نَصَّ السَّلَفُ على كراهةِ هذا السُّؤالِ، وأقوالُهم في ذَمِّه وتبديعِ صاحِبِه كثيرةٌ جِدًّا 506.

وبعضُ من صَنَّف في العقيدةِ أفرد بابًا في مُصَنَّفِه في هذا الموضوعِ، كالآجُريِّ في كتابِه (الشريعة)؛ فقد أفرد بابًا (فيمن كَرِه من العُلَماءِ لِمن يسألُ غيرَه فيقولُ له: أنت مُؤمِنٌ؟ هذا عندهم مبتَدِعٌ رجلُ سُوءٍ) 507 ، وكذلك ابنُ بطَّةَ في كتابه (الإبانة)، أفرد بابًا بعنوان: (سؤالُ الرَّجُلِ لغيره: أمُؤمِنٌ أنت؟ وكيف الجوابُ له؟ وكراهيةُ العُلَماءِ هذا السُّؤالَ وتبديعُ السَّائِلِ عن ذلك) 508.

وقد أوردا في هذين البابينِ نُصوصًا كثيرةً عن السَّلَفِ في ذَمِّ المرجئةِ وتبديعِهم في مقالتِهم هذه.

قال ابنُ بطَّةَ: (فقد ذكَرْتُ في هذا البابِ مِن كلامِ أئمَّةِ المُسلِمين وقَولِ الفُقَهاءِ والتَّابعين ما إنْ عَمِلَ به المُؤمِنُ العاقِلُ أراح به نَفْسَه من خصومةِ المرجئِ الضَّالِّ، وأزاح به عِلَّتَه، وكان لدينه بذلك صيانةً ووقايةً. واللهُ أعلَمُ) 509.

وفيما يلي نقولاتٌ لبَعضِ ما ورد عن السَّلَفِ في ذلك:

1- (سأل رجلٌ ميمونَ بنَ مِهرانَ قال: فقال لي: أمُؤمِنٌ أنت؟ قال: قُلْ: آمنتُ باللهِ وملائكتِه وكُتُبِه، قال: لا يرضى منِّي بذلك! قال: فرُدَّها، فقال: لا يرضى. فرُدَّها عليه ثمَّ ذَرْه في غَيظِه يترَدَّدُ) 510.

2- عن إبراهيمَ النَّخعيِّ قال: (سؤالُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ أمُؤمِنٌ أنت؟ بِدعةٌ) 511. وسأله رجلٌ: أمُؤمِنٌ أنت؟ فقال: (ما أشُكُّ في إيماني، وسؤالُك إيَّاي عن هذا بِدعةٌ) 512.

3- قال أحمدُ: سَمِعتُ سُفيانَ بنَ عُيَينةَ يقولُ: (إذا سُئِلَ أمُؤمِنٌ أنت؟ إن شاء لم يجِبْه، وإن شاء قال: سؤالُك إيَّاي بدعةٌ، ولا أشُكُّ في إيماني) 513.

وقيل لسُفيانَ: الرَّجُلُ يقولُ: مُؤمِنٌ أنت؟ فقال: (فقُلْ: ما أشُكُّ في إيماني، وسؤالُك إيَّاي بدعةٌ، وقال: ما أدري أنا عند الله عزَّ وجَلَّ شقيٌّ أم سعيدٌ، أمقبولٌ العَمَلُ أم لا؟) 514.

وسُئِل أحمدُ عن الرَّجُلِ يقالُ له: (أمُؤمِنٌ أنت؟ قال: سؤالُه إيَّاك بِدعةٌ، ويقولُ: إن شاء اللهُ) 515.

4- قال محمَّدُ بنُ حُسَين الآجُرِّي: (إذا قال لك رجلٌ: أنت مُؤمِنٌ؟ فقل: آمَنتُ باللهِ وملائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ، والموتِ، والبَعثِ من بعدِ الموتِ، والجنَّةِ والنَّارِ، وإن أحبَبْتَ ألَّا تجيبَه تقولُ له: سؤالُك إيَّاي بِدعةٌ، فلا أجيبُك، وإن أجَبْتَه فقُلتَ: أنا مُؤمِنٌ إن شاء الله تعالى على النَّعتِ الذي ذكَرْناه، فلا بأسَ به، واحذَرْ مُناظَرةَ مِثلِ هذا؛ فإنَّ هذا عند العُلَماءِ مذمومٌ، واتَّبِع من مضى من أئِمَّةِ المُسلِمين تسلَمْ إنْ شاء اللهُ تعالى) 516.