ، فضَرَب بكُمِّه على السَّريرِ، وصاح بالحَيرةِ. وخَرَق ما كان عليه، وصارت قيامةٌ في المسجِدِ، ونَزَل ولم يُجِبْني إلَّا بـ: يا حبيبي، الحَيرةُ الحَيرةُ، والدَّهشةُ الدَّهشةُ الدَّهشةُ! فسَمِعتُ بَعدَ ذلك أصحابَه يقولونَ: سمِعْناه يقولُ: ‌حيَّرني ‌الهَمذانيُّ!) 166 .

2- عُلُوُّ اللهِ تعالى قد تواترت نصوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ في إثباتِه

وردت أدِلَّةٌ كثيرةٌ تفيدُ عُلُوَّ اللهِ تعالى، وهي أعظَمُ رَدٍّ على سائرِ أصنافِ الجَهْميَّةِ ومن تأثَّر بهم.

قال ابنُ أبي العِزِّ: (النُّصوصُ الواردةُ المتنوِّعةُ المُحكَمةُ على عُلُوِّ اللهِ على خَلقِه، وكونِه فوقَ عبادِه، التي تَقرُبُ من عِشرينَ نوعًا:

أحدُها: التصريحُ بالفوقيَّةِ مقرونًا بأداةِ «مِن» المُعيِّنةِ للفوقيَّةِ بالذَّاتِ، كقَولِه تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 50] .

الثَّاني: ذِكرُها مُجرَّدةً عن الأداةِ، كقَولِه: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: 18] .

الثَّالثُ: التصريحُ بالعُروجِ إليه نحوُ: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: 4] ، وقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فيَعرُجُ الذين باتوا فيكم فيَسألُهم 167 .

الرَّابعُ: التصريحُ بالصُّعودِ إليه، كقولِه تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: 10] .

الخامِسُ: التصريحُ برفعِه بعضَ المخلوقاتِ إليه، كقولِه تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء: 158] ، وقَولِه: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: 55] .

السَّادسُ: التصريحُ بالعُلُوِّ المُطلَقِ الدَّالِّ على جميعِ مراتِبِ العُلُوِّ ذاتًا وقَدرًا وشَرفًا، كقولِه تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: 255] ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: 23] ، إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: 51] .

السَّابعُ: التصريحُ بتنزيلِ الكِتابِ منه، كقولِه تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر: 1] .

الثَّامنُ: التصريحُ باختصاصِ بعضِ المخلوقاتِ بأنَّها عِندَه، وأنَّ بعضَها أقرَبُ إليه من بعضٍ، كقولِه: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [الأعراف: 206] ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ... [الأنبياء: 19] .

التَّاسعُ: التصريحُ بأنَّه تعالى في السَّماءِ، وهذا عِندَ المفسِّرينَ من أهلِ السُّنَّةِ على أحَدِ وَجهَينِ: إمَّا أن تكونَ «في» بمعنى «على»، وإمَّا أن يرادَ بالسَّماءِ العُلُوُّ، لا يختَلِفون في ذلك، ولا يجوزُ الحَملُ على غيرِه.

العاشِرُ: التصريحُ بالاستواءِ مقرونًا بأداةِ «على» مختصًّا بالعرشِ، الذي هو أعلى المخلوقاتِ، مصاحِبًا في الأكثَرِ لأداةِ «ثمَّ» الدَّالَّةِ على الترتيبِ والمُهلةِ.

الحادي عَشَرَ: التصريحُ برَفعِ الأيدي إلى اللهِ تعالى؛ فعن سَلْمانَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: «إنَّ اللهَ ليستحِي أن يبسُطَ العَبدُ إليه يَدَيه يسألُه فيهما خيرًا، فيَرُدَّهما خائبَتَينِ» 168 .

الثَّاني عَشَرَ: التصريحُ بنُزولِه كُلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدُّنيا 169 ، والنُّزولُ المعقولُ عِندَ جميعِ الأمَمِ إنما يكونُ من عُلُوٍّ إلى سُفلٍ.

