بُلِينَا فِي هَذَا الْعَصْرِ بِجَمَاعَةٍ مِمَّنْ يَدَّعُونَ الْعِلْمَ، وَيَتَطَاوَلُونَ عَلَى عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مَرَّةً بِالتَّبْدِيعِ وَمَرَّةً بِالتَّكْفِيرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ . وَدَافِعُ بَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ الِانْتِصَارُ لِنَفْسِهِ وَلِحِزْبِهِ وَلِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فَمِهِ دُونَ بَحْثٍ وَاسْتِقْصَاءٍ لِلْمَسْأَلَةِ. فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ، بَدَلَ أَنْ يَتَرَاجَعَ وَيَعْتَذِرَ، تَمَادَى فِي غَيِّهِ، وَأَخَذَ بِلَوَازِمِ كَلَامِهِ فَأَخْرَجَ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَقَدُّمِهِمْ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ دَائِرَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَبَدَّعَهُمْ. وَإِذَا سُئِلَ مَنْ سَلَفُكَ؟ احْتَجَّ بِنُصُوصٍ لِلسَّلَفِ عَرَفَهَا عُلَمَاءُ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ، وَلَمْ يَفْهَمُوهَا كَمَا فَهِمَهَا هَؤُلَاءِ الْأَغْرَارُ، فَلَمْ يُبَدِّعِ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ الْعَالِمَ، رَغْمَ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يُنَبِّهُونَ عَلَى أَخْطَائِهِ فِي دُرُوسِهِمْ دُونَ أَنْ يَتَعَرَّضُوا إِلَى تَبْدِيعِهِ .

قَالَ سَحْنُونُ: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ قَطْعَ بِدْعَةٍ أَظْهَرَهَا".

مَكَثْنَا دَهْرًا وَالنَّاسُ يَتَجَادَلُونَ حَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ، شَارِحَيِ الصَّحِيحَيْنِ، هَلْ هُمَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَمْ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، مُنْذُ أَنْ أَثَارَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ رَجُلٌ يُسَمَّى الْحَدَّادَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ رَحِمِ طَائِفَةٍ بَالَغَتْ فِي التَّبْدِيعِ وَالتَّجْرِيحِ . وَهَا نَحْنُ الْآنَ نَجِدُ قِلَّةً مِنَ الصِّبْيَةِ يُعِيدُونَ إِحْيَاءَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ وَلَكِنْ تَجَاوَزُوا فِي الْحَدِّ حَتَّى قَالُوا بِالتَّكْفِيرِ، حَتَّى اشْتَعَلَتْ مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ بِذِكْرِهِمْ فَظَهَرَ وَانْكَشَفَ أَمْرُهُمْ . وَاللَّهُ إِذَا أَرَادَ قَطْعَ بِدْعَةٍ أَظْهَرَهَا.

وَلِيَعْلَمِ الْقَارِئُ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أُصُولًا يَبْنُونَ عَلَيْهَا.

وَقَبْلَ ذِكْرِهَا، أَرَدْتُ التَّنْبِيهَ إِلَى أَنَّ هُنَالِكَ بَعْضَ طُلَّابِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ وَإِنْ كَانُوا لَا يُعَدُّونَ عَلَى الْيَدِ الْوَاحِدَةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ أَثَرٌ فِي السَّاحَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَكُنْتُ أَصْرِفُ النَّظَرَ عَنْ تَتَبُّعِ أَخْطَائِهِمْ حَتَّى انْكَشَفَ أَمْرُهُمْ وَرَأَيْتُ أَثَرَهُمُ السَّيِّئَ عَلَى النَّاسِ، وَحَتَّى تَأَكَّدْتُ مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى تَكْثِيرِ أَتْبَاعِهِمْ وَتَحْزِيبِهِمْ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ حَقِيقَةِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ .

وَلِيَعْلَمِ الْقَارِئُ أَنَّ هَدَفِي فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ دَحْضُ شُبْهَةِ التَّبْدِيعِ وَالتَّكْفِيرِ عَنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَبَيَانُ مَنْهَجِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْحَدَّادِيَّةِ، وَلَيْسَ تَبْرِيرَ الْأَخْطَاءِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ جَعْلَ الْخَطَأِ صَوَابًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ .

فَمِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ حَمْلُ كَلَامِ السَّلَفِ الْمُطْلَقِ عَلَى كُلِّ مُعَيَّنٍ وَعَدَمُ إِعْذَارِهِ بِالْجَهْلِ، وَتَتَبُّعُ مَا قِيلَ فِي الْعَالِمِ مِنْ ذَمٍّ وَحَمْلُهُ عَلَى أَسْوَأِ مَحَامِلِهِ، وَتَطْبِيقُ قَاعِدَةِ "مَنْ وَقَعَ فِي الْكُفْرِ وَقَعَ الْكُفْرُ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الْبِدْعَةِ وَقَعَتِ الْبِدْعَةُ عَلَيْهِ". وَالْغُلُوُّ فِي بَابِ التَّسْمِيَةِ، فَالْوَاقِعُ فِي بِدْعَةٍ يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ السُّنَّةِ وَيَكُونُ مُبْتَدِعًا؛ إِذْ لَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ فِي الرَّجُلِ سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ. وَالْوَاقِعُ فِي الشِّرْكِ يَزُولُ عَنْهُ وَصْفُ الْإِسْلَامِ وَيَكُونُ مُشْرِكًا أَوْ كَافِرًا وَلَا يُسَمَّى مُسْلِمًا. وَعِنْدَهُمْ "الْقَاعِدَةُ فِي التَّبْدِيعِ وَاحِدَةٌ"، وَمِنْ ذَلِكَ تَنْزِيلُهُمْ كَلَامَ آحَادِ السَّلَفِ مَنْزِلَةَ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ، وَكُلُّ كَلَامِ السَّلَفِ عِنْدَهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ جِهَةِ الْأَخْذِ بِهِ، وَأَمَّا مَوْقِفُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُعَاصِرِينَ، فَيَزْهَدُونَ فِي عِلْمِهِمْ وَفِي كُتُبِهِمْ حَتَّى لَوْ كَانَ شَيْخًا لِلْإِسْلَامِ أَوْ مِنَ الْمُجَدِّدِينَ وَكَثِيرًا مَا يَلْمِزُونَهُمْ فِي نِقَاشَاتِهِمْ كَقَوْلِ بَعْضِ كِبَارِهِمْ: (اِبْنُ تَيْمِيَةَ حَقُّكُمْ) يُرِيدُ التَّنَقُّصَ مِنْهُ ...

وَإِلَيْكَ الشَّوَاهِدَ مِنْ كَلَامِهِمْ :

الشواهد على تلك الأصول

بَعْضُهُمْ أَلَّفَ كِتَابًا قَصَدَ بِهِ إِظْهَارَ الدَّلَائِلِ عَلَى كُفْرِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فِي الْعَلَنِ لَكِنْ أَتْبَاعُهُ فَهِمُوا ذَلِكَ وَأَعْلَنُوا كُفْرَهُمَا، فَرُبَّمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي مَجَالِسِهِ الْخَاصَّةِ وَمَعَ خَوَاصِّهِ فَأَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ فَأَكْثَرُهُمْ مُقَلِّدَةٌ .

وَهَدَفِي هُنَا بَيَانُ أُصُولِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ لَا الرَّدُّ عَلَى شَخْصٍ أَوْ كِتَابٍ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ أُضْطَرُّ إِلَى الِاسْتِشْهَادِ بِكَلَامٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ .

فَأَقْوَى حُجَّةٍ يُورِدُهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ سَوَاءٌ الْكَاتِبُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْحِزْبِ مَا نُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَنْفِي التَّحَيُّزَ وَالْجِهَةَ، وَوَضَعَ بَعْضُهُمْ لِذَلِكَ عُنْوَانًا "إِنْكَارُهُ عُلُوّ اللَّهِ"، فَاسْتَنْبَطَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْفِي الْعُلُوَّ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْعُلُوَّ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّ الْعُلُوَّ يُعْرَفُ بِالْفِطْرَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَهَذَا بِلَا شَكٍّ تَكْفِيرٌ بِاللَّازِمِ، فَضْلًا عَنِ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ، وَسَيَتْبَعُهُ تَكْفِيرٌ بِالتَّسَلْسُلِ وَقَدْ وَجَدْتُ بَعْضَهُمْ يَقُولُ بِهِ اعْتِمَادًا مِنْهُمْ عَلَى مَا قَصَدَهُ الْخَوَارِجُ بِقَوْلِهِمْ: "مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ فَهُوَ كَافِرٌ"، وَعَلَى مَا قَرَّرَهُ حِزْبُ التَّجْرِيحِ أَوِ الْمَنَاهِجَةِ بِقَوْلِهِمْ: "مَنْ لَمْ يُبَدِّعِ الْمُبْتَدِعَ فَيُلْحَقُ بِهِ".

