الحَلِفُ: توكيدُ الشَّيءِ بذِكرِ اسمٍ أو صِفةٍ للهِ تعالى، مُصَدَّرًا بحرفٍ من حروفِ القَسَمِ 428.
وقد كان مِن عادةِ العربِ أنْ يَحلِفوا بِآبائِهم أو بآلهتِهم وغيرِ ذلك مَّما يَعبدونَه أو يُعظِّمونَه في الجاهليَّةِ، والحلِفُ بِالشَّيءِ تَعظيمٌ له؛ ولذلك أمَرَ اللهُ في كتابِه أن يُحلَفَ به، فقال سُبحانَه: فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ [المائدة: 106، 107]، ولا يجوزُ الحَلِفُ بِغيرِه؛ لأنَّ حقيقةَ العَظَمَةِ مختصَّةٌ بِاللهِ تعالى، فلا يُساوَى به غيرُه، فمن حَلَف بغَيرِ اللهِ، سواءٌ أكان نبيًّا أم وليًّا، أم الكعبةَ أم غَيرَها، فقد ارتكَبَ كبيرةً من كبائِرِ الذُّنوبِ، ووقَعَ في الشِّركِ.
فإن كان الحالِفُ إنَّما أشرَكَ في لَفظِ القَسَمِ لا غَيرُ، فهذا من الشِّرْكِ الأصغَرِ.
وإن كان الحالِفُ قَصَد بحَلِفِه تعظيمَ المخلوقَ الذي حَلَف به كتعظيمِ اللهِ تعالى، كما يفعَلُه كثيرٌ من الذين يحلِفون بالأولياءِ والمشايخِ أحياءً وأمواتًا، حتى ربَّما بلغ تعظيمُهم في قلوبِهم أنَّهم لا يَحلِفون بهم كاذبينَ، مع أنَّهم يَحلِفون باللهِ وهم كاذِبونَ! فهذا شِركٌ أكبَرُ مخرِجٌ مِن الملَّةِ؛ لأنَّ المحلوفَ به عندهم أجَلُّ وأعظَمُ وأخوَفُ من اللهِ تعالى 429.
عن بُرَيدةَ الأسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليس مِنَّا من حلَفَ بالأمانةِ
430.
وعن قُتَيلةَ بنتِ صَيفِيٍّ أنَّ يهوديًّا أتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّكم تُنَدِّدون وإنَّكم تُشرِكون، تقولونَ: ما شاء اللهُ وشِئْتَ، وتقولون: والكعبةِ! فأمَرَهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أرادوا أن يَحلِفوا أن يقولوا: ورَبِّ الكَعبةِ
، ويقولَ أحَدُهم: ما شاء اللهُ ثمَّ شِئتَ
431.
وعن سَعدِ بنِ عُبيدَةَ قال: سمِعَ ابنُ عُمرَ رجُلًا يَحلِفُ: لا والكَعبةِ، فقال له ابنُ عُمرَ: إنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: مَن حلَفَ بغيرِ اللهِ فقدْ أشرَكَ
432.
ففي هذا الحديث يُخبِرُ التابعيُّ سَعدُ بنُ عُبَيدةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما سمِعَ رجُلًا يحلِفُ بالكعبةِ كما هي عادةُ العَرَبِ، فنَهاه عن ذلك؛ لِمَا فيه مِن النَّهيِ والتشديدِ الذي ورَدَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حيثُ قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن حلَفَ بغيرِ اللهِ فقدْ أَشْرَكَ
أي: أشرَكَ معَه غيرَه بحَلِفِه به. وهذا للزَّجرِ والتَّغليظِ في النَّهيِ والامتِناعِ عنْ مِثلِ هذا الحَلِفِ؛ فمِمَّا يَتعبَّدُ به المسلمُ للهِ عزَّ وجلَّ تَعظيمُ جَنابِ اللهِ سُبحانَه وتعالَى، وتَنزيهُه وتَخصيصُه بالحَلِفِ والقَسَمِ به دونَ غَيرِه من المخلوقاتِ.
وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه أدْرَكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ في رَكْبٍ وهو يَحلِفُ بأبِيه، فنَاداهُم رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألَا إنَّ اللَّهَ يَنْهاكُم أنْ تَحلِفوا بآبائِكُم؛ فمَن كان حالِفًا فلْيَحْلِفْ باللَّهِ، وإلَّا فلْيَصْمُتْ
433.
ففي هذا الحديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا سمِعَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه وهو في ركْبٍ، يَحلفُ بِأبيه، ناداهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأخبَرَهم أنَّ اللهَ تعالى نهَى عَنِ الحلِفِ بِالآباءِ، فمَنْ أرادَ الحلِفَ فَلْيحلِفْ بِاللهِ، وإلَّا فَلْيصمُتْ ولا يَحلِفْ بِغيرِه، وقدْ نَهَى عَنه الشَّرعُ؛ لأنَّه ذَريعةٌ إلى الشِّركِ الأكبرِ، ووَسِيلةٌ للوُقوعِ فيهِ، والشِّركُ الأصغرُ لا يُخرجُ مَن وقعَ فيهِ مِن مِلَّةِ الإسلامِ، ولكنَّه مِن أكبرِ الكبائرِ بَعدَ الشِّركِ الأكبرِ؛ ولذا قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: (لأنْ أحلِفَ باللهِ كاذِبًا أحَبُّ إليَّ من أن أحلِفَ بغَيرِه وأنا صادِقٌ ) 434.
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن حَلَفَ فقالَ في حَلِفِهِ: واللَّاتِ والعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ
435.
ففي هذا الحديثِ بيانُ ما يقولُه الإنسانُ إذا سبَقَه لِسانُه فوَقَع في هذا المحظورِ، فيُخبِرُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن مَن حَلَفَ بِغَيرِ اللَّهِ، مِثلُ أن يقولَ في يَمينِهِ: وَاللَّاتِ والعُزَّى، يُشيرُ بذلك إلى الصَّنَمَينِ اللَّذينِ كانت العرَبُ تَعبُدُهما في الجاهليَّةِ، فمَن سَبَق لِسَانُه بذلك فَلْيقُلْ مُستَدرِكًا على نَفسِهِ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ حَيثُ أشرَكَهُما بِاللَّهِ في التَّعظيمِ؛ إذ الحَلِفُ يَقتَضي تَعظيمَ المَحلوفِ به، وَحَقيقةُ العَظَمةِ مُختَصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى، فَلا يُضاهَى بها مَخلوقٌ، فأوجَبَ قَولَ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ على من حَلَف بغيرِ اللهِ سبحانَه وتعالى 436.
قال أبو حنيفةَ: (لا يُحلَفُ إلَّا باللهِ مُتجَرِّدًا بالتوحيدِ والإخلاصِ) 437.
وسأل إسحاقُ بنُ منصورٍ الكوسج أحمَدَ بنَ حَنبلٍ: (تَكرَهُ أن يحلِفَ الرَّجُلُ بعِتقٍ أو طلاقٍ أو مَشيٍ؟ قال: سبحانَ اللهِ وتعالى! من لا يَكرَهُ ذلك؟! لا يَحلِفُ إلَّا باللهِ) 438.
وقال ابنُ عبد البَرِّ: (لا يجوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ عزَّ وجَلَّ في شَيءٍ مِن الأشياءِ، ولا على حالٍ مِن الأحوالِ، وهذا أمرٌ مجتَمعٌ عليهـ) 439.
وقال أبو بكر السَّرخسي: (الحَلِفُ بغيرِ اللهِ مَنهيٌّ عنه، سواءٌ كان كاذبًا أو صادقًا) 440.
وقال ابنُ قُدامةَ: (لا يجوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ تعالى وصفاتِه، نحوُ أن يحلِفَ بأبيه أو الكعبةِ أو صحابيٍّ أو إمامٍ... قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: من حَلَف بالَّلاتِ والعُزَّى، فلْيَقُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ
441 ؛ لأنَّ الحَلِفَ بغيرِ اللهِ سَيِّئةٌ، والحَسَنةُ تمحو السَّيِّئةَ... ولأنَّ من حلَفَ بغيرِ اللهِ فقد عَظَّم غيرَ اللهِ تعظيمًا يُشبِهُ تعظيمَ الرَّبِّ تبارك وتعالى؛ ولهذا سُمِّيَ شِركًا؛ لكَونهِ أشرَكَ غيرَ اللهِ مع الله تعالى في تعظيمِه بالقَسَمِ به، فيقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، توحيدًا لله تعالى، وبراءةً مِنَ الشِّركِ) 442.
