أدلَّةُ المُرجِئةِ مُنصبَّةٌ على ما يدُلُّ على أنَّ الإيمانَ في القلبِ دونَ الجوارِحِ، ومِن أهَمِّ أدِلَّتِهم 137 :

1- أنَّ الإيمانَ في اللُّغةِ هو التَّصديقُ، واستدلُّوا بقولِ اللهِ تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: 19] ، أي: بمُصدِّقٍ لنا، وما دام الإيمانُ في اللُّغةِ التَّصديقَ فهو كذلك في الشَّرعِ، وهذا الدَّليلُ هو عُمدتُهم في عَدمِ دُخولِ العَملِ في الإيمانِ.

2- الآياتُ الدَّالَّةُ على مَحلِّيَّةِ القلبِ للإيمانِ، نَحوُ: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14] .

3- قولُ اللهِ تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل: 106] .

4- قولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأسامةَ وقد قتَل مَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ: أفلا شققْتَ عن قلبِه؟! 138 .

5- جاء الإيمانُ مقرونًا بالعملِ الصَّالِحِ في غَيرِ مَوضِعٍ مِن الكتابِ، نَحوُ قولِ اللهِ تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: 82] ، فدلَّ على التَّغايُرِ.

6- أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خاطَب المُؤمِنينَ باسمِ الإيمانِ قَبلَ أن يوجِبَ عليهم الأعمالَ، في مِثلِ قولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 183] .

7- أشهَرُ أدلَّةِ المُرجِئةِ الأحاديثُ الوارِدةُ في إثباتِ دُخولِ الجنَّةِ لكُلِّ مَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ 139 ، وحديثُ: شفاعتي لأهلِ الكبائِرِ مِن أمَّتي 140 ، وحديثُ الشَّفاعةِ الذي فيه إثباتُ الخُروجِ مِن النَّارِ لقومٍ لم يعمَلوا خيرًا قطُّ 141 .

قال ابنُ قُتَيبةَ: (المُرجِئُ يحتَجُّ برِوايتِهم: مَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ، فهو في الجنَّةِ، قيل: وإن زنى وإن سرَق؟ قال: وإن زنى وإن سرَق 142 ، ومَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ مُخلِصًا، دخَل الجنَّةَ، ولم تمسَّه النَّارُ 143 ، وأعدَدْتُ شفاعتي لأهلِ الكبائِرِ مِن أمَّتي 144 145 .

وأمثالُ هذه الأحاديثِ هي مِن المُتشابِهِ الذي اتَّبَعه المُرجِئةُ، وترَكوا النُّصوصَ المُحكَمةَ مِن القرآنِ والسُّنَّةِ التي تُخالِفُ قولَهم، وهذه المُتشابِهاتُ قد ذكَر العُلَماءُ وُجوهًا كثيرةً في تفسيرِها وتوجيهِها، ومِن ذلك:

قال ابنُ خُزَيمةَ: (هذه اللَّفظةُ: لم يعمَلوا خيرًا قطُّ 146 مِن الجنسِ الذي يقولُ العربُ: يُنفى الاسمُ عن الشَّيءِ لنَقصِه عن الكمالِ والتَّمامِ؛ فمعنى هذه اللَّفظةِ على هذا الأصلِ: لم يعمَلوا خيرًا قطُّ على التَّمامِ والكمالِ، لا على ما أُوجِب عليه وأُمِرَ بهـ) 147 .

وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: (أمَّا قولُه: لم يعمَلْ حَسنةً قطُّ 148 ، وقد رُوِي: لم يعمَلْ خيرًا قطُّ 149 ؛ أنَّه لم يُعذِّبْه إلَّا ما عدا التَّوحيدَ مِن الحَسناتِ والخيرِ 150 ...، وهذا شائِعٌ في لسانِ العربِ: أن يُؤتى بلفظِ الكُلِّ والمُرادُ البعضُ، وقد يقولُ العربُ: لم يفعَلْ كذا قطُّ؛ يُريدُ الأكثَرَ مِن فِعلِه، ألا ترى إلى قولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يضَعُ عصاه عن عاتِقِه 151 ، يُريدُ أنَّ الضَّربَ للنِّساءِ كان منه كثيرًا، لا أنَّ عصاه كانت ليلًا ونهارًا على عاتِقِهـ) 152 .