فَالْجِهَةُ وَمِثْلُهَا التَّحَيُّزُ وَالْحَدُّ وَالِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ الَّتِي كَفَّرُوا النَّوَوِيَّ بِهَا أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ، أَوَّلُ مَنْ أَتَى بِهَا الْفَلَاسِفَةُ الْمُتَكَلِّمُونَ، وَاضْطُرَّ أَهْلُ السُّنَّةِ إِلَى اسْتِخْدَامِهَا لِيَرُدُّوا عَلَى تَعْطِيلِهِمْ .

فَقَدْ يُرَادُ بِهَا مَعْنًى حَسَنًا وَهُوَ الْعُلُوُّ كَلَفْظِ الْجِهَةِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا مَعْنًى آخَرُ . وَلِذَلِكَ الْقَاعِدَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنْ نَسْتَفْصِلَ مِنْ قَائِلِهَا مَاذَا أَرَادَ؟ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ عِنْدَهُمْ أَلْفَاظُ آحَادِ السَّلَفِ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ وَرُبَّمَا أَعْلَى، وَلِسَانُ حَالِهِمْ أَنْطَقُ مِنْ لِسَانِ مَقَالِهِمْ . فَلَا يَرَوْنَ الِاسْتِفْصَالَ فِيمَا جَاءَ مِنْهَا فِي كَلَامِ السَّلَفِ، بَلْ يَحْكُمُونَ عَلَى كُلِّ مَنْ نَفَى مَا جَاءَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَوْ أَثْبَتَ مَا نَفَوْهُ بِالْبِدْعَةِ وَرُبَّمَا الْكُفْرِ.

وَلَوْ وَقَفَ عَالِمٌ مُنْصِفٌ عَلَى نَفْيِ لَفْظِ الْجِهَةِ أَوِ التَّحَيُّزِ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورِينَ، لَكَانَ صَنِيعُهُ عَكْسَ مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَالَ: "كَوْنُ الْعُلُوِّ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَمَعْلُومًا بِالْفِطْرَةِ فَلَا أَظُنُّ أَنَّ فُلَانًا قَصَدَ بِالْجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ مَا أَرَادَهُ السَّلَفُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَعْنًى آخَرَ"، لَكِنَّ الْقَوْمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَدَاوَةٌ .

فَهَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ كَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ بَعْضُهُمْ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ عِنَايَةٍ بِآثَارِ السَّلَفِ؛ لِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ظَنُّوا أَنَّ قَوْلَ "إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ" هُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِنَا "إِنَّ عِيسَى فِي السَّمَاءِ"، فَيُبَادِرُونَ إِلَى الْإِنْكَارِ أَوِ التَّفْوِيضِ . وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ، قَالُوا قَدْ أَثْبَتُّمْ لَهُ الْمَكَانَ وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَنَّ السَّمَاءَ وَالْمَكَانَ هُنَا بِمَعْنَى الْعُلُوِّ أَيْ فَوْقَ السَّمَاءِ . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255]. فَإِذَا كَانَ الْكُرْسِيُّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ فَمَا بَالُكَ بِالْعَرْشِ وَهُوَ أَعْظَمُ، وَمَا بَالُكَ بِاللَّهِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .

ثُمَّ يَأْتِي هَؤُلَاءِ فَيَتَّهِمُونَهُمْ بِإِنْكَارِ الْعُلُوِّ وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ مُبَرِّرًا فِي تَكْفِيرِهِمْ.

وَليُعْلَمْ أَنَّ النَّوَوِيَّ يَنْقُلُ فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ كَثِيرًا عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ صَاحِبِ "إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ"، وَعِيَاضٌ يَنْقُلُ عَنِ الْمَازِرِيِّ الْأَشْعَرِيِّ . وَكَأَنَّ النَّوَوِيَّ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فَأَمَرَ تِلْمِيذَهُ ابْنَ الْعَطَّارِ السَّلَفِيَّ أَنْ يُتْلِفَ بَعْضَ كُتُبِهِ، وَهَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى صِحَّةِ نِسْبَةِ كِتَابِ (جُزْءٌ فِي ذِكْرِ مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ عِنْدَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ) إِلَيْهِ، وَالَّذِي قَرَّرَ فِيهِ عَقِيدَةً تُخَالِفُ مَا يَعْتَقِدُهُ الْأَشَاعِرَةُ، وَرَدَّ فِيهِ عَلَيْهِمْ . وَفِيهِ: "وَلَعَمْرِي لَقَدِ انْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِ الْأَشَاعِرَةِ وَتَلْبِيسَاتِهِمْ عِنْدَ الْعَارِفِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ وَدَقَائِقِهِ". وَالْمُشَكِّكُونَ فِي نِسْبَةِ الْكِتَابِ لَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ، فَبَدَلَ أَنْ يُكَذِّبُوا نِسْبَةَ الْكِتَابِ لِلنَّوَوِيِّ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ، ذَهَبُوا يَنْتَقِدُونَ الْمُحَقِّقَ أَنَّهُ لَمْ يُثْبِت الْكِتَابَ بِالطُّرُقِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمُحَقِّقِينَ . وَفَرْقٌ بَيْنَ التَّكْذِيبِ وَبَيْنَ التَّقْصِيرِ فِي التَّحْقِيقِ .

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ إِثْبَاتِ أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي جِهَةٍ، فَيَظُنُّ الْمُخَالِفُ أَنَّ لَازِمَ ذَلِكَ التَّحَيُّزُ (بِمَفْهُومِهِمْ)، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: "كَوْنُ الْأَحْيَازِ الْمَوْجُودَةِ تُحِيطُ بِهِ"، وَهَذَا مِنْ آثَارِ تَأَثُّرِهِمْ بِعِلْمِ الْكَلَامِ . وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا شَرْحَ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّفْصِيلَ فِيهَا، وَإِنَّمَا بَيَانُ أَنَّ هُنَالِكَ أَكْثَرَ مِنْ مَخْرَجٍ أَوْ عُذْرٍ لِنَفْيِ التَّكْفِيرِ بَلْ حَتَّى التَّبْدِيعِ عَنِ النَّوَوِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ كَابْنِ حَجَرٍ، لَكِنَّ الْقَوْمَ لَا يَعْذِرُونَ بِالْجَهْلِ وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ: "مَنْ وَقَعَ فِي الْبِدْعَةِ - وَلَوْ كَانَ لَا يَقْصِدُ حَقِيقَتَهَا - وَقَعَتِ الْبِدْعَةُ وَالتَّبْدِيعُ عَلَيْهِ".

كَذَلِكَ الْكَلَامُ عَنِ الْحَدِّ، فَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ الِاسْتِفْصَالُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَنْ مَقْصُودِ قَائِلِهَا، لَا أَنْ نُبَادِرَ بِالتَّبْدِيعِ وَالتَّكْفِيرِ. وَهَذِهِ الْمَبَاحِثُ فَهْمُهَا يُفِيدُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْحُلُولِيَّةِ وَالِاتِّحَادِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ عُمُومًا، وَيُرَاجَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كِتَابُ (إِثْبَاتِ الْحَدِّ" لِلدَّشْتِيِّ). وَبِالْمُنَاسَبَةِ، هُمْ يَجْعَلُونَ مَنْ أَوَّلَ الِاسْتِوَاءَ كَمَنْ نَفَى الْعُلُوَّ، وَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالْعُلُوِّ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَنْ يَقْبَلَ أَحَدٌ التَّكْفِيرَ مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ تَأْوِيلِ الِاسْتِوَاءِ كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَفَّرُوهُ .

وَالْعَجِيبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَقَلَ فِي كِتَابِهِ كَلَامًا أَوْرَدَهُ النَّوَوِيُّ فِي (رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ): "وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ [أَيِ الْكَافِرُ]: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، أَوْ إِلَّا مَلِكُ السَّمَاءِ، كَانَ مُؤْمِنًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}" [الملك: 16]. فَقَالَ هُوَ يُقِرُّ بِلَفْظَةِ "فِي السَّمَاءِ" لَكِنَّهُ يُفَرِّغُهَا مِنْ مَعْنَاهَا. قُلْتُ: وَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ الْعِلْمِيَّةِ، فَالرَّجُلُ هَمُّهُ تَكْفِيرُ النَّوَوِيِّ أَوْ تَبْدِيعُهُ أَوِ التَّلْمِيحُ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَالنَّوَوِيُّ قَالَ إِكْمَالًا لِنَقْلِهِ السَّابِقِ: "وَلَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا سَاكِنُ السَّمَاءِ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ السُّكُونَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى". وَلَمْ يَقُلْ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ السَّمَاءِ، فَثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا عَنْ مَقْصُودِ النَّوَوِيِّ فِي النَّفْيِ . وَلَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا الدِّفَاعَ عَنِ النَّوَوِيِّ، فَأَنَا لَمْ أَسْتَقْصِ كُلَّ كَلَامِهِ، وَلَا شَكَّ فِي خَطَئِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُبَيِّنَ مَسْلَكَ الْقَوْمِ مَعَ الْخُصُومِ وَمَنْهَجَهُمُ الْبَاطِلَ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ .

