قالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: (الأشاعِرةُ أشَدُّ اتِّباعًا للأَثارةِ النَّبويَّةِ وأَقرَبُ إلى مَذهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مِن المُعْتَزِلةِ ونَحْوِهم مِن وُجوهٍ كَثيرةٍ؛ ولِهذا وافَقَهم في بعضِ ما ابْتَدَعوه كَثيرٌ مِن أهْلِ الفِقْهِ والحَديثِ والتَّصوُّفِ لوُجوهٍ:
أحَدُها: كَثْرةُ الحَقِّ الَّذي يَقولونَه، وظُهورُ الأَثارةِ النَّبَويَّةِ عنْدَهم.
الثَّاني: لَبْسُهم ذلك بمَقاييسَ عَقْلِيَّةٍ بعضُها مَوْروثٌ عن الصَّابِئةِ وبعضُها ممَّا ابْتُدِعَ في الإسْلامِ، واسْتيلاءُ ما في ذلك مِن الشُّبُهاتِ عليهم، وظَنُّهم أنَّه لم يُمكِنِ التَّمسُّكُ بالأَثارةِ النَّبَويَّةِ مِن أهْلِ العَقْلِ والعِلمِ إلَّا على هذا الوَجْهِ.
الثَّالِثُ: ضَعْفُ الأَثارةِ النَّبَويَّةِ الدَّافِعةِ لِهذه الشُّبُهاتِ والمُوَضِّحةِ لسَبيلِ الهُدى عنْدَهم.
الرَّابِعُ: العَجْزُ والتَّفْريطُ الواقِعُ في المُنْتَسِبينَ إلى السُّنَّةِ والحَديثِ؛ تارةً يَرْوونَ ما لا يَعلَمونَ صِحَّتَه، وتارةً يَكونونَ كالأُمِّيِّينَ الَّذين لا يَعلَمونَ الكِتابَ إلَّا أمانِيَّ، ويُعرِضونَ عن بَيانِ دَلالةِ الكِتابِ والسَّنَّةِ على حَقائِقِ الأمورِ) 290 .
ويُمكِنُ تَلْخيصُ أهَمِّ أسْبابِ انْتِشارِ المَذهَبِ الأشْعَريِّ في العالَمِ الإسْلاميِّ فيما يلي:
أوَّلًا: انْحِسارُ مَذهَبِ المُعْتَزِلةِ، وظُهورُ المَذهَبِ الأشْعَريِّ الَّذي تَصَدَّى للمُعْتَزِلةِ، وبَيَّنَ بُطْلانَ كَثيرٍ مِن بِدَعِهم.
ثانِيًا: نَشْأةُ المَذهَبِ الأشْعَريِّ في عاصِمةِ الخِلافةِ العبَّاسيَّةِ بَغْدادَ، وفيها الفُقَهاءُ والمُحَدِّثونَ والمُقْرِئونَ، ويَرحَلُ إليها طُلَّابُ العِلمِ، فكَثُرَ النَّاقِلونَ لِهذا المَذهَبِ إلى جِهاتٍ كَثيرةٍ مِن بِلادِ الإسْلامِ شَرْقًا وغَرْبًا، وشَمَالًا وجَنوبًا.
ثالِثًا: تَوَسُّطُ المَذهَبِ الأشْعَريِّ في بِدايةِ نَشْأتِه إلى حدٍّ ما بَيْنَ المُعْتَزِلةِ والجَهْميَّةِ، وبَيْنَ المُشَبِّهةِ وغُلاةِ مُثْبِتةِ الصِّفاتِ مِن الحَنابِلةِ.
رابِعًا: الجَهْلُ بحَقيقةِ مَذهَبِ السَّلَفِ، واشْتِهارُ القَوْلِ بأنَّ هناك طَريقتَينِ في آياتِ وأحاديثِ الصِّفاتِ، طَريقةَ السَّلَفِ وهي التَّفْويضُ، وطَريقةَ الخَلَفِ وهي التَّأويلُ.