وقال المقريزيُّ: (من الشِّرْكِ باللهِ تعالى المبايِنِ لقَولِه تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ الشِّرْكُ به في اللَّفظِ، كالحَلِفِ بغَيرِهـ) 443.
وقال ولي الله الدهلوي: (من أقسامِ الشِّركِ: أنَّهم كانوا يعتَقِدون في أناسٍ أنَّ أسماءَهم مُبارَكةٌ مُعَظَّمةٌ، وكانوا يعتَقِدون أنَّ الحَلِفَ بأسمائِهم على الكَذِبِ يَستوجِبُ حرمًا في مالِه وأهلِه، فلا يُقدِمون على ذلك؛ ولذلك كانوا يَستَحلِفون الخُصومَ بأسماءِ الشُّرَكاءِ بزَعْمِهم، فنُهُوا عن ذلك، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: من حَلَف بغيرِ اللهِ فقد أشرَكَ
444 445.
وقال حُسَين بن غنَّام المالكي: (من حَلَف بغيرِه مُعَظِّمًا له تعظيمَ العِبادةِ، فقد أجمع أهلُ الإسلامِ على كُفْرِه، وإن لم يَقصِدْ ذلك صار كُفرًا دونَ كُفرٍ... وقد أبان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأمَّتِه معالمَ الدِّيانةِ، وحمى جَنابَ التوحيدِ وصانه، وأعلى قواعِدَه وأركانَه، وسَدَّ كُلَّ طريقٍ يُوصِلُ إلى الضَّلالِ، أو يكونُ للشِّركِ به اتِّصالٌ) 446.
وقال أبو السُّعود السويدي الشَّافعيُّ بعدما فصَّل في حُكمِ الحَلِفِ بغيِر اللهِ: (فقد ظهر لك من جميعِ ما نقَلْتُه أنَّه متردِّدٌ بين الإثمِ والكراهةِ، والإثمُ هو القريبُ؛ لظاهِرِ الدَّليلِ، فيكونُ حرامًا ما لم يقترِنْ به التعظيمُ، كتعظيمِ اللهِ، فيكونُ شِركًا ظاهرًا، وعلى كلِّ حالٍ فهو من الشِّركِ الأصغَرِ عند عدمِ الاقترانِ) 447.
وقال إسماعيل الدهلوي: (الحَلِفُ بغيرِ اللهِ إشراكٌ باللهِ وذكَرَ عِدَّةَ أحاديثَ في تحريمِ الحَلِفِ بغيرِ اللهِ، ثمَّ قال: وقد دلَّت هذه الأحاديثُ على أنَّ الحَلِفَ يضُرُّ بالإيمانِ والعقيدةِ، فإذا صدر هذا من مسلمٍ، فلْيَقُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ) 448.
وقال الشَّوكانيُّ عَقِبَ ذِكرِ مفاسِدِ البناءِ على القُبورِ: (قد توارد إلينا من الأخبارِ ما لا يُشَكُّ معه، أنَّ كثيرًا من هؤلاء القُبوريِّين أو أكثَرَهم إذا توجَّهَت عليه يمينٌ مِن جِهةِ خَصمِه حَلَف باللهِ فاجِرًا، فإذا قيل له بعدَ ذلك: احلِفْ بشَيْخِك ومُعتَقَدِك الوَليِّ الفلانيِّ، تلَعْثَمَ وتلكَّأَ وأبى، واعترف بالحقِّ! وهذا من أبيَنِ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على أنَّ شِرْكَهم قد بلغ فوقَ شِركِ من قال: إنَّه تعالى ثاني اثنين، أو ثالِثُ ثلاثةٍ!) 449.