وَمِمَّا يُبَيِّنُ عَدَمَ فَهْمِهِمْ لِكَلَامِ السَّلَفِ وَهُمْ يَدَّعُونَ عِنَايَتَهُمْ بِكُتُبِ السَّلَفِ - وَلِذَلِكَ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ - عِنْدَمَا ذَكَرَ نَفْيَ النَّوَوِيِّ لِلِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ، أَوْرَدَ الْآثَارَ الَّتِي فِيهَا "أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَمَسَّ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا ثَلَاثَ"، وَجَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى إِثْبَاتِ الِاتِّصَالِ بِمَعْنَى الْمُمَاسَّةِ، وَأَطْلَقَ فَقَالَ: "إِثْبَاتُ الْمُمَاسَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى"، مَعَ أَنَّ الْآثَارَ عَنِ السَّلَفِ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً، فَقَدْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ مُمَاسَّتِهِ لِلْعَرْشِ. وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ أَسَاسِهَا ذَكَرَهَا السَّلَفُ مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ وَلَيْسَتْ عَقِيدَةً مُسْتَقِلَّةً يُثْبَتُ بِهَا اسْمٌ أَوْ وَصْفٌ كَمَا ظَنَّ هَؤُلَاءِ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ السُّفْلَى، وَإِنَّهُ غَيْرُ مُمَاسٍّ لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقُهُ بَائِنُونَ مِنْهُ" .

وَالَّذِي أَلْجَأَ أَهْلَ الْعِلْمِ إِلَى الْخَوْضِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَأَلْزَمُوهُمْ بِالْمُمَاسَّةِ، فَكَانَ جَوَابُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ هُوَ الْحَاسِمَ فِي الْمَسْأَلَةِ.

فَفِي "بَيَانِ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ" قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي بَيَانِ رَدِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ: "فَكَيْفَ يَكُونُ فِي كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ مُمَاسٍّ؟ يَقُولُ أَحْمَدُ إِنَّ هَذَا لَا يُعْقَلُ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَذَكَرَ أَنَّ الْخَصْمَ لَمْ يُحْسِنِ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يُعْقَلُ كَوْنُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مُمَاسٍّ. فَلَمَّا كَانَ هَذَا غَيْرَ مَعْقُولٍ لَجَأَ الْخَصْمُ إِلَى أَنْ قَالَ: بِلَا كَيْفَ . قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَخَدَعَ الْجُهَّالَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، مَوَّهَ عَلَيْهِمْ".

وَقَوْلُهُمْ "بِلَا كَيْفَ" كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ تَمْوِيهٌ، وَهِيَ لَيْسَتْ عَلَى نَحْوِ "بِلَا كَيْفَ" الَّتِي نَذْكُرُهَا فِي الصِّفَاتِ، وَقَدْ أَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إِلَى هَذَا. وَهَذَا الطَّاعِنُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فِي مُنَاظَرَتِهِ الْمَشْهُورَةِ مَعَ الْحُسَيْنِيِّ تَكَلَّمَ عَنِ الِانْفِصَالِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُمَاسَّةِ، وَكَأَنَّهُ نُبَّهَ عَلَى خَطَئِهِ .

حشوية في جمع الآثار

وَهُنَا فَائِدَةٌ قَلَّ مَنْ يُنَبِّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَيْضًا تُبَيِّنُ خَطَأَ الْقَوْمِ فِي فَهْمِ كَلَامِ السَّلَفِ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِعَدَمِ التَّعَمُّقِ فِي أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْكَيْفِيَّةِ. فَالْكَرَّامِيَّةُ لَمَّا خَاضُوا فِي الْكَيْفِيَّةِ وَتَعَمَّقُوا فِيهَا قَالَ السَّلَفُ: "مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ بِدُونِ مُمَاسَّةٍ" رَدّاً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَأْتِي مَنْ يَجْعَلُ مِثْلَ هَذِا مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الطَّعْنِ فِي الْعَالِمِ لَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي (بَيَانِ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ): "كَوْنُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ الْمُتَوَاتِرِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مَعَ دَلَالَةِ الْعَقْلِ ضَرُورَةً وَنَظَرًا، أَنَّهُ خَارِجُ الْعَالَمِ، فَلَا يَخْلُو مَعَ ذَلِكَ: إِمَّا أَنْ يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ مُمَاسّاً أَوْ مُبَايِنًا، أَوْ لَا يَلْزَمَ. فَإِنْ لَزِمَ أَحَدُهُمَا كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لِلْحَقِّ وَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ، وَلَيْسَ فِي مُمَاسَّتِهِ لِلْعَرْشِ وَنَحْوِهِ مَحْذُورٌ كَمَا فِي مُمَاسَّتِهِ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ... وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ كَوْنِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ أَنْ يَكُونَ مُمَاسًّا أَوْ مُبَايِنًا فَقَدِ انْدَفَعَ السُّؤَالُ".

فَأَنْكَرَ إِطْلَاقَ الْمُمَاسَّةِ أَوْ أَنَّهُ مُمَاسٌّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ.

وَقَالَ فِي "الدَّرْءِ": "وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَإِنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِقَدْرٍ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ عَلَيْهِ مُمَاسَّةَ الْعَرْشِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ" .

فَأَلْفَاظُ السَّلَفِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَنْبَغِي وَزْنُهَا بِالْمِيزَانِ الصَّحِيحِ، فَلَيْسَتْ هِيَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ . فَبَعْضُهَا نُلْزِمُ الْمُتَحَدِّثَ أَنْ يَذْكُرَهَا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ، فَمَنْ قَالَ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ" وَسَكَتَ عَنْ لَفْظَةِ "غَيْرِ مَخْلُوقٍ" لِعَدَمِ وُرُودِهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أُنْكِرَ عَلَيْهِ، بَلْ عَدَّ السَّلَفُ السَّاكِتَ مِنَ الْوَاقِفَةِ وَقَالُوا هُمْ أَشَرُّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَكَمَا فِي لَفْظِ "بِذَاتِهِ" عِنْدَ قَوْلِهِمْ: "عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ" وَ "يَنْزِلُ بِذَاتِهِ"، فَلَا إِنْكَارَ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ إِعْرَاضُهُ عَنْهَا لِرِيبَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَلْجَأَهُ لِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ حِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَكَانَتْ عِبَارَتُهُمْ "مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ".

وَكَمَا فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ بِالِاسْتِقْرَارِ وَالْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ، فَمَنِ اكْتَفَى بِتَفْسِيرِهِ بِالتَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ كَالْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ وَهُوَ يُثْبِتُهُ حَقِيقَةً فَلَا إِنْكَارَ عَلَيْهِ مَا دَامَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ فَسَّرَهُ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى يُقِرُّ بِثُبُوتِهَا عَنِ السَّلَفِ كَالِاسْتِقْرَارِ وَالْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ .

وَهَذَا بَابٌ لَمْ يَفْهَمْهُ الْقَوْمُ فَتَرَاهُمْ يَتَعَمَّدُونَ ذِكْرَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَخْتَبِرُونَ بِهَا النَّاسَ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِمْ رَمَوْهُ بِالتَّجَهُّمِ أَوِ الْجَهْلِ، فَهُمْ كَمَا قَرَّرْنَا آنِفًا يُنْزِلُونَ كُلَّ قَوْلٍ لِلسَّلَفِ مَنْزِلَةَ مَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ .

وَقَدْ رَأَيْنَا السَّلَفِيَّةَ الْمُفَوِّضَةَ قَدْ خَرَجُوا مِنْ رَحِمِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ لِعَدَمِ عِنَايَتِهِمْ بِفَهْمِ الْآثَارِ، فَحَمَلُوا بَعْضَ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ عَلَى التَّفْوِيضِ، كَقَوْلِهِمْ فِي الصِّفَاتِ: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا تَفْسِيرٍ وَلَا مَعْنًى"، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ الْمَقْصُودَ تَفْسِيرُهَا بِظَاهِرِهَا لَا بِالتَّفْسِيرِ أَوِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْجَهْمِيَّةُ . وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ لَهُ عِنَايَةٌ بِآثَارِ السَّلَفِ وَجَمْعِ أَقْوَالِهِمْ فِي الْبَابِ الْوَاحِدِ، وَتَنْزِيلِ كَلَامِهِمْ كَمَا أَرَادُوا، مَعَ الْأَخْذِ فِي الِاعْتِبَارِ دَلَالَةَ الْحَالِ، وَالشَّخْصِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ تِلْكَ الْمَقَالَةُ، وَالزَّمَانَ وَحَتَّى الْمَكَانَ، فَأَقْوَالُ بَعْضِ السَّلَفِ فِي بَغْدَادَ لَيْسَتْ كَأَقْوَالِهِمْ عِنْدَمَا رَحَلُوا إِلَى خُرَاسَانَ. ثُمَّ يَأْتِي هَؤُلَاءِ الْغِلْمَةُ فَيَقْرَأُ أَحَدُهُمُ الْأَثَرَ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ فَيَرْمِي الْآخَرِينَ بِالتُّهَمِ حَسَبَ فَهْمِهِ وَيُلَقِّبُ نَفْسَهُ بِالْأَثَرِيِّ !! .