خامِسًا: ظُهورُ المَذهَبِ الماتُريديِّ الَّذي يُشابِهُ كَثيرًا المَذهَبَ الأشْعَريَّ في تَأويلِ الصِّفاتِ، وفي كَثيرٍ مِن مَسائِلِ الاعْتِقادِ.
سادِسًا: انْتِسابُ كَثيرٍ مِن فُقَهاءِ الحَنَفيَّةِ إلى المَذهَبِ الماتُريديِّ، فانْتَسَبَ كَثيرٌ مِن فُقَهاءِ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ إلى المَذهَبِ الأشْعَريِّ.
سابِعًا: اشْتِهارُ القَوْلِ بأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ هُمُ الأشاعِرةُ والماتُريديَّةُ وأهْلُ الحَديثِ.
ثامِنًا: انْتِشارُ التَّصوُّفِ الَّذي امْتَزَجَ بالعَقيدةِ الأشْعَريَّةِ أو الماتُريديَّةِ.
تاسِعًا: مُراسَلةُ عُلَماءِ الأشاعِرةِ للسَّلاطينِ في الدِّفاعِ عن الأشاعِرةِ وبَيانِ صِحَّةِ مُعْتقَدِهم، ونَصيحتُهم السَّلاطينَ باتِّباعِ هذه العَقيدةِ، وتَبَنِّي بعضِ المُلوكِ والوُزَراءِ والأُمَراءِ لمَذهَبِ الأشاعِرةِ، وتَشْجيعُهم لأعْلامِه، ومُساهَمتُهم في نَشْرِه. ومِن أولئك:
1- الوَزيرُ السَّلْجوقيُّ نِظامُ المُلْكِ (ت 485 هـ)، الَّذي بَنى المَدارِسَ النِّظاميَّةَ في بَغْدادَ ونَيْسابورَ والبَصْرةِ وأصْفَهانَ وبَلْخٍ وهَراةَ ومَرْوٍ والمُوصِلِ، وكانَ يُدرَّسُ في هذه المَدارِسِ النِّظاميَّةِ المَذهَبُ الأشْعَريُّ، ومِن أَشهَرِ المُدَرِّسينَ في بعضِ هذه المَدارِسِ: أبو المَعالي الجُوَيْنيُّ، وأبو حامِدٍ الغَزاليُّ، وهُما مِن كِبارِ الأشاعِرةِ الفُقَهاءِ الأُصولِيِّينَ.
2- ابن تُومَرْتَ أميرُ المُوَحِّدينَ (ت 524هـ)، وهو مِن تَلاميذِ أبي حامِدٍ الغَزاليِّ، وقدْ أَسَّسَ دَوْلةَ المُوَحِّدينَ في بِلادِ المَغرِبِ، وتَبَنَّى هو ومَن جاءَ بَعْدَه مِن مُلوكِ دَوْلةِ المُوَحِّدينَ المَذهَبَ الأشْعَريَّ، وكانَ لهم دَوْرٌ كَبيرٌ في نَشْرِه في بِلادِ المَغرِبِ والأَنْدَلُسِ.
3- السُّلْطانُ نورُ الدِّينِ مَحْمودُ بنُ زَنْكيٍّ (ت 569هـ)، وقد أَنْشَأَ أَكبَرَ دارٍ للحَديثِ في دِمَشْقَ، ووَكَّلَ مَشْيَختَها إلى الحافِظِ ابنِ عَساكِرَ صاحِبِ كِتابِ (تَبْيين كَذِبِ المُفْتري فيما نُسِبَ إلى الأشْعَريِّ)، وأَنْشَأَ في حَلَبَ المَدْرسةَ النِّفريَّةَ النُّوريَّةَ للشَّافِعيَّةِ، وتَوَلَّى التَّدْريسَ فيها قُطْبُ الدِّينِ مَسْعودُ بنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسابوريُّ، أحَدُ أعْلامِ المَذهَبِ الأشْعَريِّ، وتَوَثَّقَتْ عَلاقةُ صَلاحِ الدِّينِ الأَيُّوبيِّ بالشَّيْخِ الأشْعَريِّ قُطْبِ الدِّينِ مُسْعودٍ.