الثَّالثَ عَشَرَ: الإشارةُ إليه حِسًّا إلى العُلُوِّ، كما أشار إليه مَن هو أعلَمُ بربِّه وبما يجِبُ له ويمتنِعُ عليه من جميعِ البشَرِ، لَمَّا كان بالمجمَعِ الأعظَمِ الذي لم يجتمِعْ لأحدٍ مِثلُه، في اليومِ الأعظَمِ، في المكانِ الأعظَمِ، قال لهم: أنتم مسؤولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهَدُ أنَّك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحْتَ، فرفع أُصبُعَه الكريمةَ إلى السَّماءِ رافعًا لها إلى مَن هو فَوقَها وفَوقَ كُلِّ شيءٍ، قائلًا: اللَّهُمَّ اشهَدْ 170 . فكأنَّا نشاهِدُ تلك الأُصبُعَ الكريمةَ وهي مرفوعةٌ إلى اللهِ، وذلك اللِّسانَ الكريمَ وهو يقولُ لمن رفع أُصبُعَه إليه: اللَّهُمَّ اشهَدْ، ونشهَدُ أنَّه بلَّغ البلاغَ المُبِينَ، وأدَّى رسالةَ ربِّه كما أمَر، ونصَح أمَّتَه غايةَ النَّصيحةِ، فلا يحتاجُ مع بيانِه وتبليغِه وكَشفِه وإيضاحِه إلى تنطُّعِ المُتنطِّعينَ، وحَذلقةِ المُتحَذلِقينَ! والحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.

الرَّابعَ عَشَرَ: التصريحُ بلفظِ «الأَينِ»، كقَولِ أعلَمِ الخَلقِ به، وأنصَحِهم لأمَّتِه، وأفصَحِهم بيانًا عن المعنى الصَّحيحِ، بلَفظٍ لا يُوهِمُ باطلًا بوَجهٍ: «أينَ اللهُ؟» 171 في غيرِ موضِعٍ.

الخامِسَ عَشَرَ: شهادتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِمَن قال: إنَّ ربَّه في السَّماءِ، بالإيمانِ 172 .

السَّادِسَ عَشَرَ: إخبارُه تعالى عن فِرعَونَ أنَّه رامَ الصُّعودَ إلى السَّماءِ ليطَّلِعَ إلى إلهِ موسى، فيُكَذِّبُه فيما أخبره من أنَّه سُبحانَه فوقَ السَّمَواتِ، فقال: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر: 36-37] ، فمَن نفى العُلُوَّ من الجَهْميَّةِ فهو فِرعَونيٌّ، ومن أثبَتَه فهو مُوسَويٌّ مُحمَّديٌّ.

السَّابعَ عَشَرَ: إخبارُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه تردَّد بَينَ موسى عليه السَّلامُ وبَينَ ربِّه ليلةَ المعراجِ بسَبَبِ تخفيفِ الصَّلاةِ، فيصعَدُ إلى ربِّه ثُمَّ يعودُ إلى موسى عِدَّةَ مِرارٍ 173 .

الثَّامِنَ عَشَرَ: النُّصوصُ الدَّالَّةُ على رؤيةِ أهلِ الجنَّةِ له تعالى من الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم يَرَونَه كرُؤيةِ الشَّمسِ والقَمَرِ ليلةَ البَدرِ ليس دونَه سَحابٌ 174 . فلا يرَونَه إلَّا مِن فَوقِهم... ولا يتِمُّ إنكارُ الفوقيَّةِ إلَّا بإنكارِ الرُّؤيةِ؛ ولهذا طرَد الجَهْميَّةُ النَّفيَينِ، وصَدَّق أهلُ السُّنَّةِ بالأمرَينِ معًا، وأقرُّوا بهما، وصار مَن أثبَت الرُّؤيةَ ونفى العُلُوَّ مُذبذَبًا بَينَ ذلك، لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ!

وهذه الأنواعُ من الأدِلَّةِ لو بُسِطَت أفرادُها لبلَغَت نحوَ ألفِ دليلٍ؛ فعلى المتأوِّلِ أن يُجيبَ عن ذلك كُلِّه! وهيهاتَ له بجوابٍ صحيحٍ عن بعضِ ذلك!) 175 .