الإمام أبو حنيفة

وَأَمَّا الْحُجَجُ الَّتِي يُورِدُونَهَا عَلَى تَبْدِيعِ أَبِي حَنِيفَةَ وَرُبَّمَا تَكْفِيرِهِ، فَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِي تَكْفِيرِهِ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَ جَدِيدًا، بَلْ هُوَ مِمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ السَّلَفِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَوْلُهُ: "إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اسْتُتِيبَ مِنَ الْكُفْرِ مَرَّتَيْنِ".

قَالَ بَعْضُهُمْ: "مَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ مِثْلَ فَرَحِي بِأَثَرِ سُفْيَانَ". فَالْقَوْمُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَاوَةٌ، وَانْظُرْ إِلَى تَصَرُّفِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعَ هَذَا الْأَثَرِ .

فَهَذَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ قَالَ: "فَهَذَا وَمِثْلُهُ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحْسَنَ النَّظَرَ وَالتَّأَمُّلَ مَا فِيهِ" أَيْ كَذِبُهُ. وَنَقَلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ - وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الثِّقَاتِ وَمِمَّنْ رَوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ - أَنَّهُ قَالَ: "هَذِهِ وَاللَّهِ كَذِبٌ، قَدْ كَانَ بِالْكُوفَةِ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ ابْنَا صَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَهُمَا مِنَ الْوَرَعِ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُفْتِي بِحَضْرَتِهِمَا وَلَوْ كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ مَا رَضِيَا بِهِ، وَقَدْ كُنْتُ بِالْكُوفَةِ دَهْرًا فَمَا سَمِعْتُ بِهَذَا". وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إِنَّمَا وَقَعَتْ هَذِهِ الِاسْتِتَابَةُ مِنَ الْخَوَارِجِ فَهِيَ مَنْقَبَةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَا مَذَمَّةٌ. فَقَدْ ذَكَرَ رُكْنُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ عَتِيقِ بْنِ دَاوُدَ الْيَمَانِيِّ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى الْكُوفَةِ أَخَذُوا أَبَا حَنِيفَةَ، فَقِيلَ لَهُمْ: "هَذَا شَيْخُكُمْ". وَالْخَوَارِجُ يَعْتَقِدُونَ كُفْرَ مَنْ خَالَفَهُمْ. فَقَالُوا: "تُبْ يَا شَيْخُ مِنَ الْكُفْرِ". فَقَالَ: "أَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ كُفْرٍ". فَخَلَّوْا عَنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى عَنْهُمْ قِيلَ لَهُمْ: "إِنَّهُ تَابَ مِنَ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَعْنِي مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ". فَرَدُّوهُ. فَقَالَ رَأْسُهُمْ: "يَا شَيْخُ إِنَّمَا تُبْتَ مِنَ الْكُفْرِ وَتَعْنِي بِهِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ". فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "أَبِظَنٍّ تَقُولُ هَذَا، أَمْ بِعِلْمٍ؟" فَقَالَ: "بَلْ بِظَنٍّ". فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]. وَهَذِهِ خَطِيئَةٌ مِنْكَ. وَكُلُّ خَطِيئَةٍ عِنْدَكَ كُفْرٌ. فَتُبْ أَنْتَ أَوَّلًا مِنَ الْكُفْرِ". فَقَالَ: "صَدَقْتَ. أَنَا تَائِبٌ مِنَ الْكُفْرِ". فَتُبْ أَنْتَ أَيْضًا مِنَ الْكُفْرِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "أَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ كُفْرٍ". فَخَلَّوْا عَنْهُ. فَلِهَذَا قَالَ خُصَمَاؤُهُ: "اسْتُتِيبَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الْكُفْرِ مَرَّتَيْنِ". فَلَبَّسُوا عَلَى النَّاسِ. وَإِنَّمَا يَعْنُونَ اسْتِتَابَةَ الْخَوَارِجِ إِيَّاهُ".ا.هـ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْقِصَّةَ الْمُوَفَّقُ الْمَكِّيُّ فِي كِتَابِهِ "مَنَاقِبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ". وَذَكَرَهَا غَيْرُهُ. وَيُؤَكِّدُ كَذِبَ مَا نُقِلَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فِي أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ كَانَ يُجِلُّ أَبَا حَنِيفَةَ، فَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: "لَا أَعْرِفُ"، فَذَهَبَ السَّائِلُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَأَجَابَهُ فَرَجَعَ السَّائِلُ إِلَى الثَّوْرِيِّ. قَالَ: "فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسُفْيَانَ فَقَالَ: كَيْفَ قَالَ لَكَ فِيهَا؟ قُلْتُ: قَالَ فِيهَا كَذَا وَكَذَا. فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا حُسَيْنُ، هُوَ عَلَى مَا قَالَ لَكَ أَبُو حَنِيفَةَ". وَجَاءَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: "سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَكْثَرُ مُتَابَعَةً لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنِّي". وَكَانَ سُفْيَانُ يُدَافِعُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ أَبِي قُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ ضُرَيْسٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: "مَا تَنْقِمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ؟" قَالَ لَهُ: "وَمَا لَهُ؟" قَالَ: "سَمِعْتُهُ يَقُولُ: آخُذُ بِكِتَابِ اللَّهِ فَمَا لَمْ أَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا لَمْ أَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذْتُ بِقَوْلِ أَصْحَابِهِ آخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ وَأَدَعُ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ".

وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَذْكُرُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: "كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ شَدِيدَ الْأَخْذِ لِلْعِلْمِ ذَابّاً عَنْ حَرَمِ اللَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ، يَأْخُذُ بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُهَا الثِّقَاتُ وَبِالْآخَرِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا أَدْرَكَ عَلَيْهِ عُلَمَاءَ الْكُوفَةِ ثُمَّ شَنَّعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَهُمْ".

فَلَا يُهَوِّلَنَّكَ كَثْرَةُ الْآثَارِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا الْقَوْمُ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ، فَأَكْثَرُهَا لَا تَثْبُتُ، وَمَا ثَبَتَ مِنْهَا فَقَدْ رَأَيْتَ الْجَوَابَ عَنْهُ وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْ بَاقِي شُبَهِهِمْ. وَقَدْ رَأَيْتُ أَكْثَرَهُمْ يَغْتَرُّ بِهَذَا الْأُسْلُوبِ فِي جَمْعِ الْآثَارِ الْكَثِيرَةِ لِلتَّدْلِيلِ عَلَى شَيْءٍ مَا، وَهُمْ يَدَّعُونَ مَعْرِفَتَهُمْ بِآثَارِ السَّلَفِ وَكُتُبِ الْعَقِيدَةِ الْمُسْنَدَةِ، وَمَا دَرَوْا أَنَّ الْمُصَنِّفِينَ الْقُدَامَى كَانُوا يَجْمَعُونَ كُلَّ مَا قِيلَ فِي الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءٌ مِنْهُ الصَّحِيحُ أَوِ الضَّعِيفُ وَحَتَّى الْمَوْضُوعُ مِنْ بَابِ التَّقْمِيشِ، ثُمَّ يَتْرُكُونَ لِلْقَارِئِ التَّفْتِيشَ وَتَمْيِيزَ الصَّحِيحِ مِنَ الضَّعِيفِ. وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الْأُمَّةَ سَتُبْتَلَى بِخُلُوفٍ لَا يُمَيِّزُونَ لَرُبَّمَا كَانَ لَهُمْ شَأْنٌ آخَرُ.

وَبِالتَّتَبُّعِ رَأَيْتُ أَكْثَرَ الْقَوْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَعْرِضُونَ عَنْ أَثَرِ سُفْيَانَ هَذَا، وَيُورِدُونَ مَا عَدَاهُ رَغْمَ أَنَّهُ أَحْسَنُهَا إِسْنَادًا، لِعِلْمِهِمْ مَا بَيْنَ سُفْيَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ فَإِنَّ سُفْيَانَ كَانَ نَاقِلًا لِلِاسْتِتَابَةِ لَا حَاكِيًا، فَلَوْ صَحَّ الْإِسْنَادُ إِلَى سُفْيَانَ فَهِيَ مُجَرَّدُ حِكَايَةٍ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْقَوْمَ عِنْدَهُمْ غُلُوٌّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ آثَارِ السَّلَفِ فَلَا يَأْخُذُونَ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ الزَّمَنَ الَّذِي حَدَثَتْ فِيهِ تِلْكَ الْوَقَائِعُ وَيَتَغَافَلُونَ عَنْ دَلَالَةِ الْحَالِ. فَأَبُو حَنِيفَةَ عُرِفَ بِفِطْنَتِهِ وَذَكَائِهِ وَقُوَّةِ حُجَجِهِ فِي الْمُنَاظَرَاتِ، وَكَانَ يُخَطِّئُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَلَهُ أَتْبَاعٌ كَثِيرُونَ، بَلْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ فِي الْخَفَاءِ حَتَّى يَسْأَلُونَهُ عَنْ بَعْضِ الْمَسَائِلِ. وَهَذَا أَكْسَبَهُ شُهْرَةً نَتَجَ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعَدَاوَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الِانْتِقَاءِ": "وَذَكَرَ السَّاجِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ لَهُ فِي بَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ اسْتُتِيبَ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ فَتَابَ، وَالسَّاجِيُّ مِمَّنْ كَانَ يُنَافِسُ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ" يُشِيرُ إِلَى رَدِّ رِوَايَتِهِ.

