الحمد لله الذي قرر غاية الوجود في قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وجعل التوحيد جوهر دعوة الرسل في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] . ونشهد بالوحدانية المطلقة لله متفردًا لا شريك له ولو كره المشركون، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي عمّت رسالته البشرية جمعاء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: إِنَّ أَعْظَمَ أُمْنِيَّةٍ وَأَعْلَى مَطْلَبٍ يَرْغَبُ الْعَبْدُ فِي نَيْلِهِ فِي الدُّنْيَا، أَنْ يَكُونَ فِي عِدَادِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الْمُقْتَدِينَ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ، حَتَّى يُبَوِّئَهُ اللَّهُ دَرَجَةً عَالِيَةً فِي الْجَنَّةِ، فِي صُحْبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَصَحْبِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَى الْمَطَالِبِ فِي الْآخِرَةِ. لَكِنَّ الَّذِي يَنْبَغِي التَّذْكِيرُ بِهِ، أَنْ يَعْلَمَ الدُّعَاةُ إِلَى اللَّهِ أَنَّهُ لَنْ تَعُودَ لِلْمُسْلِمِينَ عِزَّتُهُمْ، إِلَّا بِالِانْطِلَاقِ مِنَ الْعِلْمِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَتَوَفَّرَ فِي الْأُمَّةِ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْكَافِي مِنَ الْعُلَمَاءِ، الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَى تَعْلِيمِ النَّاسِ الْإِسْلَامَ الْمُصَفَّى وَتَرْبِيَتِهِمْ عَلَيْهِ. فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، فَحِينَ ذَاكَ سَيَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية وجدنا أن بيان العقيدة الإسلامية الصحيحة والدعوة إليها يُعد من أوجب التكليفات الشرعية؛ لكونها السبيل الوحيد لمعرفة الخالق جل وعلا، وهي الفرض الأول على المكلفين، ولأجل إرسائها بُعثت الرسل ونزلت الكتب السماوية، وعلى أساسها تباينت مصائر الناس بين شقاوة وسعادة، وخُلقت الجنة والنار؛ ومن هنا تنبثق حتمية العناية بها، ولا سيما في ظل التباس الحق بالباطل على شريحة واسعة من المسلمين. وقد أولى علماء الأمة وأئمة السنّة مباحث العقيدة عناية فائقة، فأثْرَوا المكتبة الإسلامية بمؤلفات تنوعت بين الإسهاب والإيجاز والشمول والتخصيص، غير أن الإحاطة بمعظم هذا التراث باتت أمرا شاقا، وفي ظل غياب منصة إلكترونية أو برنامج تقني شامل يضم كل ما يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة، شرعنا - بتوفيق الله وفضله في أكاديمية درِّسني - في استيعاب وجمع ما تفرق في مصنفات العقيدة والتوحيد. وقد حرصنا في هذا المشروع العلمي على تغطية كافة قضايا العقيدة وموضوعاتها، مرورا بعمليات التحقيق، والتنقيح، والتأليف المتناسق بين المادة العلمية، وتخريج الأحاديث النبوية، وتبويب المحتوى وفق هيكل تصنيفي موضوعي وشجري، مع تعزيزه باقتباسات موثقة من أئمة العلم الثقات، وبخاصة من علماء السلف المتقدمين، سائلين المولى عز وجل أن يكتب لهذا العمل الإخلاص لوجهه الكريم، وأن يعم بنفعه المسلمين.

تنبيه :

هنالك بعض المنصات شرعت في مشاريع مشابهة، لكن لم يحالفها الحظ في بيان العقيدة على الطريقة السلفية المرْضيّة، ونحن في منصتنا هذه سنتعقب ما وقعوا فيه من أخطاء ومخالفات، ونشير إلى ذلك بقولنا "قال بعض العصريين".