4- السُّلْطانُ صَلاحُ الدِّينِ الأَيُّوبيُّ (ت 589هـ)، القائِدُ المَشْهورُ، فاتِحُ القُدْسِ، حَفِظَ صَلاحُ الدِّينِ الأَيُّوبيُّ عَقيدةً ألَّفَها له الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ مَسْعودٌ النَّيْسابوريُّ، وصارَ يُحفِّظُها صِغارَ أوْلادِه، وحَمَلَ صَلاحُ الدِّينِ النَّاسَ على عَقيدةِ الأشْعَريِّ، وشَرَطَ ذلك في أوْقافِه ومَدارِسِه الَّتي كانَت في مِصْرَ، وبَعْدَ مَوْتِ صَلاحِ الدِّينِ اسْتَمَرَّ غالِبُ مُلوكِ الأَيُّوبيِّينَ على تَشْجيعِ المَذهَبِ الأشْعَريِّ، ولمَّا زالَتِ الدَّوْلةُ الأَيُّوبيَّةُ، وجاءَ بَعْدَها دَوْلةُ المَماليكِ، وهُمْ مَوالي الأَيُّوبيِّينَ، ساروا أيضًا على المَذهَبِ الأشْعَريِّ، ثُمَّ جاءَتِ الدَّوْلةُ العُثْمانيَّةُ بَعْدَ المَماليكِ، فشَجَّعَ السَّلاطينُ العُثْمانِيُّونَ التَّصوُّفَ الَّذي امْتَزَجَ بالمَذهَبِ الأشْعَريِّ والماتُريديِّ، وكانَ هذا مِن أسْبابِ انْتِشارِ المَذهَبِ الأشْعَريِّ والمَذهَبِ الماتُريديِّ في العُصورِ المُتَأخِّرةِ.
عاشِرًا: أنَّ العُلَماءَ الأعْلامَ الَّذين تَبَنَّوُا المَذهَبَ الأشْعَريَّ أو تَأثَّروا به كالباقِلَّانيِّ، وابنِ فورَكٍ، وعَبْدِ القاهِرِ البَغْداديِّ، والبَيْهَقيِّ، وأبي القاسِمِ القُشَيْريِّ، وأبي الوَليدِ الباجيِّ، وأبي المَعالي الجُوَيْنيِّ، وأبي حامِدٍ الغَزاليِّ، والمازِريِّ، وابنِ عَطِيَّةَ الأنْدَلُسيِّ، والقاضي ابنِ العَرَبيِّ، والقاضي عِياضٍ، والفَخْرِ الرَّازيِّ، وأبي الحَسَنِ الآمِدِيِّ، والعِزِّ بنِ عَبْدِ السَّلامِ، وأبي عَبْدِ اللهِ القُرْطُبيِّ، والنَّوَويِّ، والسُّبْكيِّ، وابنِ حَجَرٍ العَسْقَلانيِّ، والسُّيوطيِّ، وابن حجر الهيتمي، وغَيْرِهم، كانَ لهم تَآليفُ كَثيرةٌ نافِعةٌ جِدًّا في فُنونٍ شَتَّى، وكانوا إمَّا دُعاةً إلى المَذهَبِ الأشْعَريِّ صَراحةً، وإمَّا مُصَوِّبينَ لِما يَنْقُلونَه عن الأشاعِرةِ مِن تَأويلِ الصِّفاتِ أو ساكِتينَ عن بَيانِ بُطْلانِه غالِبًا، لَمَّا تَقَرَّرَ عنْدَ أَكثَرِهم أنَّ مَذهَبَ السَّلَفِ هو التَّفْويضُ، وأنَّ الأشاعِرةَ يُجَوِّزونَ التَّفْويضَ أو التَّأويلَ، وأنَّه لا حَرَجَ على مَن أخَذَ بأحَدِ المَذهَبَينِ، وأخَذَ عنهم ذلك طُلَّابُهم وطُلَّابُ طُلَّابِهم، وهَلُمَّ جَرًّا، وتَأثَّرَ بهِم مَن قَرَأَ كُتُبَهم المُتَنَوِّعةَ في العَقائِدِ والتَّفْسيرِ وعُلومِ القُرْآنِ، والفِقْهِ وأُصولِ الفِقْهِ والحَديثِ والنَّحْوِ والتَّراجِمِ 291 ، حتَّى اعْتَمَدَ المَذهَبَ الأشْعَريَّ غالِبُ فُقَهاءِ الشَّافِعيَّةِ والمالِكيَّةِ المُتَأخِّرينَ، بل وتَأثَّرَ بالمَذهَبِ الأشْعَريِّ بعضُ فُقَهاءِ الحَنابِلةِ الفُضَلاءِ، فألَّفَ ابنُ الجَوْزيِّ الحَنْبَليُّ كِتابَ (دَفْعِ شُبْهةِ التَّشْبيهِ)، الَّذي رَدَّ فيه على بعضِ مَن غَلا في إثْباتِ الصِّفاتِ مِن الحَنابِلةِ، وقابَلَ ذلك بالتَّأويلِ أو التَّفْويضِ 292 ، وألَّفَ مرعي الحَنْبَليُّ (أقاويلَ الثِّقاتِ في تَأويلِ الأسْماءِ والصِّفاتِ والآياتِ المُحكَماتِ والمُشْتَبِهاتِ)، الَّذي قَرَّرَ فيه مَذهَبَ التَّفْويضِ لمَعاني الصِّفاتِ، وادَّعى فيه أنَّه مَذهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
حاديَ عَشَرَ: غُرْبةُ الدِّينِ، وقِلَّةُ العِلمِ بحَقيقةِ ما كانَ عليه السَّلَفُ الصَّالِحُ مِن إمْرارِهم نُصوصَ الصِّفاتِ على ظاهِرِها مِن غَيْرِ تَحْريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومِن غَيْرِ تَكْييفٍ ولا تَمْثيلٍ، وتَفْويضِهم كَيْفيَّةَ الصِّفاتِ معَ العِلمِ بمَعانيها كما يَليقُ بجَلالِ اللهِ وعَظَمتِه، وتَقْصيرُ كَثيرٍ مِن عُلَماءِ أهْلِ السُّنَّةِ في تَوْضيحِ الحَقِّ بأَدِلَّتِه، والرَّدِّ على الباطِلِ وأهْلِه، ومَن قامَ مِنهم بنُصْرةِ الحَقِّ والرَّدِّ على أهْلِ الباطِلِ أُوذِيَ إمَّا بالسَّجْنِ أو الطَّرْدِ والنَّفْيِ، ورُبَّما أَفْتى بعضُ المُتَعَصِّبينَ بسَفْكِ دَمِه، فاكْتَفى كَثيرٌ مِن عُلَماءِ أهْلِ السُّنَّةِ بالصَّمْتِ طَلَبًا للسَّلامةِ. واللهُ المُسْتعانُ.
ثانيَ عَشَرَ: تَبَنِّي كَثيرٍ مِن دُورِ العِلمِ في العالَمِ الإسْلاميِّ عَقيدةَ الأشْعَريَّةِ؛ كالجامِعِ الأزْهَرِ في مِصْرَ، وجامِعِ الزَّيْتونةِ في تُونِسَ، وكَثيرٍ مِن المَدارِسِ الَّتي اعْتَمَدَتِ المَذهَبَ الأشْعَريَّ في مَكَّةَ والمَدينةِ ودِمَشْقَ وحَضْرَمَوْتَ وزَبيدٍ وإنْدونيسْيا وغَيْرِها مِن بِلادِ المُسلِمينَ 293 .