فَجَعَلَ ذَلِكَ مَطْعَنًا فِي رِوَايَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِسَبَبِ الْخُصُومَاتِ بَيْنَ أَتْبَاعِ الْمَذَاهِبِ، وَفِي عَصْرِنَا نَرَى أَشَدَّ مِنْ هَذَا حَيْثُ كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ وَآخَر اتَّهَمُوهُ بِالْإِرْجَاءِ وَآخَر قِيلَ إِنَّهُ عَلَى مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ وَكُلُّ ذَلِكَ هَبَاءٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَازْدَادَ الطَّعْنُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَمَذْهَبِهِ بِسَبَبِ أَتْبَاعِهِ، خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ تَبَنَّى بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْمَذْهَبَ الْحَنَفِيَّ، فَانْصَبَّتْ عَلَيْهِمْ سِهَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَكَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ خِلَالَ هَذَا شَيْءٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّهْوِيلِ وَرُبَّمَا الْكَذِبِ مِنْ بَعْضِ قَلِيلِي الْعِلْمِ مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، حَتَّى بَلَغَ الْحَالُ بِبَعْضِ الْأَتْبَاعِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ مَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ بِسَبَبِ الْخُصُومَاتِ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي (مِنْهَاجِ السُّنَّةِ): "وَكَذَلِكَ الْحَنَفِيُّ يَخْلِطُ بِمَذَاهِبِ أَبِي حَنِيفَةَ شَيْئًا مِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَالْكُلَّابِيَّةِ وَيُضِيفُهُ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ". وَسَيَأْتِي أَنَّ حَفِيدَهُ وَقَدْ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا نَسَبَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ.

وَمِنَ التُّهَمِ الَّتِي رَمَوْا بِهَا أَبَا حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ غَرَضِي هُنَا وَلَا فِيمَا سَبَقَ الدِّفَاعَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَدْ سَبَقَ أَنْ كَتَبْتُ مَقَالًا بِعُنْوَانِ "أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ" تَجِدُهُ فِي مَجَلَّةِ "الْمُخْتَصَرِ"، وَلَكِنَّ غَرَضِي أَنْ أُبَيِّنَ كَيْفَ يَتَعَامَلُ هَؤُلَاءِ الْأَغْرَارُ مَعَ الْآثَارِ وَيَسْتَخْدِمُونَهَا فِي تَحْقِيقِ مَآرِبِهِمْ. أَمَّا أَقْوَى حُجَجِهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حَفِيدَهُ قَالَ: "الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَهَذَا دِينِي وَدِينُ أَبِي وَجَدِّي"، فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبِ، مَسْأَلَةٌ خَطِيرَةٌ مِثْلُ هَذِهِ يُحْتَجُّ فِي إِثْبَاتِهَا بِمِثْلِ هَذَا. ثُمَّ تَرَاهُمْ يَنْقُلُونَ آثَارًا كَثِيرَةً فِي نِسْبَةِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فَعَلَ بَعْضُهُمْ فِي رِسَالَةٍ لَهُ، وَمِنْ حُجَجِهِ مَا جَاءَ فِي "الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ" الْمَنْسُوبِ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: "وَلَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ وَكِتَابَتُنَا لَهُ مَخْلُوقَةٌ وَقِرَاءَتُنَا لَهُ مَخْلُوقَةٌ وَالْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ". وَهُمْ تَارَةً يَنْسُبُونَ هَذَا الْكِتَابَ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَتَارَةً يُشَكِّكُونَ فِي نِسْبَتِهِ حَسَبَ هَوَاهُمْ، فَإِذَا وَجَدُوا فِيهِ مَا يُؤَيِّدُ رَأْيَهُمْ أَثْبَتُوهُ لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَعْرَضُوا عَنْ قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْعِبَارَةِ "وَالْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ" وَتَمَسَّكُوا بِأَوَّلِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ "وَلَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ"، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، لَكِنَّ مَسْأَلَةَ اللَّفْظِ أَشْكَلَتْ عَلَى كَثِيرِينَ. وَلِي مَقَالٌ بِعُنْوَانِ "مَسْأَلَةُ اللَّفْظِ" ذَكَرْتُ فِيهِ مَنْ خَالَفَ فِي مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ وَهُمْ أَئِمَّةٌ قَالَ عَنْهُمُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ: "إِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ تَذْكُرُ قَوْلَهَا عَنْ أَحْمَدَ وَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ قَوْلَهُ لِدِقَّةِ مَعْنَاهُ". وَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ أَشْكَلَتْ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَجَانَبَ فِيهَا الصَّوَابَ، لَكِنْ أَهْلَ الْعِلْمِ عَذَرُوهُ وَلَمْ يُكَفِّرُوهُ وَلَمْ يُبَدِّعُوهُ .

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي (تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ): "وَأَكْثَرُ الطَّالِبِينَ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ، لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، لَكِنْ كَثُرَتْ فِي هَذَا الْبَابِ الشُّبَهُ وَالْمَقَالَاتُ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَى الْقُلُوبِ أَنْوَاعُ الضَّلَالَاتِ، حَتَّى صَارَ الْقَوْلُ الَّذِي لَا يَشُكُّ مَنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ، أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ وَالْبُرْهَانِ، بَلْ لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَدْ جَهِلَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَعْيَانِ الْفُضَلَاءِ، [فَظَنُّوا] أَنَّهُ مِنْ مَحْضِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، بَلْ لَا يَشُكُّونَ فِي أَنَّهُ مُقْتَضَى صَرِيحِ الْعَقْلِ وَالْعِيَانِ، [وَلَا] يَظُنُّونَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوَاطِعِ الْبُرْهَانِ". فَالْأَمْرُ كَمَا تَرَى، فَلَوْ كَانَ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِنْصَافِ لَتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ "وَالْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ" وَاعْتَذَرَ لَهُ عَنْ قَوْلِهِ الْآخَرِ، هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ نِسْبَةِ الْكِتَابِ إِلَيْهِ، لَكِنَّ الْقَوْمَ كَمَا قَدَّمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ عَدَاوَةٌ.

ثُمَّ وَجَدْتُ ذَلِكَ الْحَدَّادِيَّ يُعَقِّبُ بِأَثَرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: "كَلَّمْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَنَةً جَرْدَاءَ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ أَمْ لَا؟ فَاتَّفَقَ رَأْيُهُ وَرَأْيِي عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَهُوَ كَافِرٌ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَكَمَا تَرَى، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمُنَاظَرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ آثَارًا فِي مُنَاظَرَةِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ رُجُوعِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِرُوَاتِهَا بِجَرْحٍ أَوْ تَعْدِيلٍ. وَبَدَلَ أَنْ يَجْعَلَ الْأَثَرَ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ حُجَّةً عَلَى نَفْيِ التُّهْمَةِ، قَالَ: "وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ تَابَ وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ"، فَكَانَ هَمُّهُ إِثْبَاتَ التُّهْمَةِ وَلَوْ أَعْقَبَهَا تَوْبَةٌ. وَقَدْ وَجَدْتُ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَا يَزَالُونَ يُلْصِقُونَ هَذِهِ التُّهْمَةَ بأَبِي حَنِيفَةَ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى كَلَامِهِ عَنِ التَّوْبَةِ.

يَعْنِي كَمَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: "عَنْزٌ وَلَوْ طَارَتْ". وَعِنْدَمَا يُذْكَرُ لَهُمْ مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: "لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ". لَا يَرْفَعُونَ لِذَلِكَ رَأْسًا وَيَهْرَعُونَ إِلَى تَضْعِيفِهِ رَغْمَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ (الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ) أَنَّ "أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ هُمُ الَّذِينَ تَابَعُوا جَهْمًا بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ" وليس أَبو حَنِيفَةَ . يَقُولُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (مُخْتَصَرِ كِتَابِ "الْعُلُوِّ): "إِلَّا أَنَّنِي دَقَّقْتُ النَّظَرَ فِي بَعْضِهَا فَوَجَدْتُهُ لَا يَخْلُو مِنْ قَادِحٍ وَلَعَلَّ سَائِرَهَا كَذَلِكَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يَقُولُ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ" .

