وذلك مِثلُ قَولِ القائِلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك يا غفورُ، أن تَغفِرَ لي ذَنْبي.
ومن الأدِلَّةِ على مشروعيَّةِ هذا التَّوَسُّلِ:
قَولُ اللهِ تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180] .
أي: وللهِ أحسَنُ الأسماءِ الدالَّةِ على صفاتِ كمالِه؛ فادعُوا اللهَ وَحْدَه بتلك الأسماءِ العَظيمةِ 496.
قال الشِّنقيطيُّ: (أسماءُ اللهِ حُسْنى، أي: هي أحسَنُ شَيءٍ؛ لأنَّ الحُسنى صيغةُ تفضيلٍ، هي أفضَلُ مِن كُلِّ شَيءٍ في الحُسْنِ والجَمالِ؛ لِما تدُلُّ عليه من صِفَاتِ الكَمالِ والجَلالِ الموصوفِ بها خالِقُنا جَلَّ وعلا، تَقَدَّسَ وتَعَاظَمَ وتَنَزَّهَ؛ لأنَّ أسماءَه تدلُّ على صِفاتِ كَمالِه وجَلالِه جَلَّ وعلا.
فَادْعُوهُ بِهَا فادعُوه بتلك الأسماءِ، كأن تقولَ: يا رَحمَنُ ارحَمْنا، يا رحيمُ ارْحَمني. قال بعضُ العُلَماءِ: تقولُ: يا رحيمُ ارْحَمني، يا رازِقُ ارْزُقني، يا حكيمُ احْكُمْ لي. ولا تقولُ: يا حكيمُ اغفِرْ لي، أو: يا رزَّاقُ ارحَمْني. والتحقيقُ أنَّ هذا كُلَّه جائِزٌ؛ لأنَّ أسماءَ اللهِ مُتلازِمةٌ، كُلُّ صِفةٍ في واحدٍ منها تستلزِمُ جميعَ الصِّفاتِ الأُخرى؛ لعَظَمةِ صِفاتِه جَلَّ وعلا، واستلزامِ كُلِّ واحدةٍ منها غايةَ الكَمالِ والجَلالِ) 497.
وقال ابنُ عُثَيمين: (إحصاءُ أسْماءِ اللهِ معناه:
1 - الإحاطةُ بها لفظًا ومعنًى.
2 - دُعاءُ اللهِ بها؛ لِقَولِه تعالى: فَادْعُوهُ بِهَا وذلك بأن تجعَلَها وَسيلةً لك عند الدُّعاءِ، فتَقولَ: يا ذا الجَلالِ والإكرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، وما أشبَهَ ذلك.
3- أن تتعبَّدَ لله بمُقتَضاها، فإذا عَلِمْتَ أنَّه رحيمٌ، تتعَرَّضُ لرَحمتِه، وإذا عَلِمتَ أنَّه غفورٌ، تتعَرَّضُ لمغفرتِه، وإذا عَلِمتَ أنَّه سميعٌ، اتَّقَيتَ القَولَ الذي يُغضِبُه، وإذا عَلِمتَ أنَّه بصيرٌ، اجتَنبْتَ الفِعلَ الذي لا يرضاهـ) 498.
ومن ذلك ما حكاه اللهُ عن إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَولِه: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: 129] .
ومن ذلك دُعاءُ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ؛ حيثُ قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: 19] .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ
499.
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: كان رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعلِّمُ أصْحابَه الاستِخارةَ في الأُمورِ كُلِّها، كما يُعَلِّمُهم السُّورةَ مِنَ القُرآنِ؛ يقولُ: إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ فلْيَركَعْ رَكْعَتينِ مِن غيرِ الفَريضةِ، ثُمَّ ليَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أستَخِيرُك بعِلْمِك، وأستَقْدِرُك بقُدْرتِك، وأسأَلُكَ مِن فَضْلِك؛ فإنَّك تَقدِرُ ولا أقْدِرُ، وتَعْلَمُ ولا أعْلَمُ، وأنت علَّامُ الغُيوبِ...
الحديث 500.