3- قَولُهم: إنَّ القَولَ بالعُلُوِّ من بقايا الجاهِليَّةِ

يقالُ لهم: إنَّ إيمانَ المُشرِكينَ العَرَبِ بأنَّ اللهَ تعالى فَوقَ السَّماءِ هو من القضايا المركوزةِ في الفِطرةِ؛ فليس للعَرَبِ الجاهليِّينَ اختصاصٌ بذلك، وذلك ما هو إلَّا كإقرارِهم بباقي مُقَتضياتِ ربوبيَّتِه سُبحانَه، كالخَلقِ، والإحياءِ، والإماتةِ، والتَّدبيرِ، ونحوِ ذلك ممَّا جاء في مثل قَولِ اللهِ تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت: 61] 176 . فهل قال عالمٌ قَطُّ: إنَّ الإيمانَ بالرُّبوبيَّةِ من بقايا الجاهليَّةِ؛ لأنَّهم كانوا ينصُّون على ربوبيَّةِ اللهِ تعالى؟!

قال أبو الحسَنِ الأشعَريُّ: (رأينا المُسلِمين جميعًا يرفعونَ أيديَهم إذا دعَوا نحوَ السَّماءِ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ مستَوٍ على العَرشِ الذي هو فَوقَ السَّمَواتِ، فلولا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ على العَرشِ لم يرفَعوا أيديَهم نحوَ العَرشِ) 177 .

وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: (من الحُجَّةِ أيضًا في أنَّه عزَّ وجلَّ على العرشِ فَوقَ السَّمَواتِ السَّبعِ أنَّ الموحِّدينَ ‌أجمعينَ ‌من ‌العَرَبِ والعَجَمِ إذا كرَبَهم أمرٌ أو نزلت بهم شِدَّةٌ رفعوا وجوهَهم إلى السَّماءِ يستغيثونَ ربَّهم تبارك وتعالى، وهذا أشهَرُ وأعرَفُ عِندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ من أن يُحتاجَ فيه إلى أكثَرَ من حكايتِه؛ لأنَّه اضطرارٌ لم يؤنِّبْهم عليه أحَدٌ، ولا أنكره عليهم مُسلِمٌ) 178 .

4- قَولُهم: إنَّ رَفعَ الأيدي إلى السَّماءِ وتوجُّهَ القُلوبِ إلى جهةِ العُلُوِّ إنما كان من أجلِ أنَّ السَّماءَ قِبلةُ الدُّعاءِ، كما أنَّ الكعبةَ قِبلةُ الصَّلاةِ، لا لأنَّ اللهَ في السَّماءِ

وهذا يجابُ عنه بأمورٍ 179 :

أولًا: مَنعُ أن تكونَ السَّماءُ قِبلةَ الدُّعاءِ، فإنَّ كَونَ الشَّيءِ قِبلةً لا يُعرَفُ إلَّا من طريقِ الشَّرعِ، ولم يَثبُتْ في جَعلِ السَّماءِ قِبلةً للدُّعاءِ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ، ولا قال به أحدٌ مِن سلَفِ الأمَّةِ، وهم لا يخفى عليهم مِثلُ هذه الأمورِ.

ثانيًا: ثبت أنَّ الكعبةَ قِبلةُ الدُّعاءِ كما أنَّها قبلةُ الصَّلاةِ، فقد كان النَّبيُّ r يستقبِلُ الكعبةَ في دعائِه في مواطِنَ كثيرةٍ 180 ، فمن ادَّعى أنَّ للدُّعاءِ قِبلةً سوى الكعبةِ أو ادَّعى أنَّ السَّماءَ قبلتُه كما أنَّ الكعبةَ قِبلةٌ؛ فقد ابتدَع في الدِّينِ وخالف جماعةَ المُسلِمينَ.

ثالثًا: أنَّ القِبلةَ ما يستقبِلُه العابِدُ بوَجهِه كما يستقبلُ الكعبةَ للصَّلاةِ والدُّعاءِ، والذِّكرِ والذَّبحِ، ودَفنِ الميِّتِ ونحوِ ذلك ممَّا يُطلَبُ فيه استقبالُ القِبلةِ؛ ولذا سمِّيَت القِبلةُ وِجهةً لاستقبالِها الوَجهَ، فلو كانت السَّماءُ قِبلةَ الدُّعاءِ لكان المشروعُ أن يوجِّهَ الدَّاعي وَجهَه إليها لكِنَّه لم يُشرَعْ، بل نُهيَ عنه 181 ، وإنَّما شُرِع رَفعُ اليدَينِ 182 ، ورَفعُ اليدينِ إلى السَّماءِ حينَ الدُّعاءِ لا يُسمَّى استقبالًا لها شَرعًا ولا لُغةً، ولا حقيقةً ولا مجازًا.