وَهَؤُلَاءِ الْحَدَّادِيَّةُ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ مَا لَهُمْ وَيَتْرُكُونَ مَا عَلَيْهِمْ، فَقَدِ اعْتَادَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنْ يَحْتَجَّ بِأَثَرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَنْسبُ فِيهِ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ إِلَى شَيْخِهِ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَتَعَامَوْنَ عَنْ أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ سَابِقٍ سَأَلَ أَبَا يُوسُفَ: "أَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَلَا أَنَا أَقُولُهُ. فَقُلْتُ: أَكَانَ يَرَى رَأْيَ جَهْمٍ؟ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ وَلَا أَنَا أَقُولُهُ".

وَكَمَا سَبَقَ بَعْضُهُمْ جَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى تَوْبَتِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَهُمْ بِتَوْبَتِهِ فَلِمَ تُشَنِّعُونَ عَلَى رَجُلٍ تَابَ وَأَنَابَ وَلَا تَزَالُونَ تَذْكُرُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُوجِبُ تَكْفِيرَهُ. وَقَدْ فَعَلُوا مِثْلَ هَذَا مَعَ النَّوَوِيِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ تَحْتَ عُنْوَانِ (قَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ): "لَمْ أَجِدْ لَهُ فِيهِ كَلَامًا وَاضِحًا"، مَعَ أَنَّ النَّوَوِيَّ فِي "الْمَجْمُوعِ" قَالَ: "وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَكْفِيرِهِ". وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يَقُولُ الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي عَدَمِ الْقَوْلِ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فِي "تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ" فَقَدِ انْتَقَى مِنْ كَلَامِ الْأَزْهَرِيِّ شَيْئًا فِي ذِكْرِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لَهُ. وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَثِيرًا وَيَأْتُونَ بِكَلَامٍ لَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لِيُلْصِقُوا تُهْمَةَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ لِلنَّوَوِيِّ لِأَنَّهُ الْمُتَمَسَّكُ الْأَخِيرُ لَهُمْ فِي تَكْفِيرِهِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْعُلُوِّ.

مسألة خلق القرآن

وَمَسْأَلَةُ خَلْقِ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ وَالَّتِي أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى تَكْفِيرِ الْقَائِلِ بِهَا، إِلَّا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا تَفْصِيلٌ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ قَرَأَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ (الْعَقِيدَةِ) الْمُسْنَدَةِ. وَهَذَا يَجْعَلُنَا نَحْمِلُ أَكْثَرَ كَلَامِ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْإِطْلَاقَ وَالتَّعْمِيمَ، وَهَذِهِ الْجُزْئِيَّةُ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي أَبَى الْحَدَّادِيَّةُ أَنْ يَفْهَمُوهَا، وَمَنْ فَهِمَهَا مِنْهُمْ أَبَى أَنْ يُقِرَّ بِهَا لِأَنَّهَا تَقْضِي عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَتَجْتَثُّهَا مِنْ أُصُولِهَا.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي (تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ): "وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يُكَفِّرُونَ الْجَهْمِيَّةَ فِي الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْمِيمِ، وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ مِنْهُمْ فَقَدْ يَدْعُونَ لَهُ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ ظَاهِرًا لِقَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ، وَفِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ بِحَسَبِ ظُهُورِ دِينِ الْمُرْسَلِينَ".

وَلِهَذَا عِنْدَمَا أُوقِفُوا عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّقَارِيرِ الَّتِي تَنْسِفُ بِدْعَتَهُمْ، بَدَأُوا يُزَهِّدُونَ أَصْحَابَهُمْ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي تُرَاثِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَيَلْمِزُونَهُ أَحْيَانًا فِي نِقَاشَاتِهِمْ .

وَفِي (السُّنَّةِ) لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ: "وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ مِمَّنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَكَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَمَنْ قَالَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ".

كَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ كَمَا يَظُنُّ أَكْثَرُ طُلَّابِ الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ عَذَرَ السَّلَفُ بِالْجَهْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بَيْنَمَا أَغْلَظُوا الْقَوْلَ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ الْمَحْضَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرَادُوا بِهِ أَنَّ اللَّهَ (لَا شَيْءَ)، وَبَعْضُهُمْ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ (مَخْلُوقٌ)، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجْهَلُهَا الْحَدَّادِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ "الْقَاعِدَةُ فِي التَّبْدِيعِ وَاحِدَةٌ". وَلِذَلِكَ يَصِفُونَ كُلَّ مُخَالِفٍ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَوْ خَلْقِ الْقُرْآنِ أَوِ الْإِيمَانِ، أَنَّهُ جَهْمِيٌّ وَيُنزِّلُونَ كَلَامَ السَّلَفِ فِي الْجَهْمِيَّةِ الْمَحْضَةِ عَلَى كُلِّ مُخَالِفٍ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ.

وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ يُكَفِّرُونَ الْأَشَاعِرَةَ كَفِرْقَةٍ وَحَتَّى أَعْيَانَهُمْ، وَحُجَّتُهُمُ الْقَاعِدَةُ السَّابِقَةُ وَالْإِطْلَاقَاتُ الْوَارِدَةُ عَنِ السَّلَفِ كَقَوْلِهِمْ: "مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ".

وَأَهْلُ الْعِلْمِ بَيَّنُوا الْفُرُوقَ بَيْنَ الْجَهْمِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ فِي أَكْثَرِ الْأَبْوَابِ. فَمَثَلًا فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الْجَهْمِيَّةُ الْمَحْضَةُ يَنْفُونَ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ وَيُثْبِتُونَ الْأَسْمَاءَ، وَالْأَشَاعِرَةُ يُثْبِتُونَ الْأَسْمَاءَ وَبَعْضَ الصِّفَاتِ.

وَقَدْ بَيَّنَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَقِيقَةَ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا أَنَّ اللَّهَ لَا شَيْءَ، وَقَوْلُهُمْ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ أَرَادُوا بِهِ أَنَّ اللَّهَ مَخْلُوقٌ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي(مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى): "وَالْمَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ إِطْلَاقُ أَقْوَالٍ بِتَكْفِيرِ الْجَهْمِيَّةِ الْمَحْضَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الصِّفَاتِ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُرَى؛ وَلَا يُبَايِنُ الْخَلْقَ؛ وَلَا لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ وَلَا حَيَاةٌ بَلِ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَرَوْنَهُ كَمَا لَا يَرَاهُ أَهْلُ النَّارِ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ".

وَالسَّلَفُ كَانُوا يُفَرِّقُونَ عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ وَيَعْذِرُونَ بِالْجَهْلِ.

وَأَنَا لَا أُرِيدُ الْخَوْضَ فِي مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ وَلِي فِي ذَلِكَ عِدَّةُ مَقَالَاتٍ تَجِدُهَا عَلَى مَوْقِعِ "جَامِعِ الْمَسَائِلِ"، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُبَيِّنَ مَنْهَجَ الْقَوْمِ وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مُخَالِفُونَ لِمَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ .  

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: "فَإِذَا رَأَيْتَ إِمَامًا قَدْ غَلَّظَ عَلَى قَائِلِ مَقَالَتِهِ أَوْ كَفَّرَهُ فِيهَا، فَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا حُكْمًا عَامّاً فِي كُلِّ مَنْ قَالَهَا، إِلَّا إِذَا حَصَلَ فِيهِ الشَّرْطُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ وَالتَّكْفِيرَ لَهُ".

وَفِي (مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى) قَالَ: "إنَّ مَا ثَبَتَ قُبْحُهُ مِنَ الْبِدَعِ وَغَيْرِ الْبِدَعِ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوِ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إِذَا صَدَرَ عَنْ شَخْصٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُعْذَرُ فِيهِ؛ إِمَّا لِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ يُعْذَرُ فِيهِ وَإِمَّا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ، كَمَا قَدْ قَرَّرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَرَّرْتُهُ أَيْضًا فِي أَصْلِ التَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ الْمَبْنِيِّ عَلَى أَصْلِ الْوَعِيدِ. فَإِنَّ نُصُوصَ الْوَعِيدِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنُصُوصَ الْأَئِمَّةِ بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ مُوجِبِهَا فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِعُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ".

وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ هَانِئٍ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: "أَيُصَلَّى خَلْفَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؟" فَقَالَ: "إِذَا كَانَ دَاعِيَةً أَوْ يُخَاصِمُ فِيهَا أَوْ يَدْعُو إِلَيْهَا لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَلَا يُكَلَّمُ. فَقُلْتُ: فَمَنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُخَاصِمُ فِيهِ؟ قَالَ: هُوَ أَهْوَنُ. قُلْتُ: فَيُصَلَّى خَلْفَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَلَيْسَ هَذَا صَاحِبَ بِدْعَةٍ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ هَذَا لَعَلَّهُ لَا يَدْرِي يَرْجِعُ، وَهَذَا يَدْعُو إِلَيْهَا".

قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: "الرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا تَعْرِفُ؟" فَقَالَ: "نَعَمْ آمُرُهُ أَنْ يُعِيدَ. قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَهَكَذَا أَهْلُ الْبِدَعِ كُلُّهُمْ؟" قَالَ: "لَا، إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَسْكُتُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ. وَقَالَ: لَا تُصَلِّ خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، إِذَا كَانَ دَاعِيَةً إِلَى هَوَاهُ، وَقَالَ: لَا تُصَلِّ خَلْفَ الْمُرْجِئِ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً".

وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَيْضًا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ. وَالْقَوْمُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُمْ يُزَهِّدُونَ فِي كُتُبِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَيَلْمِزُونَهُ فِي بَعْضِ تَقْرِيرَاتِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَاحِبِ نَصٍّ يُخَالِفُ مَا قَعَّدُوهُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ بَعْضُهُمْ فِي كِتَابٍ لَهُ مُعَلِّقًا عَلَى كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: "وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ فِيهِ نَظَرٌ" وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِمُ الْمُبْتَدَعَةِ فِي التَّبْدِيعِ.

بين الجهمية والأشاعرة

أَمَّا حَقِيقَةُ الْجَهْمِيَّةِ فَلَيْسَ كَمَا يُمَوِّهُ الْقَوْمُ وَيَصِفُونَ كُلَّ مُخَالِفٍ لَهُمْ بِالتَّجَهُّمِ حَتَّى تَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى تَكْفِيرِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ قَلَّ أَنْ تَجِدَ مَنْ يُنَبِّهُ عَلَيْهَا، وَلَهَا تَطْبِيقَاتٌ أُخْرَى فِي مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي مَقَالٍ لِي عَنِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ وَسَبَبِ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعَصْرِ فِيهِ.

فَفِي (بَيَانِ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ) قال شَيْخُ الْإِسْلَامِ :

“وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ، يَصِفُونَ فِيهِ الْجَهْمِيَّةَ بِالزَّنْدَقَةِ الَّتِي هِيَ النِّفَاقُ، وَبِالتَّعْطِيلِ، وَبِالْجُحُودِ لِلْقُرآنِ وَالْحَدِيثِ، وَبِأَنَّهُم إِنَّمَا يُقِرُّونَ فِي الظَّاهِرِ بِالْإِسلَامِ وَالْقُرآنِ خَوفًا مِنَ السَّيفِ. إِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَهُم أَوَّلُ مَن أَحْدَثَ فِي الْإِسلَامِ الْقَولَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيسَ بِجِسْمٍ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَيسَ بِجِسْمٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَستَلزِمُ نَفْيَ عُلُوِّهِ عَلَى الْعَرشِ وَنَفْيَ صِفَاتِهِ وَغَيرَ ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّ مَا فِي هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُنَافَقَةِ وَالتَّقِيَّةِ وَخَوفِ السَّيفِ مِن أَهلِ الْإِيمَانِ أَعظَمُ مِمَّا ذَكَرُوهُ أُولَئِكَ" اهـ.

ثُمَّ يَأْتِي مَن يُطَبِّقُ كُلَّ مَا قِيلَ فِي الْجَهْمِيَّةِ عَلَى جُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ، فَيُكَفِّرُهُم فِي الْعُمُومِ بِحُجَّةِ أَنَّ السَّلَفَ كَفَّرُوا الْجَهْمِيَّةَ، وَيَأْتِي بِنُقُولَاتٍ عَمَّن كَفَّرَهُم مِنَ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ تَجِدُ أَكْثَرَهَا فِي تَكْفِيرِ أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِم، أَو فِي وَصْفِ مَقَالَتِهِم، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ، أَو إِطلَاقَاتٍ، وَالْقَومُ لَا يُفَرِّقُونَ بَينَ الْإِطلَاقِ وَالتَّعْيِينِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ. وَيَقُولُ: إِنَّ أَهْلَ الْعِلمِ كَشَيخِ الْإِسلَامِ وَغَيرِهِ سَمَّوُا الْأَشَاعِرَةَ جَهْمِيَّةً. وَغَفَلَ هَذَا عَن أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ فِي الْأَصْلِ لَيسُوا مِنَ الثِّنْتَينِ وَالسَّبعِينَ فِرْقَةً، وَلِذَلِكَ كَفَّرَهُمُ السَّلَفُ قَولًا وَاحِدًا، وَقَد نَقَلَ شَيخُ الْإِسلَامِ عَن "طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِن أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيرِهِم، قَالُوا: إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ كُفَّارٌ فَلَا يَدخُلُونَ فِي الاثنَتَينِ وَالسَّبعِينَ فِرْقَةً".

فَمَن جَعَلَ الْأَشَاعِرَةَ مِنَ الثِّنْتَينِ وَالسَّبعِينَ فِرْقَةً ثُمَّ كَفَّرَهُم بِحُجَّةِ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلمِ سَمَّاهُم جَهْمِيَّةً وَالْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ، فَقَد تَنَاقَضَ وَخَالَفَ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِندَ أَهْلِ الْعِلمِ، وَقَد نَصُّوا عَلَى أَنَّ مَذهَبَ السَّلَفِ لَا يُقَرَّرُ بِالْفَهمِ وَإِنَّمَا يُقَرَّرُ بِالنَّقْلِ.

وَالْعَجِيبُ أَنَّهُم يَحتَجُّونَ بِكَلَامٍ لِشَيخِ الْإِسلَامِ فِي تَكْفِيرِهِم، وَأَقْوَى مَا يَذْكُرُونَهُ قَولُهُ لِبَعْضِهِم: "‌يَا ‌مُرْتَدِّينَ عَنِ الشَّرِيعَةِ يَا زَنَادِقَةَ". وَهَذَا كَمَا قَدَّمْنَا فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِم وَقِصَّتُهُ مَعَ كِبَارِهِم وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيهِم، وَرَغْمَ ذَلِكَ لَم يُكَفِّرْهُم مَعْرُوفَةٌ وَمَشْهُورَةٌ.

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَلِهَذَا كُنتُ أَقُولُ لِأَكابِرِهِم: لَو وَافَقتُكُم عَلَى مَا تَقُولُونَهُ لَكُنتُ كَافِرًا مُرِيدًا - لِعِلْمِي بِأَنَّ هَذَا كُفْرٌ مُبِينٌ - وَأَنْتُم لَا تُكَفَّرُونَ لِأَنَّكُم مِن أَهلِ الْجَهْلِ بِحَقَائِقِ الدِّينِ، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يُكَفِّرُونَ الْجَهْمِيَّةَ فِي الْإِطلَاقِ وَالتَّعْمِيمِ..". وَقَد سَبَقَ ذِكرُهُ بِتَمَامِهِ.

وَأَنَا لَا أُرِيدُ هُنَا أَن أُدَافِعَ عَنِ الْأَشَاعِرَةِ أَرَاذِلَةِ الْوَرَى، وَلِي بَحْثٌ فِي كَشْفِ حَقِيقَةِ الْأَشَاعِرَةِ، لَكِنَّ الْمُنْكَرَ مَا ظَنَّهُ بَعْضُهُم أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحَدَّادِيَّةِ أَو الدِّفَاعَ عَن بَعْضِ مَن نُسِبَ إِلَى الْأَشْعَرِيَّةِ كَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالدِّفَاعِ عَنِ الْأَشَاعِرَةِ، وَعَدَّ ذَلِكَ مِن وَاجِبِ الْإِنْصَافِ.

هَذَا مَا تَيَسَّرَ وَلَنَا عَودَةٌ فِي مَقَالٍ قَادِمٍ نُبَيِّنُ بَاقِيَ أُصُولِ الْقَومِ، وَمِنهَا كَذِبُهُم عَلَى الْعُلَمَاءِ وَعَدَمُ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَحُبُّ الظُّهُورِ وَالتَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ حَتَّى أَنَّهُم اخْتَرَعُوا وَأَحْيَوُا أَلفَاظًا بَعضُهَا عَفَا عَلَيهَا الزَّمَنُ يَصِفُونَ بِهَا خُصُومَهُم كَفُلَانٍ مُدَجَّنٍ وَكَمَوْجٍ وَالنَّعَالِيَّةِ.