وقال عِياضٌ: (قد جاء هذا الحديثُ وأمثِلةٌ له كثيرةٌ في ألفاظِها اختِلافٌ، ولمعانيها عندَ أهلِ التَّحقيقِ ائتِلافٌ، وللنَّاسِ فيها خَبطٌ كثيرٌ، وعن السَّلفِ خلافٌ مأثورٌ...، فحُكِي عن جماعةٍ مِن السَّلفِ، منهم ابنُ المُسيَّبِ وغَيرُه؛ أنَّ هذا كان قَبلَ أن تَنزِلَ الفرائِضُ والأمرُ والنَّهيُ، وذهَب بعضُهم إلى أنَّها مُجمَلةٌ تحتاجُ إلى شرحٍ، ومعناه: مَن قال الكلمةَ وأدَّى حقَّها وفريضتَها، وهو قولُ الحَسنِ البَصريِّ، وذهَب بعضُهم إلى أنَّ ذلك لمَن قالها عندَ التَّوبةِ والنَّدمِ، ومات على ذلك، وهو قولُ البُخاريِّ) 153 .

وقال النَّوويُّ: (معنى قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: دخَل الجنَّةَ، أي: دخَلها بَعدَ مُجازاتِه بالعذابِ، وهذا لا بُدَّ مِن تأويلِه؛ لِما جاء في ظواهِرَ كثيرةٍ مِن عذابِ بعضِ العُصاةِ، فلا بُدَّ مِن تأويلِ هذا؛ لئلَّا تتناقَض نُصوصُ الشَّريعةِ) 154 .

فالمُرجِئةُ أخطؤوا خطأً عظيمًا في إخراجِ العَملِ مِن مُسمَّى الإيمانِ، واقتصَروا على جَعلِ الإيمانِ التَّصديقَ والقولَ، معَ أنَّ الإيمانَ يشمَلُ التَّصديقَ والقولَ والعَملَ.

قال ابنُ تيميَّةَ: (أنكَر حمَّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ ومَن اتَّبَعه تفاضُلَ الإيمانِ، ودُخولَ الأعمالِ فيه، والاستِثناءَ فيه، وهؤلاء مِن مُرجِئةِ الفُقَهاءِ) 155 .

وقال عنهم أيضًا: (قالوا: الأعمالُ ليست مِن الإيمانِ؛ لأنَّ اللهَ فرَّق بَينَ الإيمانِ والأعمالِ في كتابِه، ثُمَّ قال الفُقَهاءُ المُعتبَرونَ مِن أهلِ هذا القولِ: إنَّ الإيمانَ هو تصديقُ القلبِ وقولُ اللِّسانِ، وهذا المنقولُ عن حمَّادِ بنِ أبي سُلَيمانَ ومَن وافَقه، كأبي حَنيفةَ وغَيرِهـ) 156 .

وقال أيضًا: (المُرجِئةُ المُتكلِّمونَ منهم والفُقَهاءُ منهم يقولونَ: إنَّ الأعمالَ قد تُسمَّى إيمانًا مجازًا؛ لأنَّ العَملَ ثَمَرةُ الإيمانِ ومُقتضاه، ولأنَّها دليلٌ عليه، ويقولونَ: قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإيمانُ بِضعٌ وستُّونَ، أو بِضعٌ وسَبعونَ شُعبةً، أفضَلُها قولُ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريقِ 157 مجازٌ) 158 .