فالمسلِمُ يَرفَعُ يَدَيه إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سائلًا رَبَّه طالبًا منه سبحانَه أن يختارَ له الخيرَ، ويتوسَّلُ إليه بأسمائِه الحُسنى، فالباءُ في قولِه: (بعِلمِك)، و(بقُدرتِكَ) للاستعانةِ، والمعنى: أستخيرُك مُستَعينًا ومتوسِّلًا إليك بعِلمِك وقُدرتِك. وقيل: الباءُ للتَّعليلِ، فيَكونُ المعنى: أستخيرُك أنت وَحْدَك؛ بسبَبِ عِلمِك، وبسبَبِ قُدرتِك؛ فأنت الأعلَمُ والأقدَرُ.
وعلى هذا وذاك فإنَّ الواجِبَ على المسلِمِ أن يتوسَّلَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بأسمائِه وصِفاتِه، وأن يَطلُبَ آثارَهما مِن اللهِ عزَّ وجلَّ في قَضاءِ حوائِجِ الدُّنيا والآخِرةِ؛ فهذا مِن التوسُّلِ المشروعِ 501.
تنبيهٌ:
أسماءُ اللهِ عزَّ وجلَّ وصفاتُه تشترِكُ في الاستعاذةِ بها، والحَلِفِ بها، لكن تختلِفُ في التَّعبُّدِ والدُّعاءِ، فيُتعبَّدُ اللهُ بأسمائِه، فنقولُ: عبدُ الكريمِ، وعبدُ الرَّحمنِ، وعبدُ العزيزِ، لكن لا يُتعبَّدُ بصفاتِه، فلا نقولُ: عبدُ الكرَمِ، وعبدُ الرَّحمةِ، وعبدُ العزَّةِ، كما أنَّه يُدعَى اللهُ بأسمائِه، فنقولُ: يا رحيمُ ارحَمْنا، ويا كريمُ أكرِمْنا، ويا لطيفُ الطُفْ بنا، لكِنْ لا ندعو صفاتِه، فلا يجوزُ أن نقولَ: يا رحمةَ اللهِ، أو: يا كرَمَ اللهِ، أو: يا لُطفَ اللهِ؛ وذلك لأنَّ الصِّفةَ ليست هي الموصوفَ؛ فالرَّحمةُ ليست هي اللهَ، بل هي صفةٌ للهِ، وكذلك العِزَّةُ وغيرُها؛ فهذه صفاتٌ للهِ، وليست هي اللهَ، ولا يجوزُ التَّعبُّدُ إلَّا للهِ، ولا يجوزُ دعاءُ غيرِ اللهِ؛ لِقَولِه تعالى: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: 55] ، وقَولِه تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ، وغَيرِها مِن الآياتِ 502.
قال ابنُ عُثَيمين: (قَولُه: أعوذُ برِضاكَ مِن سَخَطِك، وبمعافاتِك مِن عُقوبتِك
كلُّ هذا استعاذةٌ بصِفةِ اللهِ، والمرادُ الموصوفُ؛ لأنَّ الدُّعاءَ المحظورَ أن تقولَ: يا قُدرةَ اللهِ اغفِري لي، يا رحمةَ اللهِ ارحَميني، هذا الذي قال عنه شيخُ الإسلامِ: إنَّه كُفرٌ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّك إذا قُلتَ: يا قُدرةَ اللهِ اغفِري لي، أو: يا رحمةَ اللهِ ارحَميني، كأنَّك جعَلْتَ هذه الصِّفةَ شَيئًا مستَقِلًّا عن الموصوفِ، فيَغفِرُ ويَرحَمُ ويُغني، أمَّا إذا قُلْتَ: أعوذُ بعِزَّةِ اللهِ، فهذا من بابِ التَّوَسُّلِ بعِزَّةِ اللهِ عَزَّ وجلَّ إلى النَّجاةِ مِن هذا المرهوبِ الذي استعَذْتَ بالعِزَّةِ منه، وكذلك: برِضَاك مِن سَخَطِك، وكذلك قَولُه: يا حيُّ يا قيُّومُ برَحْمَتِك أستغيثُ
ليس المعنى أنَّ الإنسانَ يستغيثُ بالرَّحمةِ مُنفَصِلةً عن اللهِ، لكِنْ هذا من بابِ التَّوَسُّلِ بصِفاتِ اللهِ عَزَّ وجلَ المناسِبةِ للمُستعاذِ منه أو للمَدْعُوِّ، وليس دعاءَ صِفةٍ) 503.