خاتمة وفيها قواعد

وَخِتَامًا:

أَقُولُ إنّ النَّوَوِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ رحمهما الله وأجزل مثُوبتَهما أَصْبَحَا مِحْنَةً فِي هَذَا الْعَصْرِ، يُمتَحَنُ بِهِمَا مِنَ الطَّرَفَينِ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ خَرَجَت لَنَا هَذِهِ الْفِرْقَةُ أَو الطَّائِفَةُ، وَرَغْمَ أَنَّهُمَا لَم يَنسُبَا نَفسَيهِمَا إِلَى الْأَشْعَرِيَّةِ رَغْمَ ظُهُورِ الْأَشَاعِرَةِ فِي عَصرَيهِمَا، إِلَّا أَنَّ الْأَشَاعِرَةَ وَبَعْضَ جَهَلَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ يَتَمَنَّوْنَ أَن يَكُونَا أَشْعَرِيَّينِ، وَالْعَارِفُ بِهِمَا يَجْزِمُ بِعَدَمِ ذَلِكَ، وَيَكفِي فِي بَرَاءَتِهِمَا مِنَ الْاِنتِسَابِ أَنَّ بَعضَهُم يَتَلَمَّسُ مَا لَا يَصلُحُ أَن يَكُونَ دَلِيلًا لِيَجْعَلَهُ دَلِيلًا وَلَو بِالتَّحْرِيفِ، وَقَد مَرَّ بَعْضُ ذَلِكَ، وَأَزِيدُ هُنَا أَنَّ أَحَدَ الْمُحَقِّقِينَ الْمَشهُورِينَ عِندَمَا حَقَّقَ كِتَابًا لِلذَّهَبِيِّ وَوَجَدَ عَلَى حَاشِيَتِهِ تَعْلِيقًا لِلسُّبْكِيِّ وَهُوَ مِن كِبَارِ الْأَشَاعِرَةِ يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ النَّوَوِيَّ رَجُلٌ أَشْعَرِيٌّ، قَامَ هَذَا الْمُحَقِّقُ فَجَعَلَهُ مِن كَلَامِ الذَّهَبِيِّ فِي كِتَابِهِ (تَارِيخِ الْإِسلَامِ) وَزَادَ فِيهِ مَا يُوهِمُ الْقَارِئَ أَنَّهُ مِن كَلَامِ الذَّهَبِيِّ، وَآخَرُ لَا يَزَالُ يَتَنَقَّلُ بِمَخطُوطَاتِهِ بَينَ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ لِيُثْبِتَ أَنَّ النَّوَوِيَّ أَشْعَرِيٌّ يَتَكَثَّرُ بِهِ، وَالْعَجِيبُ أَنَّهَا تَنقُضُ قَولَهُ، وَلَكِنَّهَا (لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). يَفْعَلُ هَذَا بَعْدَ أَن كَانَ مَحْسُوبًا عَلَى السَّلَفِيَّةِ.

وَعِندَ التَّحقِيقِ، فَإِنَّ الْحَافِظَينِ النَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ قَد خَالَفَا الْأَشَاعِرَةَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ مِثلِ مَصَادِرِ التَّلَقِّي، وَأَوَّلِ وَاجِبٍ، وَالتَّوحِيدِ، وَتَعْرِيفِ الْإِيمَانِ، وَصِفَةِ الْكَلَامِ، وَعَدَمِ الْقَولِ بِخَلْقِ الْقُرآنِ، وَإِثْبَاتِ صِفَاتٍ لَا يُثْبِتُهَا الْأَشَاعِرَةُ، وَالْاِحتِجَاجِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَمِّ الْكَلَامِ، وَذَمِّ الْمَذهَبِ الْأَشْعَرِيِّ، لَكِن وَافَقُوهُم فِي تَأوِيلِ الصِّفَاتِ.

وَالْمَذهَبُ الْأَشْعَرِيُّ مَذهَبٌ كَلَامِيٌّ فَلْسَفِيٌّ تَدُورُ أُصُولُهُ حَولَ الْعَرَضِ وَالْجَوهَرِ، وَدَلِيلِ الْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ، وَالْمُتَعَلّقَاتِ، وَعُلَمَاؤُهُ يُصَرِّحُونَ بِتَقْدِيمِ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ، وَالْحَافِظَانِ يُنْكِرَانِ هَذَا، فَلَا يَصِحُّ أَن نَنسُبَ إِلَيهِ عَالِمًا لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ وَافَقَهُم فِي تَأوِيلِ الصِّفَاتِ أَو بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْجُزئِيَّةِ فَنُخْرِجَهُ مِن دَائِرَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، خَاصَّةً أَنَّ الْحَافِظَينِ كَثِيرًا مَا يَنقُلَانِ مَذهَبَ السَّلَفِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَحْيَانًا يُعَقِّبَانِ بِقَولِهِمَا: وَهُوَ أَحْوَطُ وَأَسْلَمُ، وَلَا يُشَنِّعَانِ كَمَا يُشَنِّعُ الْأَشَاعِرَةُ، وَقَد عَلِمْنَا أَنَّ الْأَشَاعِرَةَ يَصِفُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ أَقْوَالِهِم بِأَشْنَعِ الصِّفَاتِ كَالْحَشْوِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ، وَيُبَدِّعُونَهُم وَيُكَفِّرُونَ كِبَارَ عُلَمَائِهِم، وَهَذَا لَا نَرَاهُ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ، وَقَد مَرَّ مَعَنَا مَا يُبَرِّئُ النَّوَوِيَّ مِن تُهْمَةِ الْاِنتِسَابِ إِلَى الْأَشَاعِرَةِ، وَأَمَّا ابْنُ حَجَرٍ فَالْأَمرُ فِيهِ أَهوَنُ، وَقَد كَتَبتُ فِي بَرَاءَتِهِ مَقَالًا تَجِدُهُ عَلَى مَوقِعِ جَامِعِ الْمَسَائِلِ.

وَالْقَاعِدَةُ كَمَا قَالَ شَيخُ الْإِسلَامِ فِي عَدَمِ تَبْدِيعِ الْمُخَالِفِينَ مِن أَهْلِ الْعِلمِ وَإِخرَاجِهِم مِن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَنِسْبَتِهِم إِلَى فِرْقَةٍ مِنَ الْفِرَقِ: "إِذَا لَم يَجْعَلُوا مَا ابْتَدَعُوهُ قَولًا ‌يُفَارِقُونَ ‌بِهِ ‌جَمَاعَةَ ‌الْمُسلِمِينَ؛ يُوَالُونَ عَلَيهِ وَيُعَادُونَ؛ كَانَ مِن نَوعِ الْخَطَأِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَغْفِرُ لِلْمُؤمِنِينَ خَطَأَهُم فِي مِثلِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا وَقَعَ فِي مِثلِ هَذَا كَثِيرٌ مِن سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، لَهُم مَقَالَاتٌ قَالُوهَا بِاجْتِهَادٍ، وَهِيَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ بِخِلَافِ مَن وَالَى مُوَافِقَهُ وَعَادَى مُخَالِفَهُ، وَفَرَّقَ بَينَ جَمَاعَةِ الْمُسلِمِينَ".

ذَكرَ ذَلِكَ جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ "عَن قَولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ (تَفتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثَةً وَسَبعِينَ فِرْقَةً). مَا الْفِرَقُ؟ وَمَا مُعتَقَدُ كُلِّ فِرْقَةٍ مِن هَذِهِ الصُّنُوفِ؟".

قُلتُ: فَإِنَّ مِن أَعظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي تُمَيِّزُ أَهْلَ السُّنَّةِ الِاجْتِمَاعُ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَعَدَمُ مُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا هُوَ الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ شَيخِ الْإِسلَامِ.

وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَحُلُّ إِشكَالَاتٍ كَثِيرَةً عِندَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعَاصِرِينَ وَتُغنِيهِم عَن كَثِيرٍ مِنَ التَّأصِيلَاتِ وَالتَّفْرِيعَاتِ الَّتِي وَضَعُوهَا، فَبَعْضُهُم حَتَّى يَحْكُمَ بِخُرُوجِ الرَّجُلِ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَرَّقَ بَينَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَهَذَا قَولُ الْمُعتَزِلَةِ وَلَو التَزَمْنَاهُ لَبَدَّعنَا كَثِيرًا مِن أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبَعْضُهُم جَعَلَ الضَّابِطَ عَدَدَ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا مِن حَيثُ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَبَعْضُهُم جَعَلَ الضَّابِطَ مَدَى تَقْرِيرِهِ لِلْخَطَأِ وَجَعْلِهِ أَصْلًا وَقَاعِدَةً يَسِيرُ عَلَيهَا فِي بَاقِي الْمَسَائِلِ، وَبَعْضُهُم قَالَ: نَنظُرُ إِلَى أُصُولِهِ الَّتِي يَبنِي عَلَيهَا، وَهَذَا الضَّابِطُ عَنِ التَّأَمُّلِ خَارِجٌ عَن مَحَلِّ الْبَحْثِ، وَبَعْضُهُم عِندَ مُقَارَنَةِ مَقَالَتةِ الْمُخَالِفِة بِمَقَالَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَرَّقَ بَينَ الْاِشتِرَاكِ فِي اللَّفْظِ وَالِاِشتِرَاكِ فِي الْمَعنَى، وَالِاِشتِرَاكِ فِي مُجْمَلِ الْمَعنَى وَالِاِشتِرَاكِ فِي مُفَصَّلِهِ، وَهَذَا يَصلُحُ فِي الْحُكْمِ عَلَى مُوَافَقَةِ الْمُخَالِفِ لِأَهْلِ الْبِدَعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ لَا الْحُكْمِ الْعَامِ عَلَى الشَّخْصِ الْمُخَالِفِ وَنِسْبَتِهِ لِفِرْقَةٍ مِنَ الْفِرَقِ الْمُخَالِفَةِ.

هَذَا وَاللَّهُ أَعلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.