وقال أيضًا: (المُرجِئةُ ثلاثةُ أصنافٍ:

الذين يقولونَ: الإيمانُ مُجرَّدُ ما في القلبِ، ثُمَّ مِن هؤلاء مَن يُدخِلُ فيه أعمالَ القُلوبِ، وهُم أكثَرُ فِرَقِ المُرجِئةِ، كما قد ذكَر أبو الحَسنِ الأشعَريُّ أقوالَهم في كتابِه، وذكَر فِرَقًا كثيرةً يطولُ ذِكرُهم، لكن ذكَرْنا جُملَ أقوالِهم، ومنهم مَن لا يُدخِلُها في الإيمانِ، كجَهمٍ ومَن اتَّبَعه، كالصَّالِحيِّ، وهذا الذي نصَره هو وأكثَرُ أصحابِه.

والقولُ الثَّاني: مَن يقولُ: هو مُجرَّدُ قولِ اللِّسانِ، وهذا لا يُعرَفُ لأحدٍ قَبلَ الكَرَّاميَّةِ.

والثَّالثُ: تصديقُ القلبِ وقولُ اللِّسانِ، وهذا هو المشهورُ عن أهلِ الفِقهِ والعِبادةِ منهم، وهؤلاء غَلِطوا مِن وُجوهٍ؛ أحدُها: ظنُّهم أنَّ الإيمانَ الذي فرَضه اللهُ على العِبادِ مُتماثِلٌ في حقِّ العِبادِ، وأنَّ الإيمانَ الذي يجِبُ على شخصٍ يجِبُ مِثلُه على كُلِّ شخصٍ...، الوَجهُ الثَّاني مِن غَلطِ المُرجِئةِ: ظنُّهم أنَّ ما في القلبِ مِن الإيمانِ ليس إلَّا التَّصديقَ فقط دونَ أعمالِ القُلوبِ، كما تقدَّم عن جَهْميَّةِ المُرجِئةِ.

الثَّالثُ: ظنُّهم أنَّ الإيمانَ الذي في القلبِ يكونُ تامًّا بدونِ شيءٍ مِن الأعمالِ؛ ولهذا يجعَلونَ الأعمالَ ثَمرةَ الإيمانِ ومُقتضاه بمنزِلةِ السَّببِ معَ المُسبِّبِ، ولا يجعَلونَها لازِمةً له، والتَّحقيقُ أنَّ إيمانَ القلبِ التَّامَّ يستلزِمُ العَملَ الظَّاهِرَ بحسَبِه لا محالةَ، ويمتنِعُ أن يقومَ بالقلبِ إيمانٌ تامٌّ بدونِ عَملٍ ظاهِرٍ) 159 .

وقال ابنُ تيميَّةَ أيضًا: (عندَ الجَهْميَّةِ: الإيمانُ مُجرَّدُ تصديقِ القلبِ وعِلمِه، هذا قولُ جَهمٍ والصَّالِحيِّ، والأشعَريِّ في المشهورِ عنه، وأكثَرِ أصحابِه. وعندَ فُقَهاءِ المُرجِئةِ: هو قولُ اللِّسانِ معَ تصديقِ القلبِ، وعلى القولَينِ أعمالُ القُلوبِ ليست مِن الإيمانِ عندَهم كأعمالِ الجوارِحِ، فيُمكِنُ أن يكونَ الرَّجلُ مُصدِّقًا بلِسانِه وقلبِه معَ كراهةِ ما نزَّل اللهُ) 160 .

وقال أيضًا: (مِن هنا غلِطَت الجَهْميَّةُ والمُرجِئةُ؛ فإنَّهم جعَلوا الإيمانَ مِن بابِ القولِ: إمَّا قولُ القلبِ الذي هو عِلمُه، أو معنًى غَيرُ العِلمِ عندَ مَن يقولُ ذلك، وهذا قولُ الجَهْميَّةِ ومَن تبِعهم كأكثَرِ الأشعريَّةِ، وبعضِ مُتأخِّري الحَنفيَّةِ؛ وإمَّا قولُ القلبِ واللِّسانِ، كالقولِ المشهورِ عن المُرجِئةِ، ولم يجعَلوا عَملَ القلبِ، مِثلُ حُبِّ اللهِ ورسولِه، ومِثلُ خَوفِ اللهِ؛ مِن الإيمانِ؛ فغَلِطوا في هذا الأصلِ) 161 .