من عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ فيما يتعلَّقُ بأحكامِ الثَّوابِ والعقابِ: أنَّ اللهَ سُبحانَه أوجَبَ الجنَّةَ للمُؤمِنين، وحَرَّمها على الكافرينَ.

قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 82] .

وقال اللهُ سُبحانَه: مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: 72] . وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا يَدخُلُ الجنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُسلِمةٌ 848.

ومن عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ: أنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ أحَدًا حتى تقومَ عليه حُجَّةُ اللهِ تعالى بالرُّسُلِ.

قال اللهُ تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] .

قال الشِّنقيطيُّ: (ظاهِرُ هذه الآيةِ الكريمةِ: أنَّ اللهَ جَلَّ وعلا لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِن خَلْقِه لا في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ حتى يبعَثَ إليه رَسولًا يُنذِرُه ويُحَذِّرُه، فيَعصي ذلك الرَّسولَ، ويستمِرُّ على الكُفرِ والمعصيةِ بعد الإنذارِ والإعذارِ، وقد أوضَحَ جَلَّ وعلا هذا المعنى في آياتٍ كثيرةٍ، كقَولِه تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] ، فصرَّح في هذه الآيةِ الكريمةِ بأنْ لا بدَّ أن يقطَعَ حُجَّةَ كُلِّ أحدٍ بإرسالِ الرُّسُلِ مُبشِّرين من أطاعهم بالجَنَّةِ، ومُنذِرين من عصاهم النَّارَ.

وهذه الحُجَّةُ التي أوضح هنا قَطَعَها بإرسالِ الرُّسُلِ مُبَشِّرين ومُنذِرين، بيَّنها في آخِرِ سورةِ "طه" بقَولِه: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: 134] .

وأشار لها في سورةِ القَصَصِ بقَولِه: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: 47] ، وقَولِه جَلَّ وعلا: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: 131] ، وقَولِه: يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ [المائدة: 19] ، وكقَولِه: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام: 155 - 157] ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ.

ويوضِّحُ ما دَلَّت عليه هذه الآياتُ المذكورةُ وأمثالُها في القُرآنِ العظيمِ مِن أنَّ اللهَ جَلَّ وعلا لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلَّا بعد الإنذارِ والإعذارِ على ألسِنَةِ الرُّسُلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلَامُ: تصريحُه جَلَّ وعلا في آياتٍ كثيرةٍ بأنْ لم يُدخِلْ أحَدًا النَّارَ إلَّا بعد الإعذارِ والإنذارِ على ألسِنَةِ الرُّسُلِ، فمن ذلك قَولُه جَلَّ وعلا: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْء [الملك: 8، 9]. ومعلومٌ أنَّ قَولَه جَلَّ وعلا: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ يعُمُّ جميعَ الأفواجِ الملْقِينَ في النَّارِ) 849.

وقال اللهُ سُبحانَه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] .

قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي: يُبشِّرون من أطاع اللهَ واتَّبَع رِضوانَه بالخَيراتِ، ويُنذِرون من خالف أمْرَه وكَذَّب رُسُلَه بالعقابِ والعَذابِ. وقَولُه: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 165] ، أي: أنَّه تعالى أنزَلَ كُتُبَه وأرسَلَ رُسُلَه بالبِشارةِ والنِّذارةِ، وبَيَّن ما يحِبُّه ويرضاه مِمَّا يَكرَهُه ويأباه؛ لئلَّا يبقى لمعتَذِرٍ عُذرٌ، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: 134] ، وكذا قَولُه تعالى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: 47] .

وقد ثبت في الصَّحيحينِ عن ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا أحَدَ أغيَرُ مِنَ اللهِ؛ من أجْلِ ذلك حَرَّم الفواحِشَ ما ظَهَر منها وما بَطَن، ولا أحَدَ أحَبُّ إليه المدحُ من اللهِ؛ مِن أجْلِ ذلك مدح نَفْسَه، ولا أحَدَ أحَبُّ إليه العُذرُ مِنَ اللهِ، مِن أجْلِ ذلك بعَثَ النبيِّينَ مُبَشِّرين ومُنذِرين ، وفي لفظٍ: من أجْلِ ذلك أرسَلَ رُسُلَه، وأنزل كُتُبَهـ 850 851.

فمِمَّا يُعَدُّ مِن أحكامِ الآخِرةِ ثُبوتُ قيامِ الحُجَّةِ على المعيَّنين، ومن ثَمَّ الحُكمُ عليهم بالكُفرِ الحقيقيِّ، فدُخولِ النَّارِ والخُلودِ فيها، وهذا مِمَّا لم نُكَلَّفِ الخَوضَ فيه، بل هو موكولٌ إلى عِلمِ اللهِ تعالى وحِكمتِه وعَدْلِه في خَلْقِه.

قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ نُصوصَ الوعيدِ في الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرةٌ جِدًّا، والقَولَ بموجِبِها واجِبٌ على وَجهِ العُمومِ والإطلاقِ مِن غيرِ أن يُعَيَّنَ شَخصٌ من الأشخاصِ، فيُقالُ: هذا ملعونٌ أو مغضوبٌ عليه أو مستَحِقٌّ للنَّارِ، لا سِيَّما إن كان لذلك الشَّخصِ فضائِلُ وحَسَناتٌ، فإنَّ غيرَ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلَامُ يجوُز عليهم الصَّغائِرُ والكبائِرُ، مع إمكانِ أن يكونَ ذلك الشَّخصُ صِدِّيقًا أو شهيدًا أو صالحًا؛ لِما تقَدَّم أنَّ مُوجِبَ الذَّنبِ قد يتخَلَّفُ عنه بتوبةٍ أو استغفارٍ، أو حَسَناتٍ ماحيةٍ، أو مصائِبَ مُكَفِّرةٍ، أو شفاعةٍ، أو بمَحضِ مَشيئةِ اللِه وَرحمتِهـ) 852.

فالذي يجِبُ علينا اعتِقادُه في جملةِ الخَلقِ أنَّ الله تعالى وهو أعدَلُ العادلين لا يُعَذِّبُ أحدًا حتى تقومَ عليه حُجَّةُ الله تعالى بالرِّسالةِ، ثمَّ يعانِدَ ويُعرِضَ عنها 853.

أمَّا من انقاد للحُجَّةِ، أو لم تبلُغْه لعارضٍ مِن العوارضِ المعتبرةِ شَرعًا، فإنَّ اللهَ تعالى لا يعَذِّبُه، وهذا من تمامِ عَدْلِه وسَعةِ رحمتِه؛ ولهذا فإنَّ أهلَ الفَترِة في أحكامِ الدُّنيا كُفَّارٌ، أمَّا في الآخرةِ فأمْرُهم إلى اللهِ، وهو أعلَمُ بحالِهم 854.

ومن عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّه لا يُخَلَّدُ في النَّارِ مَن معه شيءٌ من الإيمانِ، بل يخرُجُ منها مَن معه مثقالُ حَبَّةٍ، أو مِثقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يدخُلَ النَّارَ مِن أهلِ الكبائِرِ من يشاءُ اللهُ إدخالَه النَّارَ، ثمَّ يَخرُجَ منها بشفاعةِ الشَّافعين، أو بمَحْضِ رحمةِ أرحَمِ الرَّاحمين.

ومن عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّه لا يُقالُ على أحَدٍ مُعَيَّنٍ من أهلِ القِبلةِ: إنَّه من أهلِ الجَنَّةِ أو من أهلِ النَّارِ، إلَّا من جاء النَّصُّ فيه أنَّه من أهلِ الجَنَّةِ أو من أهلِ النَّارِ.

فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: شَهِدْنا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُنَينًا، فقال لرجُلٍ ممَّن يُدعى بالإسلامِ: هذا من أهلِ النَّارِ، فلمَّا حضَرْنا القتالَ قاتَلَ الرَّجُلُ قِتالًا شديدًا، فأصابته جِراحةٌ، فقيل: يا رَسولَ اللهِ، الرَّجُلُ الذي قُلتَ له آنفًا: إنَّه من أهلِ النَّارِ، فإنَّه قاتَلَ اليوم قتالًا شديدًا وقد مات! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إلى النَّارِ! فكاد بعضُ المُسلِمين أن يرتابَ، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنَّه لم يَمُتْ، ولكِنَّ به جراحًا شديدًا، فلمَّا كان من اللَّيلِ لم يصبِرْ على الجِراحِ فقَتَل نَفْسَه، فأُخبِرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك، فقال: اللهُ أكبَرُ، أشهَدُ أنِّي عبدُ اللهِ ورَسولُه 855.

قال أحمَدُ بْنُ حَنبَلٍ: (لا نشهَدُ على أحَدٍ مِن أهلِ القِبلةِ بعَمَلٍ يعمَلُه بجَنَّةٍ ولا نارٍ، نرجو للصَّالحِ ونخافُ عليه، ونخافُ على المسيءِ المذنِبِ، ونرجو له رحمةَ اللهِ) 856.

وقال أيضًا: (لا نُنزِلُ أحدًا من أهلِ القبلةِ جَنَّةً ولا نارًا، إلَّا من شَهِد له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالجنَّةِ) 857.

وقال المُزني: (لا نوجِبُ لمحسِنِهم الجِنانَ بعدَ مَن أوجب له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا نشهَدُ على مسيئِهم بالنَّارِ) 858.

وقال الطحاوي: (نرجو للمُحسِنين من المؤمنين أن يعفوَ عنهم ويدخِلَهم الجنَّةَ برَحمتِه، ولا نأمَنُ عليهم، ولا نَشهَدُ لهم بالجنَّةِ، ونَستغفِرُ لِمُسيئِهم، ونخافُ عليهم، ولا نُقَنِّطُهم) 859.

وقال أبو الحَسَن الأشعري: (جملةُ ما عليه أهلُ الحديثِ والسُّنَّةِ... ولا يَشهَدونَ على أحدٍ مِن أهلِ الكبائِرِ بالنَّارِ، ولا يحكُمونَ بالجنَّةِ لأحَدٍ مِن الموحِّدين، حتى يكونَ اللهُ سُبحانَه يُنزِلُهم حيث شا،ء ويقولون: أمْرُهم إلى اللهِ؛ إن شاء عَذَّبهم، وإن شاء غَفَر لهم) 860.

وقال أبو عَمرٍو الدَّاني: (مِن قَولِ أهلِ السُّنَّةِ: ألَّا يُنزَّلَ أحَدٌ مِن أهلِ القِبلةِ جَنَّةً ولا نارًا، إلَّا من ورد التوقيفُ بتنزيلِه، وجاء الخَبَرُ من اللهِ -تبارك وتعالى- ورسولِه عن عاقبةِ أمرِه، وأنَّ الصَّلاةَ واجِبةٌ على من مات منهم وإن عَمِلَ الكبائِرَ) 861.

وممَّا ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ عُقوبةَ الدُّنيا غيرُ مُستلزِمةٍ لعُقوبةِ الآخِرةِ، فقد تقامُ الحُدودُ على أشخاصٍ في الدُّنيا، إمَّا بقَتلٍ أو جَلْدٍ أو غيرِ ذلك، من غيرِ الحُكمِ عليهم بالكُفرِ، بل يصَلَّى عليهم، ويُستغفَرُ لهم.

وقد يكونُ هؤلاء الأشخاصُ غيرَ مُعَذَّبين في الآخِرةِ، ويدخُلُ في هذا البابِ قِتالُ البُغاةِ والمتأَوِّلين مع بقائِهم على العدالةِ، ومن ذلك إقامةُ الحَدِّ على من تاب بعد القُدرةِ عليه توبةً صحيحةً؛ فقد أقام النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَدَّ الرَّجمِ على ماعِزِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه وصَلَّى عليه 862 ، كما أقام حَدَّ الرَّجمِ على الغامِديَّةِ، فنهى خالِدَ بنَ الوليدِ عن سَبِّها، وقال: لقد تابت توبةً لو تابها صاحِبُ مَكسٍ لغُفِرَ له، ثمَّ صَلَّى عليها 863.

ومن هنا ذَهَب بعضُ السَّلَفِ إلى قَتْلِ الدُّعاةِ إلى البِدعةِ.

قال ابنُ تيميَّةَ: (لهذا كان أكثَرُ السَّلَفِ يأمُرون بقَتْلِ الدَّاعي إلى البِدعةِ الذي يُضِلُّ النّاسَ؛ لأجْلِ إفسادِه في الدِّينِ، سواءٌ قالوا: هل هو كافِرٌ، أو ليس بكافرٍ) 864.

قال ابنُ رجَبٍ: (قد صَحَّ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأمرُ بقِتالِ الخوارجِ وقَتْلِهم 865 ، وقد اختلف العُلَماءُ في حُكمِهم.

فمنهم من قال: هم كُفَّارٌ، فيكونُ قَتْلُهم لكُفْرِهم.

ومنهم من قال: إنَّما يُقتَلون لفسادِهم في الأرضِ بسَفْكِ دِماءِ المُسلِمين وتكفيرِهم لهم، وهو قَولُ مالكٍ وطائفٍة مِن أصحابِنا، وأجازوا الابتداءَ بقتالِهم، والإجهازَ على جَريحِهم.

ومنهم من قال: إنْ دَعَوا إلى ما هم عليه قُوتلوا، وإن أظهَروه ولم يَدْعوا إليه لم يُقاتَلوا، وهو نَصُّ أحمدَ وإسحاقَ، وهو يرجِعُ إلى قتالِ من دعا إلى بدعةٍ مُغَلَّظةٍ.

ومنهم من لم يَرَ البداءةَ بقتالِهم حتى يَبدؤوا بقتالٍ يبيحُ قِتالَهم من سَفْكِ دِماءٍ ونَحوِه، كما رُوِيَ عن عَليٍّ، وهو قَولُ الشَّافعيِّ وكثيرٍ مِن أصحابِنا) 866.

فظهر أنَّ التوَقُّفَ في أمرِ الآخرةِ لا يمنَعُ من عقابِ الدُّنيا.

وإنَّ التزامَ التفريقِ بين أحكامِ الدُّنيا وأحكامِ الآخرةِ عند الحديثِ في مسائِلِ التكفيرِ أو التبديعِ أو التفسيقِ، وكذا التفريقُ بين الفِعلِ والفاعِلِ، وأحكامِ المعَيَّن وغيرِ المُعَيَّن هو منهجُ أهلِ السُّنَّةِ، وهو الذي دلَّت عليه نصوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وعَمَلُ السَّلَفِ الصَّالحِ، وهو العَدْلُ الذي أمَرَ اللهُ به في كتابِه، كما قال تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا، وقال سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: 58] 867.