رابعًا: أنَّ الأمرَ باستقبالِ القِبلةِ ممَّا يَقبَلُ النَّسخَ والتحويلَ، كالأمرِ باستقبالِ بيتِ المقدِسِ في الصَّلاةِ، نُسِخَ بالأمرِ باستقبالِ الكعبةِ 183 ، ورَفعُ الأيدي إلى السَّماءِ في الدُّعاءِ والتوجُّهُ بالقَلبِ إلى جهةِ العُلُوِّ أمرٌ فِطريٌّ مركوزٌ في طبائعِ النَّاسِ لم يتغيَّرْ في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ، يُضطَرُّ إليه الداعي عِندَ الشِّدَّةِ والكربِ مُسلِمًا كان أم كافرًا.

خامسًا: أنَّ من استقبَل الكعبةَ لا يقَعُ في قلبِه أنَّ اللهَ هناك جِهةَ الكعبةِ، بخلافِ الدَّاعي فإنَّه يرفَعُ يديه إلى ربِّه وخالقِه ووَليِّ نعمتِه، يرجو أن تَنزِلَ عليه الرَّحماتُ مِن عِندِه.

وأمَّا نقضُهم الاستدلالَ بالفطرةِ على أنَّ اللهَ فَوقَ خَلقِه بما ذكَروه من السُّجودِ ووَضعِ الجَبهةِ على الأرضِ، فهو حُجَّةٌ باطلةٌ؛ لأنَّ واضِعَ الجبهةِ على الأرضِ في السُّجودِ إنَّما قَصدُه الخُضوعُ للهِ، وإعلانُ كمالِ ذُلِّ العبوديَّةِ من السَّاجِدِ لرَبِّه ومالِكِ أمرِه، لا لأنَّه يعتقِدُ أنَّه تحتَه فيهوي إليه ساجِدًا؛ فإنَّ هذا لا يخطُرُ للسَّاجِدِ ببالٍ، بل تنَزَّه رَبُّه عن ذلك؛ ولهذا شُرِع له أن يقولَ في سُجودِه: (سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى) 184 .

5- ما ورد عن السَّلَفِ من فسادِ هذا القَولِ والإغلاظِ على قائِليه

قال رجلٌ لعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ: (يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، قد خِفتُ اللهَ عزَّ وجلَّ من كثرةِ ما أدعو على الجَهْميَّةِ، قال: لا تخَفْ؛ فإنَّهم يزعُمونَ أنَّ ‌إلهَك ‌الذي ‌في السَّماءِ ليس بشيءٍ!) 185 .

وقال جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ: (كلامُ الجَهْميَّةِ أوَّلُه شَهدٌ وآخِرُه سُمٌّ، وإنَّما يحاوِلونَ أن يقولوا ليس في السَّماءِ إلهٌ) 186 .

وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ قال: (إنَّ الجَهْميَّةَ أرادوا أن ينفوا أن يكونَ اللهُ كلَّم موسى بنَ عِمرانَ، وأن يكونَ على العَرشِ، أرى أن يُستَتابوا، فإن تابوا وإلَّا ضُرِبَت أعناقُهم) 187 .

وقال سعيدُ بنُ عامرٍ الضَّبعيُّ -وذُكِر عِندَه الجَهْميَّةُ- فقال: (هم شَرٌّ قولًا من اليهودِ والنَّصارى، قد أجمع أهلُ الأديانِ مع المُسلِمينَ أنَّ اللهَ على العرشِ، وقالوا هم: ليس على شيءٍ) 188 .

وقال يحيى بنُ عثمانَ في رسالتِه: (لا نقولُ كما قالت الجَهْميَّةُ: إنَّه مُدَاخِلُ الأمكنةِ ومُمازجُ كلِّ شيءٍ، ولا نعلَمُ أين هو! بل نقولُ: هو بذاتِه على عَرشِه، وعِلمُه محيطٌ بكُلِّ شيءٍ، وسَمعُه وبصَرُه وقُدرتُه مُدرِكةٌ لكُلِّ شيءٍ، وهو معنى قَولِه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ [الحديد: 4] ) 189 .